الأحد 22 مايو 2022
كتاب الرأي

طالع السعود الأطلسي: محمد بن المقدم.. الحاضر المتوهج أبدا.. يبدد الغياب

طالع السعود الأطلسي: محمد بن المقدم.. الحاضر المتوهج أبدا.. يبدد الغياب طالع السعود الأطلسي

اليوم، السبت في الدار البيضاء، عن قرب أو عن بعد في القلب، يتحلق عائلة، رفاق ومعزي محمد بن المقدم حول ذكراه... يستضيئون بسناه وينهلون من وهجه.

 

سنة أولى غياب جسدي لقامة نضالية فارعة في الحركية الديمقراطية والتقدمية المغربية بديناميكية منتجة وعلى مدى عقود، من الكد، ومن الألم ومن الأمل في مغربنا.

 

قبل سنة من اليوم... غالب ألمه، غضب منه وذهب. وعجبا كيف غضب وذهب. وهو السي محمد، المضاد الحيوي للغضب في نفسه وحواليه. لا يذكره أحد ولن يذكره إلا مبتسما... حتى حين اشتدت الزيم عليه وأدلهم الكرب... إنه الاسم الحركي أو العميق للهدوء... يوصل إليك كلماته برفق وأناقة حتى أذنيك... يحرص على موسقة جمله، بتلك الرنات المراكشية العذبة والمختالة... يخفرها إلى الأذهان وإلى الآذان بإيقاع منتظم... خوفا عليها من أي خدش... أقصد الجمل والآذان والأذهان.

 

تاريخ من الصمود المحصن، وهو السي محمد... في سنوات الغليان... صمود في السرية، صمود في المعتقل، صمود في العطاء لوطنه ومن أجل وحدته وكرامته وتقدمه... صمود بالوعي الديمقراطي النابض وبالفعل السياسي الناهض... صمود محض بمناعة لا يخترقها يأس ولا ينال منها بأس... مناعة أسمنتها عدته الفكرية الباذخة.

 

هو الغائب اليوم جسديا... راسخ الحضور في ذاكرة مجايليه وذاكرة وطنه... ذاكرة منظمة 23 مارس، في مراكش وقد كان فيها "إماما" هاديا وأستاذا مؤسسا... ذاكرة محن الاعتقال السياسي في تلك السنوات الملتهبة... ذاكرة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وقد كان فيها طاقة تنظيمية جاذبة... ذاكرة الحزب الديمقراطي الاشتراكي وقد كان فيه قائدا نشيطا في تجديد الثقافة السياسية... وذاكرة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي عاد إليه وفيا لانتمائه الفكري والسياسي إليه، شابا متطلعا للانخراط في مجرى البناء الديمقراطي للوطن المستقل... ذاكرة تعليم وتثقيف وتربية الأجيال في الثانوية وفي الحياة وفي المجتمع.

 

حياة عبرها، وهو أقرب إلى الزاهد... لا أذكر ولو مرة أنه عاكس أو شاكس أو نافس... لا يثير حواليه لا غبارا ولا ضجيجا ولا غرورا ولا نفورا... لا يقول إلا ما رآه مفيدا... أو يصمت ويبتسم... لا يحمل ثقلا غير ضروري ولا يحمل غلا... لا يستثقل الاقدام على المفيد من العمل ويعتذر برفق ابتسامته عن مجاراة انشغالات بلا طائل.

 

ونعم وعلى عكس المأثور السائد... كان الرجل العظيم وراء المرأة العظيمة... أختنا الرائدة الأستاذة عائشة لخماس... رفيقة حياته في الأسرة وفي النضال... كان لها سندا وعضدا بعظيم وفائه وعميق فكره ونير نصحه... وهي تتصدى مع رفاقها ورفيقاتها إلى الكوابح الثقيلة للتقدم الاجتماعي والتي تطال أوضاع المرأة المغربية... ولها ولهن وله يعود الفضل في إنتاج وتعميق الوعي بمركزية القضية النسائية في التقدم الديمقراطي والحداثة الاجتماعية وعموم المسار النهضوي المغربي.

 

من يذكره اليوم... لا بد وأن تنتابه حسرة فقد... ولكنه... بتلك الحياة الأمثولة، لن يكون أبدا فقيدا... هو إلا غياب جسدي ولكنه متوهج بالحياة في ذاكرة الوطن وذاكرة المحبة.