الأحد 23 يناير 2022
سياسة

5 مفاتيح لفهم ما أثير من "جدل" في مباريات التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم

5 مفاتيح لفهم ما أثير من "جدل" في مباريات التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم وزير التعليم شكيب بنموسى مع وقفة احتجاجية سابقة للأساتذة المتعاقدين

يبدو أن قيادة شكيب بنموسى لوزارة التربية الوطنية لن تكون سهلة طيلة الفترة الانتدابية من عمر الولاية الحكومية رغم كل التطمينات التي قدمتها الوزارة منذ الساعات الأولي للإعلان عن مباريات التوظيف برسم سنة 2022، سواء على الموقع الالكتروني للوزارة أو على صفحاتها الرسمية «فايسبوك» في مستوياتها المركزية والجهوية والإقليمية، أو على بوابة التوظيف العمومي، أو بوابة التشغيل العمومي.

 

توضيح أول

ما أن تفجر الجدل في الساعات الأولى من بعد زوال يوم الجمعة 19 نونبر 2021 بعد نشر أولى الإعلانات بتسقيف ولوج المراكز الجهوية للتكوين في 30 عاما، حتى سارعت الوزارة لنشر ما أسمته «توضيحا»، عللت فيه ذلك "بغية جذب المترشحات والمترشحين الشباب نحو مهن التدريس وبهدف ضمان التزامهم الدائم في خدمة المدرسة العمومية علاوة على الاستثمار الأنجع في التكوين وفي مساراتهم المهنية".

واعتبرت الوزارة أن «هذا الإجراء وأخرى ضمن محطة أولى في مسلسل الارتقاء بالتوظيف ودعم جاذبية مهن التربية، تماشيا مع الإصلاح الهادف إلى بلوغ النهضة التربوية المنشودة".

 

بلقاسمي يبرر

ما إن خرج المحتجون وثارت ثائرة الغاضبين من تسقيف التوظيف بالتعاقد في قطاع التربية الوطنية، حتى خرج يوسف بلقاسمي، الكاتب العام لقطاع التربية الوطنية، في نشرة الأخبار المسائية ليوم السبت 20 نونبر 2021 (أول يوم إيداع الترشيحات الإلكتروني)، حيث اعتبر أن «اشتراط 30 سنة كحد أقصى لاجتياز مباراة التعليم ليس من خصوصية وزارة التربية الوطنية، بل إن هناك أيضا قطاعات اعتمدت الشرط نفسه، وأن هذه الخصوصية متواجدة في مجموعة من الدول التي لها منظومة تربوية متطورة، وربما تعتمد على أقل من 30 سنة».

وشدد بلقاسمي أن «الهدف من هذا الشرط هو الحصول على ضمانة تؤكد أن المترشحين الذين سيتم انتقاؤهم يتوفرون على كفايات، ناهيك عن إعطاء إمكانية للوزارة من أجل الاستثمار في المترشح»، وأن "الوزارة لا تملك ضمانة تَوفّر المترشح البالغ 45 سنة على الكفايات الأكاديمية الضرورية لممارسة مهنة التدريس".

وأكد بلقاسمي أن «الرهان اليوم أمام وزارة التربية الوطنية يتجلى في تحقيق الجودة وتنزيلها، وأنه يتعين تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة»، وفق توضيحاته.

 

غياب رؤية ومشكل البطالة

ونبه محمد سالم بايشى، وهو خبير تربوي، إلى أن مباراة التربية الوطنية لهذا الموسم 2021 /2022 والنقاش العمومي والتبرير الرسمي بشأنها مؤشر واضح على أمرين خطيرين: أولهما عدم وجود رؤية واضحة لإعداد الموارد البشرية للتربية والتعليم خصوصا الأساتذة. والتخبط الملحوظ بهذا الصدد منذ أمد غير يسير؛ فلم نفلح في تنزيل ما جاء به الميثاق في إطار المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين بعد أن تخلينا عن مكتسب سابق على الأقل كان متسما بالاستقرار. ومع تنزيل الرؤية الاستراتيجية وصدور القانون الإطار منذ ثلاث سنوات لم تتضح بعد رؤية تكوين الموارد البشرية ولم نضع بعد إطارا واضحا منسجما لذلك.

