الثلاثاء 25 يناير 2022
كتاب الرأي

محمد بوبكري: حكام الجزائر لم يتعبوا من الجري وراء الصلح مع المغرب

محمد بوبكري: حكام الجزائر لم يتعبوا من الجري وراء الصلح مع المغرب محمد بوبكري

دعا "السعيد شنقريحة"، قبل أسابيع قليلة، إلى اجتماع لقيادة الأركان الجزائرية حضره كل الجنرالات والقيادات العسكرية لمختلف الجهات، كما شاركت فيه المخابرات، ولم يحضره "تبون"، ولا "رمطان لعمامرة"، ما يكشف عن تحكم "نظام سياسي عسكري" في الجزائر وشعبها. وقد كان الهدف من هذا الاجتماع هو التفكير في كيفية إيجاد أدنى سبب لافتعال حرب ضد المغرب. لكن المخابرات تدخلت وأخبرتهم، بأنهم لا يمتلكون العتاد الحربي لإلحاق هزيمة بالمغرب، لأن المغرب يمتلك أسلحة متطورة تكنولوجيا، جعلته قادرا على إلحاق الهزيمة بالقوات الجزائرية، حيث زودتهم هذه المخابرات بمعطيات دقيقة ومفصلة تؤيد صحة كلامها، كما أنها حذرتهم من الانخراط في أي حرب ضد المغرب قد تكون عواقبها وخيمة عليهم.. هكذا، انتهى هذا الاجتماع دون اتخاذ أي قرار بخوض الحرب ضد المغرب، فنتج عن ذلك إصابة الجنرالات بالهلع والرعب من تفوق القوات المسلحة الملكية المغربية عليهم، فخفت صراخهم، وخبت عنترياتهم وتغنيهم بذواتهم، واختفت تهديداتهم للمغرب، وفطنوا إلى أن كذبهم ووعيدهم الموجهين إلى المغرب قد كانا سيتسببان لهم في هزيمة نكراء ستكون نتائجها كارثية عليهم داخليا وخارجيا...

 

ولما اقتنع هؤلاء الجنرالات أن المغرب متفوق عليهم عسكريا واقتصاديا وسياسيا، بدأوا يفكرون في مخرج لهم من هذا المأزق، وطلبوا من إسبانيا ومصر التوسط لهم لدى المغرب بهدف قبوله الصلح معهم، لكنه اعتذر بلباقة، لأن جلالة ملك المغرب محمد السادس  قد مد يده لجنرالات الجزائر من أجل الحوار والسلم والتعاون، لكن غباءهم حال دون فهمهم لخطاب الملك، حيث توهموا أن المغرب يتودد إليهم، فقاموا بقطع علاقتهم معه، ما كشف عريهم، وبين للعالم أنهم عديمو القيم والأخلاق، وأن ما يسعون إليه هو إشباع رغبتهم التوسعية على حساب جيرانهم... ولما قطع حكام الجزائر علاقاتهم مع المغرب، بادرت بعض الدول الشقيقة للعب دور الوساطة بين البلدين الشقيقين لرأب الصدع بينهما، رفض حكام الجزائر المبادرة رفضا قاطعا إلى درجة أنهم صاروا يفتخرون بذلك ويتباهون به. ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل إنهم تمادوا في دعاياتهم المغرضة ضد المغرب، وانخرطوا في التحرش به على الحدود معه، ما جعل المغرب يتخذ قرار عدم التعامل معهم، والاعتذار عن الاستجابة لأي وساطة للصلح معهم، لأنه يريد أن ينأى بنفسه عن الجلوس مع أناس لا مصداقية لهم، ولا يتوفرون على أي حد أدنى من القيم والأخلاق، ما جعلهم مارقين في نظر العالم كله.

