الاثنين 17 يناير 2022
كتاب الرأي

سعيد أكدال: التراث العمراني في سياسة المدينة.. التثمين الانتقائي

سعيد أكدال: التراث العمراني في سياسة المدينة.. التثمين الانتقائي سعيد أكدال
أصبح التراث العمراني رهانا نحو التنمية، ليس فقط لأنه يشكل إحدى المؤهلات الاقتصادية المعتمدة على القطاع السياحي بوجه خاص، ولكن لكونه يساهم بالتأكيد في ضمان استمرارية القيم المشتركة للمجتمع وانعكاسها على المجال. فهو بالنسبة للسلطات والسكان  - على حد سواء-  وسيلة للتعبير عن الاختلاف والتميز في ظل عولمة بدت تأثيراتها السوسيو اقتصادية سريعة وعميقة، وما فتئت تتسبب في إحداث تحولات من حيث طريقة العيش و إعادة هيكلة المجال.

وأمام تحديات هذه العولمة لم يعد من المستساغ اعتبار الإدارات المركزية هي الطرف الرئيسي المعني بمسألة التراث العمراني، وإنما باتت الإدارات المحلية مدعوة وبإلحاح إلى الانخراط  الفعلي والملموس في معالجة هذه المسألة وذلك بإعطائها العناية التي تستحقها.

فمن المؤسف أن مآثرنا التاريخية بالكثير من المدن المغربية يتربص بها دوما الإهمال وتتعرض تدريجيا للتلاشي ويتهددها الاندراس.
فبالرغم من انخراط المغرب في العديد من المبادرات العالمية والإقليمية الرامية إلى صيانة التراث الحضري، كتلك التي تشرف عليها منظمة اليونيسكو أو في إطار شبكات التعاون المتوسطي أو التعاون العربي والإسلامي.  يبقى ما تحقق عبارة عن استثناءات، لأن العمليات الإصلاحية  اقتصرت في معظمها على المدن التاريخية الكبرى.

لا ريب أن ما سطرته الإدارات المركزية من برامج وما أنجزته من مشاريع تهدف إلى التجديد العمراني، ولا يمكن الاستهانة به. بل نرى بأنه يصنف ضمن الخطوات الفعلية التي تعبر عن الوفاء بالالتزامات المتعهد بها لدى المنظمات العالمية والإقليمية.
كما أن صدور القانون12-94 سنة 2016 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط وتنظيم التجديد الحضري، يِؤكد الرغبة في نهج تدبير معقلن للتراث الحضري تحكمه ضوابط محددة المعالم. خصوصا وأن هذا القانون كان وراء إحداث ما يسمى بالوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط.

فالبرامج والمخططات والاستراتيجيات التي تجسدت على أرض الواقع في مناسبات عديدة، أكدت صواب الاختيارات والمسارات. 
إلا أن ما يثير الانتباه هو أن الدولة ومن خلال مختلف مؤسساتها، حتى وأن نجحت في صيانة المدن العتيقة، لا بد لها من العمل على تغيير طرق تدبير مسألة التراث العمراني.

إن التدخلات التي  تكلفت بها الوكالة الوطنية للتجديد الحضري على مستوى  ثمان مدن عتيقة هي الرباط وفاس وسلا وتطوان ومراكش وآسفي والصويرة ومكناس، والتي خصص لها غلاف مالي يصل إلى 3 ملايير و200 مليون درهم، تؤكد بداية وعي حقيقي بمسألة تجديد النسيج العمراني للمدن التاريخية. كما أن عمليات إعادة تأهيل المدينة العتيقة لفاس في إطار برامج التثمين التي تشرف عليها وكالة إنقاذ ورد الاعتبار للمدينة كان له الأثر الإيجابي.     

لكن ما يعاب على كل تلك المبادرات هو أنها لا زالت  وفية لذلك التعامل الذي يجعل التراث الحضري قناة من قنوات تنمية الموارد المالية ويستخدم كأداة لاستقطاب السياح والرفع من مداخيل القطاع السياحي وتحقيق الرواج التجاري. 
وهذا الربط بين التجديد العمراني بالمدن العتيقة والنشاط السياحي يطبع المبادرات بطابع الانتقائية، حيث إن المدن ذات النشاط السياحي المكثف تحظى بعناية فائقة، بينما لا تستفيد بالقدر نفسه المدن ذات النشاط السياحي الأقل دينامية والتي يصنف فيها التراث العمراني ضمن القضايا الثانوية غير ذات النفع المادي. وهذا هو الوضع الذي تعيشه بعض المدن التاريخية الصغيرة مثل أبي الجعد وتادلة وأزمور.

كما أن نجاح سياسة التجديد العمراني تتطلب مواكبتها بإرادة سياسية حقيقية، وذلك عن طريق الدفع بالمجالس المحلية الجماعية والجهوية نحو الانخراط الفعلي في مسلسل تأهيل التراث العمراني. ولا يمكن أن يتحقق هذا الانخراط إلا بوضع مسألة المحافظة على الموروث المعماري ضمن الأولويات ثم تجسيدها من خلال إدراجها في وثائق الميزانيات المحلية.
فبحكم القانون الجماعات الترابية ملزمة باتخاذ كل التدابير اللازمة لصيانة الموروث العمراني وترميمه وتثمينه، نظرا لما يكتسيه من قيمة بالنسبة للتاريخ أو العلم أو الفن أو الحضارة المغربية والإنسانية (المادتان 39 و87 من القانون المنظم للجماعات).

إن الواقع المعاش يبرهن على أن المبادرات المحلية التي يكتب لها النور تظل مبادرات محدودة في الزمان والمكان ويطبعها ذلك التعامل الظرفي. في حين أن الضرورة التي تفرضها العولمة تقتضي وضع دعائم قوية لسياسة وطنية شاملة خاصة بتأهيل التراث الحضري، تجسد فعليا على مستوى الجماعات الترابية المغربية برمتها دونما أي استثناء وبعيدا عن التعامل الانتقائي.
ولعل تفعيل مشروع القانون 12-  53المتعلق بحماية التراث الثقافي و المحافظة  عليه وتثمينه على مستوى الجماعات الترابية من شأنه أن يدشن لمرحلة جديدة متقدمة في التعامل مع التراث العمراني بالمغرب.