الاثنين 17 يناير 2022
كتاب الرأي

حسن برما: "لن يسمح قلبي للدنيا.."

حسن برما: "لن يسمح قلبي للدنيا.." حسن برما
بداية أبادر لتوضيح سبب عنونة صرختي وتنديدي بـ "لن يسمح قلبي للدنيا" وهو عنوان أغنية ميگرية جميلة يتذكرها جيدا جيل السبعينيات والثمانينيات، ومحتواه يناسب واقعا مؤلما تعيشه عائلة ميگري حاليا.
حين كانت الأغنية المغربية تحاول الارتباط بتربتها الغنية بتعددها وثرائها المبهر والتخلص من تأثيرات الأغنية المشرقية ورياحها القادمة من مصر والشام، خرجت إلى الوجود مجموعة فنية معاصرة عرفها الجمهور بمجموعة "الإخوان ميگري"، وهي مجموعة تجاوزت التقليد والإيقاعات الموروثة إلى إبداع ألحان فاتنة غير مسبوقة حلقت في جميع جهات المعمور لدرجة أن الكثير من أغانيها قد سجلت بلغات متعددة ومنها ما تعرض للسرقة من فنانين وفنانات عالميين.
زمن الأسطوانات، وبالتزامن مع ظهور "الإخوان ميگري"، كانت الأغنية الغيوانية في ميلادها المحتوم وانطلاقتها القوية مع مجموعات ناس الغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب، دون نسيـان مجموعة "الأيادي الذهبية"Golden Hans التي تخصصت في إبداع أغاني الروك باللغة الانجليزية.
على المستوى الفني، الكل يعلم إسهامات مجموعة ميكري في تطوير وعصرنة الأغنية المغربية، وقد قدموا للريبرتوار المغربي أغان خالدة ما زالت تطرب مستمعيها برقي كلماتها وألحانها، والمهم الآن هو ما يتعرض له بيت العائلة كعش دافئ انطلقت منه تلك الروائع ومحاولة تدمير ذاكرته الخصبة ومحو رمزيته الباذخة باعتباره "زاوية" ومزارا فنيا في حي أثري له حضوره الجميل في التراث الحضاري المغربي.
بيوت رمزية كثيرة في المغرب دمرت وذهبت معالمها أدراج الرياح بفعل الإهمال وجهل الورثة برمزيتها ومكانتها، ولن أذكر القارئ بما وقع لبيت كاتب مغربي عالمي وما كان يحويه من تحف فنية لها قيمة كبرى ظلت موضع نزاع بين الورثة وضاعت بطريقة غبية، فيما كان الفعل الصائب هو مبادرة وزارة الثقافة والحفاظ على مثل هذه البيوت وجعلها متاحف ومزارات تحفظ ذاكرة فن وتفاصيل إبداع قدم صورة راقية عن الوطن.
في إطار ثقافة الاعتراف والوفاء للحلم الجماعي لا يجب ركوب مطية الحق الذي يراد به باطل، نعم لا أحد فوق القانون، ولكن الأوطان التي لا تعترف لمبدعيها وفنانيها وعلمائها بعطاءاتهم المميزة وتسعى لتطويرها هي أوطان فاقدة لذاكرتها الثقافية وتمضي نحو المستقبل بتشجيع الانتهازيين والسماسرة وأغنياء الأزمات.
يا سادة.. الفنان الحقيقي هو ضمير الأمة فكيف تحتفون برموز العهر والدعارة والجهل والفساد وتهمشون رموز الفكر والفن والإبداع؟ فغلا لا أحد فوق القانون.. أعني القانون الذي يحفظ كرامة المبدع الإنسان.
والأكثر قسوة وإيلاما أن يتنكر الوطن لرمز ثقافي فني عالمي ويدفعه ليصرخ صرخة الاحتجاج واليأس ويبكي بسبب هذا العقوق الحقير.. محمود ميگري ومعه أسرته الفنية المعطاءة دون مقابل كان وسيظل منارة فنية تجاوزت المحلي ووصلت إبداعاتها كل أنحاء العالم.. والنتيجة لا تخرج عن نهاية الفنان الحقيقي ومعاناته من الإهمال وجشع الذئاب المفترسة.
الفنان المبدع ليس سمسارا تجاريا أو قاضيا متخصصا في النزاعات، المسألة في جوهرها لا تتعلق بنزاع عادي يتم فيه تطبيق المساطر والاجراءات، بل بتراث لا مادي معترف بها عالميا يقوم على أن حي الأوداية يشكل معلمة تاريخية ذات بعد حضاري يمنع بيع أو شراء البيوت فيها، إضافة إلى أن القيمة الفنية للعائلة التي ساهمت بقسط وافر في التعريف بالثقافة المغربية، الأوداية رصيد عقاري حضاري ومجموعة الاخوان ميگري من علاماته المميزة، وعلى وزارة الثقافة والمهتمين الإسراع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ولأجيال الطراكس والتسونامي وأدومة وحمزة مون بيبي ومن يطبل لهده الطينة من الكائنات القرادية أذكرهم بأن تراث وعطاء آل ميگري الخالد من إبداعات محمود وحسن ويونس وأختهم جليلة يجعلهم سفراء حقيقيين لاسم المغرب في مصاف العباقرة، فهل نتخيل وقوع هذه المهزلة الحقيرة لفيروز لبنان تمثيلا لا حصرا؟؟ هل نتخيل افتراضا طرد فيروز من سكنها الذي يجسد متحفا فنيا ومرآة أصيلة لحضارة لبنان العظيم ؟!!!
بصراحة جارحة أقول لأولئك الجبناء الذين استغربوا تضامننا مع عائلة ميگري الفنانة بدعوى أن القانون ينبغى أن يأخذ مجراه، وتنمروا بخبث على محمود المبدع بوقوفهم إلى جانب مالكة بيت الأوداية بنت الوزير التي اشترته في ظروف غامضة علما أن القانون نفسه يمنع عملية البيع والشراء في عقارات الحي الأثري.. لهؤلاء الجبناء أقول إن الفنان الحقيقي قيمة رمزية وحضارية في المجتمعات المتحضرة وفي مجتمعات الهشك بشك يتم التضييق عليه.
فبأي قانون يلتهم بنكيران التمساح الملايين شهريا؟ وبأي قانون تم تمتيع ديناصورات حزبية ببقع فيلات في أرقى أحياء الرباط؟ وبأي قانون تعطى مأذونيات النقل والمقالع لأشباه الفنانين؟ لماذا لا تتحدثون عن القانون حين يتم شنقه والتحايل عليه بالسكوت على المليارات المسروقة من جيوب وقوت الكادحين؟!!!