الاثنين 16 مايو 2022
كتاب الرأي

 بوزيد عزوزي: ما هو العمق الحقيقي لعداوة الجزائر للمغرب؟ 

 بوزيد عزوزي: ما هو العمق الحقيقي لعداوة الجزائر للمغرب؟   بوزيد عزوزي
بعد التفكير والتدقيق في كل الفرضيات الواردة في هذا المقال التحليلي على أساس "تفكير استراتيجي" بعيدا عن كل الهرطقات اخترت طريقي، لقد اخترت وطني .
ما هو جاري الآن على مستوى العالم العربي بصفة عامة والمغرب العربي بصفة خاصة، يجعلني أطرح للتفكير إشكالية كبيرة أنظر إليها بإمعان كبير، وتحديق شديد بعيد عن كل "نوستالجيا فكرية" محاولا فهم ما يحصل أمامي واستيعاب دروس الحاضر على ضوء الماضي القريب رغم أنه بعيد، من أجل مستقبل ومصلحة وطني المغرب. 
 
1- الإشكالية:
دخلنا في مرحلة غير مسبوقة من تاريخ أمتنا ترغمنا على التفكير بهدوء وعمق كبير وبعد نظر لطرح كل الأسئلة الممكنة التي تمكننا من إيجاد الحلول القمينة بالدفع ببلادنا إلى كل الآفاق التي تجعل مواطنينا يحيون حياة سعيدة. 
على ضوء التطورات المتسارعة والمستجدات الطارئة  هناك مجموعة تفصيلية من أسئلة  تتمحور حول هاته الإشكالية التي تهمس في أذني بإلحاح وإصرار  تقول:
لمن الأسبقية؟ 
 • 1.1 للنزعة الوطنية التي تمكنني من المساهمة في الحفاظ والدفاع عن وطني وعن أبناء وطني وعن تاريخ أمتي؛ هذا التاريخ المجيد وعن حضارتي العربية-الإسلامية العريقة ومستقبل ساكنة بلدي كي يعيشوا عيشة رغيدة ويحيوا حياة كريمة في ظل قيم سامية ومباديء راسخة.
• 1.2 النزعة ذات البعد الجغرافي واللغوي والديني التي ولدت نهاية القرن التاسع عشر وعاشت أوجها منذ بزوغ فجر حروب التحرر من الأربعينبات حتى الستينيات من القرن الماضي والتي تإن حاليا تحت ثقل التشرذم والتشعب ووطأة التفتت وتداخل المصالح وفردانياتها مؤطرة بقوة شديدة من طرف السلطة الرابعة الكونية المتصارعة على المستوى كوكبنا الأزرق .
يتموقع الإختيار في ملتقى هذين الطريقين الواسعين وأنا في قلب التصادم الذي تجذبني إليه هاته الإشكالية الكبيرة جدا . 
أطرح هاته الإشكالية في إطار ما خلقته لنا جارتنا الشرقية من محاولة زعزعة كياننا الصلب والصامد بالدفع باليد الخفية إلى النبش في تاريخنا العريق للتشكيك فيه والخدش في كرامة مواطنينا عبر منازعتنا في قضيتنا الأولى : وحدتنا الترابية . 
تتمحور الإشكالية القائمة في العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر حول وعلى سؤال جوهري مكون من شطرين:
 
