الأحد 22 مايو 2022
كتاب الرأي

سعيد الكحل: مشروع وزير الأوقاف الذي لم يُرض حركة التوحيد والإصلاح

سعيد الكحل: مشروع وزير الأوقاف الذي لم يُرض حركة التوحيد والإصلاح سعيد الكحل

منذ الأحداث الإرهابية ليلة 16 ماي 2003، شرع المغرب في نهج استراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة التطرف والإرهاب. وتتميز هذه الاستراتيجية بالهدوء والفعالية والشمولية، بحيث لا تركز على بُعد واحد كما لا تتولى تنفيذها جهة واحدة. إذ لكل بُعد خصوصياته التي تتطلب أخذها في الاعتبار عند الشروع في تطبيق الاستراتيجية التي حدد جلالة الملك معالمها ومراميها كالتالي (وسيجد خديمه الأول في مقدمة المتصدين لكل من يريد الرجوع به إلى الوراء، وفي طليعة السائرين به إلى الأمام، لكسب معركتنا الحقيقية ضد التخلف والجهل والانغلاق. وهذا ضمن استراتيجيتنا الشمولية المتكاملة الأبعاد بما فيها الجانب السياسي والمؤسسي والأمني المتسم بالفعالية والحزم في إطار الديمقراطية وسيادة القانون. والجانب الاقتصادي والاجتماعي الذي يتوخى تحرير المبادرات وتعبئة كل الطاقات لخدمة التنمية والتضامن. والجانب الديني والتربوي والثقافي والإعلامي لتكوين وتربية المواطن على فضائل الانفتاح والحداثة والعقلانية والجد في العمل والاستقامة والاعتدال والتسامح)، (خطاب 29 ماي 2003).

 

هكذا تفرعت هذه الاستراتيجية إلى مقاربات: أمنية، اقتصادية/ اجتماعية، دينية، ثقافية، تربوية.. وإذا كانت المقاربة الأمنية تتوخى أخذ عنصر الزمن في الاعتبار الأول عند التصدي للمخططات الإرهابية التي تتهدد أمن الوطن والمواطنين، مما تطلب تأهيل الأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الإرهاب والرفع من كفاءتها، فإن باقي المقاربات تستهدف تجفيف منابع التطرف الاجتماعية والدينية والفكرية. وكلها أبعاد/ مجالات تشترط إعادة البناء والتقويم. ذلك أن المجال الأمني يشمل مرحلة انتقال الشخص المتطرف من الإيمان بعقائد التكفير و"الجهاد" إلى التخطيط لأعمال إجرامية أو التجنيد في صفوف التنظيمات الإرهابية.

 

من هنا تلعب الضربات الاستباقية التي توجهها الأجهزة الأمنية للعناصر المتطرفة عنصر قوة هذه الأجهزة وفعاليتها في رصد وتفكيك الخلايا الإرهابية وإفشال مخططاتها قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. لهذا تكون الأجهزة الأمنية في سباق ضد الساعة. بينما المجال الفكري أو الديني أو الاجتماعي أو التربوي فله آلياته وخططه. وباعتبار المجال الديني تنشط فيه تنظيمات عديدة، وخاصة تنظيمات الإسلام السياسي على اختلاف أطيافها وفصائلها، فإنه يتطلب مقاربة خاصة.

 

في هذا الإطار يسلك المغرب استراتيجية هادئة تتجنب الصدام المباشر مع التنظيمات الدخيلة ، وتتوخى تحييدها وتضييق مجالاتها في الحركة والاستقطاب والتجنيد. هكذا اعتمدت الاستراتيجية المغربية في المجال الديني على إعادة هيكلته إداريا، بحيث تم القضاء على وضعية التسيب التي كان يعيشها المجال حتى إن نسبة مهمة من مساجد المملكة كانت منفلتة من رقابة الوزارة الوصية.

خطة شدد عليها خطاب 29 ماي 2003 (لقد دقت ساعة الحقيقة معلنة نهاية زمن التساهل في مواجهة من يستغلون الديمقراطية للنيل من سلطة الدولة أو من يروجون أفكارا تشكل تربة خصبة لزرع أشواك الانغلاق والتزمت والفتنة أو يعرقلون قيام السلطات العمومية والقضائية بما يفرضه عليها القانون من وجوب الحزم في حماية حرمة وأمن الأشخاص والممتلكات).

استراتيجية ستترجمها قرارات همّت تكوين الأئمة والمرشدين وتعديل البرامج والمناهج التعليمية وإعادة تشكيل المجالس العلمية وفق معايير حددها الخطاب الملكي في 30 أبريل 2004( وإدراكا من جلالتنا بأن هذا الركن المؤسسي، لا يمكن أن يستقيم إلا بتعزيزه بالركن التأطيري الفعال، فإننا وضعنا طابعنا الشريف، على ظهائر تعيين أعضاء المجالس العلمية، في تركيبتها الجديدة، مكلفين وزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنصيبها، لتقوم من خلال انتشارها عبر التراب الوطني، بتدبير الشأن الديني عن قرب، وذلك بتشكيلها من علماء، مشهود لهم بالإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها، والجمع بين فقه الدين والانفتاح على قضايا العصر). تدريجيا إذن، يتم تنفيذ الاستراتيجية الشمولية، بحيث يجد دعاة التطرف والفتنة أنفسهم خارج المؤسسات الدينية الرسمية.