 

لكن رعب حكام الجزائر وهلعهم من المغرب، جعلهم يظلون متمسكين بالصلح معه، ما كشف عن ضعفهم أمام المغرب، حيث دفع الجنرالات "تبون" إلى القيام بندوة صحفية يعلن فيها أنه ليست للسلطة الجزائرية مشكلة مع المغرب، بل إن تبون قد أعلن عن رغبته في مقابلة الملك محمد السادس من أجل الحوار معه، لكن مقص الجنرالات حذف الفقرة المخصصة للمغرب من هذا الاستجواب، لأن الجنرالات تخوفوا من أن يكتشف العالم ضعفهم أمام المغرب وخوفهم منه. ولما تأكد لهم أن المغرب متشبث بالإعراض عن وساطة بينهم وبينه، لجأ "شنقريحة" إلى إخفاء ضعفه، فأعلن مؤخرا عن رغبته في المصالحة مع المغرب، لكنه وضع لذلك شرطا، لا يمكن أن يقبله المغرب، حيث طلب منه أن يوقف مسلسل التسلح، الذي هو منخرط فيه، وسيظل كذلك. لكن "شنقريحة" لم يقل ذلك صراحة، بل لجأ إلى المناورة بأسلوب غبي مفضوح، حيث طلب من المغرب إلغاء كل الاتفاقيات والمعاهدات الدفاعية، التي وقعها مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وهذا ما يؤكد غباء حكام الجزائر وجهلهم، حيث إن للمغرب سيادته، التي تؤهله لتوقيع ما شاء من اتفاقيات التعاون مع ما يشاء من الدول، الأمر الذي يستوجب عدم تدخل أي دولة في قراراته السيادية. وإذا كان حكام الجزائر لا يفهمون ذلك، فإن هذا يؤكد أنهم لا يدركون فتيلا في القانون الدولي، ولا في حقوق الدول، ما جعلهم غير مؤهلين للتعامل مع المغرب، لأنه لا يمكنهم أن يفرضوا، بأي وجه من الوجوه، ابتزازه من أجل إلغاء اتفاقياته مع بلدان أخرى، والحال أنه لم يسبق للمغرب أن اشترط على جنرالات الجزائر إلغاء اتفاقياتهم مع روسيا، أو جنوب أفريقيا ودول أخرى، علما أن الجنرالات الجزائر قد أنفقوا جبالا من الملايير من أجل تسليح جيشهم، ولم يسبق له أن احتج على ذلك. هكذا، فمن الطبيعي أن يرفض أي شرط يمس بقراره السيادي، أو بوحدته الترابية، أو باسترجاعه لصحرائه الشرقية.. ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أنني ضد الصلح، لكن، يجب أن نرفضه إذا كان سيكون على حساب سيادتنا، أو يستهدف وحدتنا الترابية المغربية... لذلك، فإن المغاربة متشبثون بالاتفاقية الدفاعية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لأنني مع استمرار المغرب في التسلح، دفاعا عن وحدته الترابية ومصالحه الإستراتيجية، لا رغبة في الانتقام من أحد، أو الاعتداء عليه؛ فالمغرب يروم التعاون مع هذين البلدين الحليفين من أجل الحصول أرقى التكنولوجيات، واكتساب المؤهلات التي تمكنه من أن يصبح عضوا في نادي "صناع الأسلحة"...

 