السؤال الجوهري:
-2.1 ما هو العمق الحقيقي لعداوة الجزائر للمغرب ، هل هو عمق سياسي أم عمق إيديولوجي أم عمق إنتمائي أم بعد هيمني ؟
-2.2 لمن الأسبقية والأحقية:
ا• للوطن كوحدة أمة وتاريخ وجغرافية وحضارة مؤسسة على مبدأ الإنتماء لهذا التاريخ الذي أسس لكرامة الأمة والتي أومن به وبها إيمانا متجذرا في عمقي القادم من صلب آبائي وأجدادي الذين مشوا على أديمها وتنفسوا من هواءها وتغذوا من نعيمها.
ب• للقومية السياسية والثقافية والفكرية "كأرضية تاريخية وتأريخية" لماض قريب-بعيد على أساس مبدأ أومن به إيماني بوطنيتي لوطني ولمستقبل محتمل أصبح افتراضيا منذ حقبة بدأت آفاقها الماضية متلاشية؟؟
سؤال جوهري في شطرين يستدعي إجابة صريحة من المثقفين قبل السياسيين الوطنيين ومن المواطن المغربي قبل المثقف والسياسي. 
تستدعي الإجابة عن هذا السؤال المجسد في صورة طائر الطاووس بجناحين كبيرين جميلين، تستدعي "تشخيصا استراتيجيا" للواقع السياسي والإجتماعي الوضعي تشخيصا واقعيا مركزا مجردا من كل عاطفة انتمائية وكل حنين قد يساهم في تقزيم المشاعر الوطنية وتمزيق الوطن على ضوء "تفكير استراتيحي بعيد النظر" يمخر عباب المستقبل المثقل بالعدد العديد من الفرضيات، عدد منها مؤسس على أمل مستنبط من حماس ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتخمينات افتراضية مستوحات من  تحاليل هامشية هي أقرب للخيال منها للواقع الملموس المحسوس والمعاش ، من بينها وأهمها:
 ا - هل أعانق عاطفتي بحنين لماض فار مهرول بعيدا في آفاق التاريخ والذي آمنت به إذ أصبح سرابا ، أم حاضر ينصهر في بوتقة الفرضيات والتخمينات التي تجعلني أهذي وأحلم بعينين متفتحتين نهارا جهارا.
ب- أدافع وأحمي وطني ضد روح الهيمنة وتألية ديماغوجية لسراب يعيش على الماضي هدفه الإنقضاض على جزء من وطني - صحرائنا الغالية - ومن يدري غدا كل وطني. 
ينبثق هذا التشخيص في إطار تطورات كبيرة ويفرض نفسه في مسلسل تحركات دولية جد متسارعة. 
3./ التحولات الدولية العميقة 
- 3.1 اختيارات في مسلسل الحرب الباردة الثانية:
تعرف العلاقات الدولية الراهنة تحولات عميقة وجذرية في شكلها ومضمونها بعدما ظهرت من جديد الصراعات القطبية التي حجبها تفتت المعسكر الشرقي خلال شهري نونبر 1989 ودجنبر 1991 مع تحطم جدار برلين وتشتت الإتحاد السوڤياتي .
أؤكد عكس ما يقوله عدد من المتتبعين والملاحظين والسياسيين الإستراتيجيين الذين يؤكدون أن العلاقات الدولية الوضعية لم تدخل الحرب الباردة كما كانت خلال النصف الثاني من القرن العشرين ، أؤكد جازما بالعكس تماما أننا في خضم حرب باردة ثانية بكل المعايير وكل المقاييس. 
إذا كانت الحرب الباردة الأولى تمحورت خلال النصف الثاني من القرن العشرين بين العالم الغربي والعالم الشرقي حول الهيمنة ولمن الغلبة بالسلاح النووي فإن "الحرب الباردة الثانية" الحالية تتمحور حول لمن الغلبة الإقتصادية والهيمنة السياسية المعززتين بالسلاح النووي والسلاح السيبراني وسلاح الذكاء الصناعي. 
في هذا الخضم تراجعت وتلاشت روح الإنتماءات الفكرية والقومية ونمت وترعرعت بسرعة كبيرة جدا الإصطفافات من أجل المصلحة العليا للوطن . 
-3.2 اختيارات الجزائر والمنظور الوحدوي: 
في هذا المسلسل الخطير أرى أن "اسكيزوفرينيا السياسة الجزائرية" خطير عليها فهو "داء وجودي" لا يستصيغ والمنطق السياسي الوحدوي الذي يسقط فريسة التناقضات التي لا يفسرها إلا "البعد الإيديولوجي المتجاوز" الذي عاشته انطلاقا من يوليوز 1962 حتى نهاية عشرية 1980 أي شهر نونبر 1989 ، والذي هو وريث قطبية الحرب الباردة الأولى التي عشناها بخوف مستمر خلال سنين. 
يفرض هذا الطرح المنبعث من التشخيص الواقعي لما نعيشه من تلاطمات إقليمية ودولية مجموعة من المعطيات ، ويقتادنا إلى تسطير باقة من التناقضات الشائكة التي تفرزها التحركات المضطربة للجزائر: 
-ا. تنازعنا الجزائر في حدودنا التاريخية المتجذرة في القدم طالبة منا أن نبتر رجلينا كي نصبح نحبو على بطننا،
-ب. تنازعنا الجزائر في صحرائنا وهي ترفض الإنتماء لاتفافية مراكش سنة 1989 التي أمضاها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بجانب أشقاءه لدول المغرب العربي والتي دعا إليها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله مثواه ،
-ج. تنازعنا الجزائر في وحدتنا الترابية وهي ترفض التشاركية الإقتصادية وبيعنا المحروقات والغاز قد لا أغامر وأقول بثمن مناسب أخوي-مغاربي-عروبي.
-د. تنازعنا الجزائر في إرادتنا التصالحية ونحن نمد لها يد التقارب بفتح الحدود وترفض مرة تلو الأخرى كل مبادرات جلالة الملك محمد السادس.
-ه. تنازعنا الجزائر وتتهمنا بأننا نسعى إلى تفتيت وحدتها الترابية - القبائل - وهي تسعى جاهدة لتفتيت أحشاءنا بإرادتها المستميتة لانتزاع صحرائنا من وطننا.
-و. تنازعنا الجزائر في حدودنا وتطالبنا بالاعتراف بها هي التي حاربت الإستعمار الفرنسي سبع سنوات من أجل اللذود عن حدود اقتطعت بها فرنسا أراض من أراضينا وأهدتها لها ككلومبشار وتيندوف.
-ز. تنازعنا الجزائر في وجودنا الممتد على ما لا يقل على 14 قرنا كأمبراطورية، الجزائر التي جعلت منها باريس ولاية ومحافظة تابعة لها انطلاقا من  1832-1839  حين عزمت وقررت أن تكون الجزائر مقاطعة ترابية فرنسية تابعة لسلطة الحكومة الفرنسية بباريس. 
 