 

في هذا الإطار الإصلاحي للحقل الديني وتطبيق خططه، ألقى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يوم الأربعاء 15 دجنبر 2021، محاضرة تحت عنوان “الدراسات الإسلامية إلى أين؟”، بسط فيها معالم مشروع إصلاحي هام للهيكلة البيداغوجية لشعبة الدراسات الإسلامية بالجامعات. وباعتبار كون هذه الشعبة تمثل أحد المنابع الرئيسية لتنظيمات الإسلام السياسي في التأطير والتكوين، وواجهة من واجهات الاستقطاب والترويج للعقائد الدخيلة على مذهب المغاربة؛ فإن حركة التوحيد والإصلاح أعربت، على لسان أحد أطرها، عن تحفظها/ رفضها لمشروع الإصلاح. ولعل الدافع إلى التحفظ/ الرفض هو التخوف من فقدان رافد/ منبع شعبة الدراسات الإسلامية. ذلك أن حركة التوحيد والإصلاح ظلت المستفيد الأكبر من خلق هذه الشعبة ومن خريجيها وأطرها الذين يوظفهم حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح في مناهضتهم لقيم الحداثة ومشاريع التحديث (مناهضة خطة إدماج المرأة في التنمية، رفع التجريم عن الإجهاض الإرادي، تدريس المواد العلمية بالفرنسية..).

 

ومن معالم مشروع الإصلاح لشعبة الدراسات الإسلامية التي كشف عنها وزير الأوقاف: تدريس الطلبة اللغات الأجنبية وتمكينهم منها، “البيعة الشرعية” أو “الإمامة العظمى”، و”التصوف الجنيدي والعرفاني”،  و”السلوك الصوفي المغربي”. مؤشرات الإصلاح هذا وجدت فيها حركة الإصلاح والتوحيد تهديدا لمصالحها ونفوذها داخل الجامعات المغربية من حيث كونها "ستأمّم" هذه الشعبة وتحرّرها من سيطرة الإسلاميين. هذا ما نقرأه في مقالة  د. عبد الكبير حميدي بموقع الحركة (أن مضامين كلام السيد الوزير تؤكد أن الأمر أكبر من مجرد محاضرة علمية بيداغوجية حول مستقبل الدراسات الإسلامية، وإنما هي أقرب إلى إعلان عن توجه جديد للدولة، وربما إلى برنامج ومخطط لإدماج شعبة الدراسات الإسلامية في الحقل الديني الرسمي، أو لجعلها -على الأقل- جناحا داعما لاختيارات وتوجهات الدولة في المجال الديني).

فالحركة لا تريد أن تكون هذه الشعبة (رافد لإمداد الحقل الديني الرسمي بنوعية نمطية من الخريجين، بمواصفات محددة، وتوجهات موحدة). إن غاية الحركة هي الإبقاء على هذه الشعبة منبعا لتخريج العناصر المهدِّدة للهوية المذهبية للمغاربة؛ ومن ثم تقوية نفوذها لمواجهة استراتيجية التحديث ومحاربة التطرف والإرهاب. فالمغرب، ومنذ القرن الخامس الهجري، وهو يحافظ على وحدته المذهبية (المالكية) وهويته العقدية (الأشعرية). ولم تتهدد هذه الهوية إلا بالاختراقات المذهبية المشرقية التي ظل المغرب محصَّنا ضدها طيلة قرون.

وتشكل تنظيمات الإسلام السياسي التهديد المباشر للهوية العقدية والمذهبية للمغرب التي من أبرز خصوصياتها: التسامح والوسطية والتعايش مع أهل الديانات والملل . وظل الشعب المغربي، بفضلها، في منأى عن الصراعات المذهبية وفتنها التي دمرت ولازالت تدمر الدول والشعوب العربية. فالعقيدة الأشعرية أبعد ما يكون عن تكفير المخالفين. وكان أخر ما قاله الإمام الأشعري لأحد جلسائه لما أحس بدنو أجله (أشهد علي أني لا أكفّر أحدا من أهل القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد؛ وإنما هذا كله اختلاف العبارات). بينما عقائد التنظيمات الإسلامية كلها تقوم على تفكير الأفراد والمجتمعات والدول والأنظمة السياسية ودساتيرها وتشريعاتها.

بهذه الخلفية الإيديولوجية/ العقدية رفض مصطفى الرميد، لما كان وزيرا للعدل والحريات، تضمين مشروع القانون الجنائي الذي أعدّه مطلب تجريم التكفير. فالتفكير عقيدة ثابتة لدى حركة التوحيد والإصلاح وباقي تنظيمات الإسلام السياسي، لدرجة أنها كفّرت حتى الموقعين على عريضة مليون توقيع لتعديل مدونة الأحوال الشخصية  سنة 1992، كما كفّرت واضعي مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية الذي جاءت به وزارة السيد سعيد السعدي ضمن حكومة الراحل عبد الرحمن اليوسفي .

 

يتضح، إذن، أن رفض مشروع إصلاح شعبة الدراسات الإسلامية هو رفض علني لاستراتيجية إصلاح الحقل الديني وتحريره من هيمنة أو اختراق تنظيمات الإسلام السياسي التي تتغذى على الطائفية والصراعات المذهبية وتكفير المجتمع والدولة.