 أما ثانيهما فيتمثل في "مشكل بطالة منتوج الجامعة المغربية الذي يتحول يوما بعد يوم من شبح إلى واقع يكبل طاقات المجتمع الشابة ويهدد مستقبلها ومستقبل الاستقرار الاجتماعي". موضحا: ونحن في بداية نموذج تنموي تعلق عليه الكثير من الأماني، هل نحل الأمور في نسقيتها أم نبقى مراوحين أماكننا نناقش الجزئيات والتفاصيل التي تكمن خلفها كثير من الشياطين؟

 

تجارب دول والحاجة لمرجعية الكفايات والوظائف

ويرى عبد الناصر الناجي، وهو خبير تربوي ورئيس جمعية «أماكن» التي تعنى بالشأن التربوي، أنه «بغض النظر عن النقاش القانوني الذي يثار حول أحقية وزارة التربية الوطنية في تخفيض السن المسموح به لاجتياز مباراة ولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، يبقى السؤال المحير هو ما الاعتبارات العلمية التي تأسس عليها هذا القرار؟. فإذا كان الهدف المعلن هو تحسين جودة التعلمات من خلال تحسين جودة المدرسين فيحق لمن تجاوز 30 سنة أن يتساءل: هل سنه سيمنعه من تحقيق معايير الجودة؟

ونبه الناجي  في تصريح لـ «أنفاس بريس» إلى أن "الفرضية التي بني عليها القرار تنطلق من اعتبار الأقدمية في الحصول على شهادة الإجازة موجبة لتدني المستوى المعرفي للمرشح. لكن هذه الفرضية قد تكون خاطئة في الحالات التي يكون فيها المعني بالأمر زاول لسنوات مهنة التدريس في التعليم الخاص أو تابع دراسته الجامعية في الماستر أو الدكتوراه الشيء الذي مكنه حتما من الرفع من مؤهلاته".

وسار الخبير التربوي إلى بسط "المقارنة الدولية التي تبين أن نسبة عالية من المدرسين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لا تقل أعمارهم عن 50 عامًا، وتزداد نسبتهم مع مستوى التعليم بحيث تبلغ 33٪ في التعليم الابتدائي، و37% في التعليم الثانوي الإعدادي، و40% في التعليم الثانوي التأهيلي، بل تصل في دول متقدمة في التعليم مثل فنلندا إلى 35 بالمائة في التعليم الابتدائي. في المقابل، فإن المدرسين الشباب - تحت سن 30 - قليلون في هيئة التدريس: فهم في المتوسط 13% فقط في التعليم الابتدائي، 11% في التعليم الثانوي الإعدادي و8% في التعليم الثانوي التأهيلي. أكثر من ذلك، فالنسبة المئوية للمدرسين الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر بين أولئك العاملين في التعليم الابتدائي والثانوي قد زادت بمعدل 5 نقاط مئوية على مدى العقد الماضي في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تتوافر بياناتها".

وأضاف: هذا يعني أن هذه البلدان لا تضع حدا للسن لولوج مهنة التدريس وتحاول العديد منها سن سياسة لاستقطاب المدرسين تحرص على توظيف أساتذة من أعمار مختلف وذلك تحسبا لمرحلة التقاعد التي تريد منها ألا يصل إليها نسبة كبيرة منهم في الوقت نفسه الشيء الذي يجنبها إشكالية التجديد المكثف لهيئة التدريس في سنوات بعينها.

وأشار الناجي إلى أن "جودة التدريس تقتضي الاهتمام أكثر بالتكوين الأساس والتكوين المستمر للمدرسين بهدف تمكينهم من الكفايات المطلوبة لمواجهة الأعباء البيداغوجية لمهنة التدريس، كما تقتضي أيضا الاهتمام بالمسار المهني للمدرس وتحسين وضعيته المادية بهدف جعل هذه المهنة النبيلة أكثر جاذبية لحاملي الإجازة الأساسية ذوي الكفاءة العالية، في انتظار أن نقوم بالتكوين المتين لما يكفي من حاملي الإجازة التربوية. إلى جانب ذلك هناك حاجة ماسة لمواكبة المدرسين الجدد ودعمهم خاصة في المجال البيداغوجي، بالإضافة إلى بناء وتعزيز مجتمعات التعلم المهنية لنشر الممارسات المبتكرة وتقاسم التجارب الناجحة فيما بين المدرسين والمدرسات. أما السن فكم من كهل يمتلك من الكفايات ما يفوق الشباب؟، وكان يكفي الوزارة أن تضع مرجعية للكفايات والوظائف، كما نص على ذلك القانون الإطار، وتطبق معيار الانتقاء على أساسها وتعفي بذلك المجتمع من هذا النقاش".