-4./ استنباط النتيجة :
على أساس كل ما سلف، وانطلاقا من اختيار أسبقية المصلحة العليا للوطن على كل ما سواها ، دون التسليم بموقف المغرب المبدئي ومقعده المشرف في الإختيارات العربية-الإسلامية، كمواطن مغربي أعتقد أن الإختيار المغربي اختيار اقتصادي وسياسي في مسلسل تطور دولي استراتيجي سيجني منه وطننا الكثير بدأ بالإعتراف بسيادتنا على صحرائنا وانتهاء بتنمية اقتصادية مستدامة يمكن لنا أن نحقق بها نسبة مأوية تنموية قد تصل إلى 5,5 - 6 % تمكن المغرب من تعزيز استقراره الإجتماعي والسياسي في إطار مسلسل تمتين أسس الدولة-الوطنية. 
فلا لوم علينا إذا نحن رفضنا أن يتم خنقنا وقتلنا وأعيننا شاخصة، ولا لوم علينا إذا كانت الجزائر رفضت وترفض مد يدها ليدينا الممدودتين إليها للسير جنبا إلى جنب وكتفا لكتف نحو مستقبل مشرق مشرف لشعبينا وشعوب المغرب العربي والأمة العربية-الإسلامية جمعاء.
ولا لوم علينا إذا اضطررنا إلى معانقة من يساهم في الدفع ببلادنا إلى الإقلاع الإقتصادي ويساهم في إحياءه وتهييءه لصبر أغوار القرن الوحد والعشرين فالوقت لا يرحم ، مصداقا لقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله :
دقات قلب المرء قاءلة له :
إن الحياة دقائق وثوان ،
فارفع لنفسك بعد موتك ::
ذكرها الذكر للإنسان عمر ثاني.
فالواقعية تقول أن عدد سكان المغرب يتزايد بكثافة، 
وحاجيات شبابه وساكنته عموما تتكاثر باستمرار، 
ومستوى وعيه بمصالحه في نمو مضطرد وارتفاع متتال،
وبالتالي فاختيار المغرب اختيار استراتيجي يتمحور حول اختيارين:
-4.1 الدفاع عن المبدأ الأساسي : هذا اختياره منذ أن كان، ودليله مساهمته في خلق وتأطير المنظمات العربية-الإسلامية والإفريقية.  
- 4.2 الدفاع عن مصلحة الوطن والمواطنين مع إبقاء الأمل في أن يتم إحياء وتثبيت المبدأ الإنتماءي في فضاء مؤسساتي على ضوء الصراعات الدولية التي لا يحبذ أن تمحو أو حتى أن تخسف جزءيا مصلحة الوطن العليا ومستوى عيش الأمة المغربية عيشة كريمة. 
في هذا الإطار يجب على الإخوان الجزائريين من سياسيين ومقررين على مستوى تدبير الشأن العام للدولة أن يعوا ويعلموا ويفهموا بأن مواقفهم اللامنطقية واللاسياسية واللااستراتيجية هي من بين المعطيات الأساسية التي دفعت بالمغرب إلى اختياراته السياسية والإستراتيجية.
في هذا السياق تصبح الجزائر مسؤولة مسؤولية عالية كاملة مطلقة عن مواقف المغرب الذي أصبح ملزما بأن يجنح إلى التقرب من الدول التي اعترفت بسيادتنا على صحراءنا والتعاقد معها لإمدادنا بإمكانيات مالية واقتصادية كبيرة وتقنية عالية وباستثمارات هاءلة تساهم بها معنا في الدفاع عن وحدة ترابنا وخلق مناصب الشغل لأبناءنا وفلذات أكبادنا وتوسيع البنية التحتية الأساسية والإنتاجية والإجتماعية والتقنية.
أنا مسلم مؤمن مواطن عروبي حتى أصغر خلية في جسدي وأخمص قدمي، مستعد أن أتعامل مع أكبر شيطان، بمفهومه وبعده الإنساني، من أجل مصلحة مواطني الذين قد يصل عددهم نحو 40 مليون مغربي ولمصلحة وطني العليا من السعيدية إلى طنجة ومن طنجة إلى الگويرة ومن الگويرة إلى الگرگرات إلى تيشلا فالسمارة فتندوف ففگيگ فوجدة. 
بعيدا عن كل شوڤينية، بث روح الأمل في المواطنين واجب على كل مثقف، 
وبث روح لزومية التحكم في المستقبل وكل أدواته واجب المثقف والسياسي،
وبث روح الأمل والعمل واجبهما إلى جانب رجل المال والإقتصاد،
فليعمل كل واحد بطاقته وقدرة مخيلته وكفاءته من أجل أن يحيى المغرب نهضة اقتصادية قوية ويعيش المغاربة مكرمين معززين.