ومن الطبيعي أن المغرب لن يقبل أي شرط يمس بقرارته السيادية، ولا بوحدته الترابية، لأنه لا يسمح لنفسه بأن يشترط على الآخرين فعل ذلك من أجل المصالحة معه. ويؤكد هذا الشرط، الذي اشترطه "شنقريحة" على المغرب، أن جنرالات الجزائر لا يزالون متشبثين بنزعتهم التوسعية الرامية إلى الهيمنة على جيرانهم والسطو على كينوناتهم، الأمر الذي يؤكد ضرورة رفض المغرب لهذا الصلح الظالم، الذي لا يحترم الآخر، ولا يحترم القانون الدولي... لذلك، فالشعب المغربي متمسك بالاتفاقيات التي عقدها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وباستمراره في التسلح، لكن ذلك لا يعني أنه يريد الهجوم على جيرانه، أو على أي بلد آخر؛ فالمغرب بلاد السلم والسلام. واستمراره في التسلح لا يعني أن له إرادة لخوض حرب ضد حكام الجزائر.. لقد أكدت دروس التاريخ أنه على من يريد السلام أن يستعد للحرب. لذلك، فحكام الجزائر يريدون أن يتخلى المغرب عن أسباب قوته، التي جعلتهم يطلبون الصلح معه، حتى يسهل عليه الهيمنة عليهم وعلى المنطقة بأسرها. وإذا كان العالم لا يثق بحكام الجزائر، فكيف يمكن للمغرب أن يثقف بهم، علما أنهم متسلطون على شعبهم، ويسعون. إلى السيطرة على جيرانهم، شرقا وجنوبا وغربا، ويحاربون بعضهم بعضا، حيث لا يمضي يوم دون أن نسمع باعتقال أحد جنرالاتهم أو اغتياله، ما يدل على أنهم عبارة عن آلة يطحن بعضها بعضا البعض الآخر...

 

وللمزيد من التدليل على ضرورة استمرار المغرب في تسليح القوات المسلحة الملكية، يكفي أن نستدل بما يجري في العالم، حيث لا يمكن التفكير في عالم بدون تسلح، لأن توازن التسلح عالميا هو ضامن السلام العالمي. لذلك لا يمكن للمغرب أن يتوقف عن تسليح ذاته، لأنه إذا تخلى عن ذلك، فإنه سيصبح ضعيفا، ما سيجعل جنرالات الجزائر، أو غيرهم يطمعون في التوسع على حسابه والهيمنة عليه واستتباعه.. لذا، على المغرب أن يستمر في التسلح، وعقد المزيد من اتفاقيات الدفاع مع حلفائه، لأن ذلك سيزيده قوة...

 

وإذا كان المغرب حريصا على تقوية اقتصاده، فليس مستبعدا أن يطلب منه حكام الجزائر مستقبلا التوقف عن النمو الاقتصادي، تنفيذا لقرارات ألمانيا وإسبانيا، اللتان تريدان أن يتوقف عن نموه، ويبقى زبونا لما تنتجانه من بضائع. لذلك نجدهما تحرضان حكام تونس والجزائر على العمل لعرقلة التقدم الاقتصادي للمغرب.

 

وإذا تمسك المغرب بالتفوق العسكري والاقتصادي على جنرالات الجزائر، فإن في ذلك حكمة إنسانية بليغة، حيث سيتمكن من أن يصير قوة إقليمية كبيرة تضمن التوازن في شمال أفريقيا وإفريقيا برمتها، وسيكون قادرا على الحفاظ على السلم في القارة الأفريقية بكاملها، وسيساهم في تنميتها، وضمان سيادة قيم السلم والتعاون المربح للجميع...

 

ويرى خبراء دوليون في الشأن الجزائري أن حكام الجزائر حاولوا استعمال كل الأوراق من أجل إنجاز تصالح مع المغرب، لكنهم يئسوا، ومن المحتمل، حسب هؤلاء الخبراء، أن يلجأ هؤلاء الجنرالات إلى روسيا للعب دور الوساطة بينهم وبين المغرب. لذلك، سيزور وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" المغرب قريبا للمشاركة في اجتماع "منتدى التعاون الروسي-العربي"، الذي سينعقد في مدينة مراكش. وليس مستبعدا أن يفاتح هذا المسؤول الروسي المسؤولين المغاربة، الذي سيجتمع بهم، حول موضوع الوساطة من أجل المصالحة بين جنرالات الجزائر والمغرب. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب عاقل وحكيم، ما سيجعله يرفض أي شرط يمس بقراره السيادي، أو بوحدته الترابية. والسلام، وبه وجب الإعلام...