الاثنين 8 أغسطس 2022
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: قالت التفاهة.. أنا في طريقي إليكم!

أحمد الحطاب: قالت التفاهة.. أنا في طريقي إليكم! أحمد الحطاب

حسب معجم "المعاني"، التفاهة هي نقص في الأصالة أو الإبداع أو القيمة. وجاء في نفس المعجم: "تفاهة ما بعدها من تفاهة"، أي "الحقارة و الدناءة". ووَردَ في نفس المعجم كذلك: "هُوَ رَجُلٌ تَافِهٌ"، أي "غَيْرُ مُتَّزِنٍ، قَلِيلُ العَقْلِ لاَ قِيمَةَ لأَعْمَالِهِ، حَقِيرٌ". وهذا يعني أنه عندما نقول إن فلاناً تافهٌ، يجب أن نُدركَ أن هناك نقصا في الذكاء والاتِّزان والأصالة والإبداع و في قيمة ما يصدر عن هذا التافه من أقوال وسلوك وأعمال.

 

إذن، التافهُ ليست له القدرة على تحليل الأمور والأشياء وإصدار أحكام في شأنها تتناسب مع العقل والمنطق. أحكامُه تبقى سطحيةً ومُجانبةً للصواب. ولا داعيَ للقول أن التحليل الرَّصينَ والمفيد يتحتَّم على مَن يقوم به أن تكونَ له خلفية ثقافية ومعرفية مهمَّة ليستوعب ما هو بصدد تحليله وبالأخص القراءة بين السطور وإدراك ما لم يتم الجهر به علانيةً.

 

انطلاقا من هذه الاعتبارات، يمكن القول بأن التفاهةَ هي كل ما يصدر عن شخص لا تتوفَّر فيه المواصفات السابقة الذكر. وبما أن هذا النوعَ من الأشخاص أصبح يملأ الفضاءات العامة والخاصة، فالتفاهة أصبحت، هي الأخرى، ثقافةً قائمةَ الذات. بل قد أصبحت نظاما له رُواد يُنعِشونه ويضمنون بقاءَه واستمرارَه، كما أن له لغتَه ومفرداته.

 

ولعل أكثر التفاهات انتشاراً هي تلك التي تؤثث منابرَ التواصل الاجتماعي علما أن هذه التفاهات طالت على الخصوص الثقافة والفن والسياسة. فكم هم كثيرون أولئك الذين نصَّبوا أنفسَهم مثقفين وفنانين وسياسيين والثقافة والفن والسياسة براءٌ منهم. وما زاد ويزيد في الطين بلَّةً، أن بعض هؤلاء التافهين نصَّبوا أنفسَهم نُقَّاداً لِما يصدرُ عن المثقفين والفنانين والسياسيين الحقيقيين والأصيلين.

 

وما يجب أن نخشاه هو أن يصبحَ للتفاهة لوبيات تفرض نفسَها على المجتمع. بل إن هذه اللوبيات، حسب رأيي الشخصي، تتكوَّن شيئا فشيئا وقد تصيرُ، مع مرور الوقت، قائمة الذات. وهناك مؤشِّراتٌ تسير في هذا الاتجاه منها على الخصوص:

 

أولا، إن شبكات التواصل الاجتماعي تُعدُّ اليوم أكبر وسيلة لحمل وترويج ونشر التفاهات وتعميمها. فعلى كل مَن أراد أن يطَّلعَ على المستوى العالي للتفاهة، فما عليه إلا أن يغوصَ في مواقع التواصل الاجتماعي ليُشنَّفَ سمعُه ويُخدَّرَ دماغُه بشتى أنواع التفاهات المكتوبة، المصوَّرة والمسموعة. تفاهاتٌ لا رأسَ لها ولا جسد. تفاهات عبارة عن كلام فارغ لا يحمل ولو أدنى درَّة من الفكر. كلام من أجل الكلام، هذا إن لم يكن ساقِطا وخادِشا للآداب والعواطف. ناهيك عن الأسلوب والكلمات التي تُصاغ بها هذه التفاهات. فكل مَن جادت قريحتُه بتفاهةٍ، ينشُرها على صفحتِه لتُصبحَ كونيةً ومتداولةً على نطاق واسع. وبما أن روادَ التفاهة كُثُرٌ، فإنهم يتقاسمونها لتنتشِرَ كالسرطان.

