الأربعاء 30 نوفمبر 2022
كتاب الرأي

خالد بوي:عام على طي ملف الكركرات.. ما الذي تغير؟

خالد بوي:عام على طي ملف الكركرات.. ما الذي تغير؟ خالد بوي
 باقتحام المغرب لمعبر الكركرات واخلائه كليا من أي تواجد عسكري أو مدني للبوليساريو، خسرت هذه الأخيرة وضعا سياسيا وعسكريا مريحا تمتعت به لمدة طويلة .
 فمنذ توقيع اتفاق وقف اطلاق النار سنة 1991، ظلت قدرات البوليساريو العسكرية غامضة وغير معروفة، وكل ما اتيح حول تلك القدرات من معلومات ارتبط بالمعارك التي خاضتها ضد الجيش المغربي إبان حرب الصحراء والتي تركت انطباعا يصب في صالح مقاتلي الجبهة إن على المستوى المؤهلات البشرية (التدريب والتجربة القتالية) او على مستوى العتاد والمؤهلات الحربية واللوجيستيكية (سلاح المعسكر الشرقي). 
  هذا الإنطباع -المبالغ فيه- كان من تبعاته تحقيق الجبهة لمكاسب سياسية وميدانية متعددة : 
 فسياسيا : أعلنت البوليساريو المنطقة العازلة، مناطق محررة وسمحت للمدنيين بالتنقل والإستقرار داخلها، كما نقلت اليها استعراضاتها العسكرية واحتفالاتها السنوية بما تسميه اعيادا وطنية .
  أما ميدانيا : فقد توغل مقاتلو البوليساريو إلى عمق المنطقة العازلة ووضعوا نقاط مراقبة ومقرات ثابتة .
 هذه التراكمات السياسية والعسكرية مصحوبة بتأييد شعبي وبروباغاندا اعلامية ضخمة ادت إلى تقدير خاطىء من طرف قيادة الجبهة لموازين القوى بينها وبين المغرب، ساهم في تعزيز سوء التقدير هذا الصمت المغربي عن تحركاتها بالمنطقة العازلة، هذا إضافة إلى وصول وجوه جديدة إلى سدة الحكم بالرابوني بقيادة ابراهيم غالي والذي عبر عن خطاب راديكالي تجاه المغرب ورفض قاطع لإستمرار الوضع القائم، مؤازرا في ذلك وفي سياق لاحق بقيادة الاركان الجديدة في الجزائر والتي لم تخف هي ايضا عداءها الشديد للمغرب باعتباره عدوا كلاسيكيا .
  ماسبق من احداث وخطابات عزز تضخم وهم التفوق العسكري لدى البوليساريو ودفعها نحو ارتكاب الخطأ الفادح/القاتل والمتمثل في إغلاق معبر الكركرات وهو الشريان الإقتصادي والتجاري الحيوي للمغرب ومنفذه البري الوحيد نحو افريقيا، فضلا عن مكانته الإعتبارية كمنطقة حدودية استراتيجية وماشكله اغلاقه من حرج للدولة محليا واقليميا، لذلك كانت عمليته تأمينه والسيطرة على منافذه شرقا وجنوبا مسألة حياة او موت بالنسبة للمغرب، وهو ماكان في الثالث عشر من نونبر 2020 بعملية خاطفة وسريعة انهت مايسمى "قندهار" شمال افريقيا بشكل نهائي . 
     لحفظ ماء الوجه والتخفيف من هول الصدمة روج انصار البوليساريو بعدها بان إغلاق المعبر كان الهدف منه هو دفع المغرب للتدخل عسكريا وبالتالي تبرير التنصل من اتفاق وقف اطلاق النار امام المنتظم الدولي ! وهذه في الحقيقة دعاية كاذبة تدحضها الكثير من الوقائع: 
    فالمغرب من ناحية كان هو المبادر لتمشيط المنطقة سنة 2017 عبر عناصر الدرك الحربي، حيث وصلت مروحياته إلى اقصى جنوب المعبر على الحدود الموريتانية، ولم تتدخل البوليساريو من ناحية اخرى إلا بعد بدء تعبيد المغرب لجزء من الطريق المتجه نحو موريتانيا.
  ختاما يمكن القول ان نتائج ازمة الكركرات كشفت عن اختلاف جذري في تديير نزاع الصحراء بين المغرب والبوليساريو، ففي الوقت الذي عمل المغرب منذ بدء مسلسل تحديد الهوية على تكثيف نشاط اجهزته الدبلوماسية لحشد التأييد لوجهة نظره حتى بين صفوف الدول المحسوبة على الحلف الشرقي سابقا خاصة تلك التي ظلت وفية لمخلفات الحرب الباردة (من بينها مواقفها تجاه قضية الصحراء)، عمل أيضا على مواكبة عمله الدبلوماسي التقليدي بدبلوماسية اقتصادية وتجارية حققت مكاسب هامة خاصة على المستوى الإفريقي، توجت بعودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي وافتتاح العديد من القنصليات الأفريقية بمدن الصحراء كاعتراف رسمي منها بسيادة المغرب على كامل ترابه بما في ذلك اقليم الصحراء، اما على المستوى العسكري فقد راهن المغرب على تطوير موارده البشرية واللوجيستيكية عبر صفقات سلاح بتكنولوجيات حديثة (اقمار اصطناعية، رادارت متطورة، طائرات درون ) ومناورات سنوية مع دول كبرى اضافة إلى المشاركة في قوات حفظ السلام بمناطق توتر مختلفة، في حين لم تساير جبهة البوليساريو المستجدات القتالية في المجال العسكري مما جعل تحركات عناصرها وآلياتهم مكشوفة لدى الرادارات المغربية عند اول مواجهة، هذا من جهة ومن جهة أخرى يمكن القول أن ماينطبق على قوات البوليساريو ينطبق في الغالب على وضع حليفها الجزائر، فهي تعتمد كليا في تدريبها وتجهيزها على الجيش الجزائري، هذا الاخير يبدو أن قادته تفاجؤوا هم أيضا بالقدرات العسكرية المغربية وإلا لما تقبلوا مالحق البوليساريو من خسائر جسيمة، خاصة فقدانها لمواقع هامة بالمناطق العازلة، ولتحركوا لدعمها عسكريا بنفس القدر الذي تتحرك دبلوماسيتهم قاريا وامميا ! لذلك ظل تأييدهم محصورا في البيانات والتصريحات التنديدية لوزارة الخارجية وقيادة الاركان.