 

رئيس الحكومة صاحب الاختصاص

وأشار يوسف علاكوش، الكاتب الوطني للجامعة الحرة للتعليم (ا.ع.ش.م)، إلى "عدم قانونية اعتماد الوزير شكيب بنموسى سن 30 عاما كحد أقصى لتوظيف أساتذة التعاقد برسم السنة المالية 2022". معتبرا في تصريح لـ «أنفاس بريس»، أن "تخفيض سن التوظيف أو رفعه من اختصاص رئيس الحكومة كما فعل العثماني برفع السن إلى 50 سنة والنظام الأساسي الثاني من اختصاص وزير التربية الوطنية، حيث أنه يعتبر رئيس المجلس الإداري للمجالس الادارية للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين".

ونبه الكاتب الوطني للجامعة إلى أن "القرار المتخذ من قبل الوزير بنموسى لم يحتكم للقوانين المعمول بها في التوظيف وإنما لرأي آخر، وعلى الوزارة أن تبين جدواه لحد الساعة، وما المظاهر الأولى التي خلفته والضرر الذي طال الآلآف ممن أقصوا باعتماد شرط السن من حق التباري، سواء تعلق الأمر بالتوظيف أو التكوين، حيث  كان على الوزارة فتح تشاور حول المعايير وشروط الولوج على علة أن التعليم قضية وطنية وتحتاج لتعبئة كل المكونات خارج أي حسابات سياسوية"، وفق تعبيره.

وختم تصريحه بالسؤال: هل هناك نموذج تربوي جديد خاص يحتاج لمدرس بمواصفات جديدة من حق الجميع أن يعلم بها وأولهم الفاعل الرئيسي؟.

وسبق لرئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني أن استصدر قرارات لتمديد سن الولوج إلى مهنة التدريس بناء على قرارات استثنائية، بعد احتجاجات سابقة ومطالب وتدخلات.

 

اعتلال قانوني يحتاج لتصحيح

ونبه فاعلون داخل قطاع التربية الوطنية تحدثوا لـ «أنفاس بريس» إلى أن إعلان الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين عن مباريات التوظيف، كما أرسل لها موحدا من قبل الوزارة، يشوبه خلل في تسقيف سن التوظيف المحدد في الأقصى في 30 سنة. وهو يتناقض مع مقتضيات النظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات، وخاصة الفقرة الثانية من المادة 4 التي تنص على "يجب على كل مترشح للتوظيف بالأكاديمية أن يستوفي الشروط التالية، والمحددة في أن لا يقل سنه عن 18 سنة ولا يزيد عن 40 سنة ويرفع الحد الأقصى لسن التوظيف إلى 45 سنة بالنسبة للأطر التي يتم ترتيبها على الأقل في درجة ذات ترتيب استدلالي مماثل للترتيب المخصص لدرجة متصرف من الدرجة الثالثة".

 

وتساءل المتحدثون: لماذا يتناقض الإعلان مع النظام الأساسي المعمول به في توظيف الأساتذة المتعاقدين؟، وحتى المجالس الإدارية للأكاديميات التي سيترأسها الوزير بنموسى الأسبوع المقبل والتي ستستمر حتى 25 دجنبر 2021 لا يتضمن جدول أعمالها نقطة تعديل مقتضيات النظام الأساسي لتتلاءم مع سن التوظيف الجديدة المقررة في إعلان بدل نص قانوني.

 

وفي الاتجاه نفسه، أسر مراقبون لـ «أنفاس بريس» أن توجه الوزارة بتخصيص 17344 منصبا ماليا برسم سنة 2022 من أساتذة التعاقد وأطر الدعم الإداري والتربوي الاجتماعي، يتجه نحو تجميع جميع أطر النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية في نظام أساسي واحد وموحد تحت يافطة «الأطر النظامية». وهو مفهوم جديد ظهر في إعلان الأكاديميات، بدعوة من الوزارة، من دون أن تكون له شرعيته وحجيته القانونية والتشريعية والتنظيمية لعدم ورود هذا الاسم في أي من وثائق وتشريعات ونظم الوزارة إلى تاريخ ظهور الجمعة 19 نونبر 2021 في إعلانات التوظيف.