 

ثانيا، إن فشلَ المدرسة في بناء الإنسان المغربي، المتفتِّح فكريا واجتماعيا والمشبَّع بالفكر النقدي، يُساهِم في خلقِ التفاهة وانتشارِها بحكم غياب قدرة تحليل الأفكار والأوضاع وإِصدارِ الأحكام والآراء الشخصية. يُضاف إلى هذا الفشل الهدرُ المدرسي الذي، بسببه، عددٌ هائل من المُتعلِّمين يغادرون على الخصوص التعليم الابتدائي والإعدادي بدون نُضج فكري. وبما أن هؤلاء المتعلِّمين، في هذه السن، يُقبلون إقبالاً جنونياً على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم يعزِّزون صفوفَ مُنتِجي التفاهة.

 

ثالثا، ومما يُؤسفُ له، هو أن التفاهةَ تجد مَن يشجِّعها ويزكِّيها داخل بعض الأوساط الرسمية وبعض المؤسسات العمومية. وهذا شيء معمول به في مجال الفن والثقافة على الخصوص. والدَّليل على ذلك، بثُّ بعض المسلسلات والسَّيتكومات على قنوات الإعلام المرئي، التي هي تجسيدٌ صادمٌ للتفاهة إِخراجاً، حِواراً وأداءً. مسلسلات وسيتكونات لا تحترم لا معاييرَ الجودة ولا ذوقَ المشاهدين. مسلسلات وسيتكومات خالية من الموضوع ولا تحمل أية رسالة اجتماعية، ثقافية وأخلاقية.

 

غير أن أخطرَ سببٍ يمهِّد لتكوين لوبيات التفاهة يتمثَّلُ في وصول رواد التفاهة إلى مراكز القرار وتدبير الشأنين العام والمحلي. ووصول هؤلاء الرُّواد إلى هذه المراكز شيء سهلٌ في بلاد تغيب فيها أخلاقيات المهنة وتسود فيها المحسوبية والزبونية و"باك صاحبي" و"ادهن السير إسير" ولا تتوفَّر فيها أدنى معايير الجودة والسُّمو الفكري والثقافي... وبما أن التفاهةَ تجلُبُ التفاهة، فتعميمُها يصبح سهلا، إن لم أقل شيئا عاديا.  وهذا هو ما نلاحظه في بعض وسائل الإعلام.

 

أما أخطر المخاطر هو وصول التافهين إلى عالم السياسة. وهذا الوصول هو الآخر سهلٌ ما دام المشهد السياسي فاسد حتى النخاع. ولا نحتاج إلى مِجهر لنلاحظ وجودَ التافهين في جميع مرافق الحياة العامة. إنهم موجودون في البرلمان، في الجماعات الترابية وما أكثرهم وفي الإدارات العمومية… وبما أن فاقدَ الشيء لا يعطيه، فإن هؤلاء التافهين قد يساهمون في خلق وإنتاج ونشر التَّفاهة على نطاقٍ واسعٍ.

 

وبما أن التَّافهَ غير واعٍ بتفاهته، فإنه يعتقد أنه على صواب. وهذا شيء منطقي ما دام هناك شريحة عريضة من الناس يستقبلون تفاهتَه بصدرٍ رحبٍ. وهنا تكمنُ الخطورة حينما يعتقد التافهون أن تفاهتَهم تعقُّلٌ ورزانةٌ ووقارٌ.

 

والتافهون، بجرَّة قلمٍ جاهلٍ أو نُطقِ لسان متطفَّلٍ، يضربون عرضَ الحائط كل قواعد التحليل والنقد ويُطلقون العِنانَ لأهوائهم الصادرة عن أدمغةٍ تسعى إلى الشهرة من أجل الشهرة ولو على حساب الأخلاق والقِيم والأعراف.

 

يكفي مثلاً أن نستمِعْ لبعض البرلمانيين وهم يتحدثون عن قضايا البلاد والعباد. لا شكل ولا مضمون. لا خلفية فكرية ولا بعد نظر. تطفّلٌ على السياسة وعلى الشأن العام. ولنقرأ ما يُكتب ويُنشر على صفحات مواقع التَّواصل الاجتماعي وبالأخص من طرف بعض الشباب المُمَدْرَس. فراغ فكري، أدبي ولغوي. بل كلام سطحي يعبِّر عن فُقدان القدرة على التحليل والنقد والإبداع. لا يقرؤون المقالات الفكرية التي تدعو للنقاش. باختصار، سواء تعلق الأمر بالفن أو الثقافة أو السياسة، طامَّة كبرى.

 

وختاما، ما أريد أن أُثيرَ له الانتباهَ، هو أن التفاهةَ سريعة الانتشار لأنها تجد أرضا خصبةً تستقبلها، تُنعِشها وتضمن استمرارَها. أما الفكر والثقافة الفكرية والتَّفتُّح الفكري والفكر النقدي...، عواملٌ يبدو أنها لم تعد تشغل بالَ المجتمع وقبله المدرسة.