الأحد 28 نوفمبر 2021
كتاب الرأي

سعيد أكدال: استقراء الرأي بالجماعات الترابية.. أداة تدبير مهملة

سعيد أكدال: استقراء الرأي بالجماعات الترابية.. أداة تدبير مهملة سعيد أكدال
منذ ما يقارب 25 سنة كتبت في إحدى الصحف الوطنية متحدثا عن استقراء الرأي وأهميته بالنسبة للعمل الجماعي (السياسة الجديدة، العدد 11، 1997). لكن منذئذ لا زال الوضع كما هو عليه، ولم تجتهد المجالس الجماعية وتنتبه لما للبحوث الميدانية من أهمية في تدبير الشأن المحلي. هذا في الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسات الجامعية بمختلف تخصصاتها منتشرة عبر كل ربوع المملكة.
إلا أن المثير في هذه الميزة هو أن كل تلك المؤسسات لا يتم الاستفادة من وجودها من طرف الجماعات الترابية إلا نادرا، ولا يتم عقد اتفاقيات لإنجاز دراسات وأبحاث ميدانية حول كل ما يتعلق بالشأن المحلي. وفي هذا السياق، نود الإشارة إلى أن مجلس المجموعة الحضرية للدار البيضاء قد سبق له أن أبرم سنة 1992 اتفاقية تعاون وشراكة مع مجموعة الأبحاث والدراسات حول الدار البيضاء(GREC). وقد كان الغرض من هذه الاتفاقية التي شاركنا في إعدادها باعتبارنا موظفا وعضوا في مجموعة الأبحاث، هو إنجاز دراسات ميدانية تهم بعض القطاعات والخدمات العمومية كالنقل والنظافة والمساحات الخضراء... إلا أنه ولأسباب غير واضحة لم يتأتى تفعيل هذه الاتفاقية وظلت حبرا على ورق. والحقيقة غير المعلن عنها أن البحث الميداني كان يمثل في نظر البعض تهديدا لمسألة تدبير الشأن المحلي. والمصير نفسه لحق بالمبادرة الرامية إلى خلق مرصد على مستوى مدينة الدار البيضاء في سنة 1999 للقيام بأبحاث ودراسات مختلفة، حيث أحبطت هي الأخرى في مهدها.
قد لا يكون غلوا في القول إذا اعتبرنا أن البحث الميداني واستقراء الرأي يمثل شبحا مخيفا بالنسبة للأجهزة المسؤولة عن تدبير الشأن المحلي. وحتى وإن وجدت بعض النيات الحسنة التي تدرك ما للبحث الميداني واستقراء الرأي من أهمية علمية، فإنها لم تكن قادرة على الانتصار لهذه القضية والحرص على إعمالها.
غرو أن استقراء الرأي يعد وسيلة علمية تمكن من ترشيد التدبير وتوجيهه نحو الوجهة الصحيحة. فما يجب الإيمان به هو أن النتائج والخلاصات التي يمكن تحصيلها بفضل البحث الميداني تساعد على معرفة مكامن الخطأ وجوانب الصواب، وبالتالي تسمح بتشخيص الاختلالات داخل كل منظومة سوسيو مجالية. إن استقراء الرأي أداة مزدوجة الاستعمال. فهو إذا كان أداة معرفة تساعد على إدراك كل جوانب وضع معين أو قضية معينة، فهو يمثل أيضا أداة إقناع تستغل نتائجها لتبرير وإثبات صواب قرار أو مشروع أو برنامج أو مخطط.
فالعناية التي توليها الدول المتقدمة لمسألة استقراء الرأي لم تتولد بمحض الصدفة ولم تنبثق من العدم، وإنما هناك مبررات ومحفزات. فما أكدته التجربة هو أن استمرار أي نشاط وتحقق تطوره ودوام ازدهاره يقتضي معرفة المحيط الذي هو من أجله موجود، ويحتم تحديد مطالب وانشغالات الجهة التي يتعامل معها.
سبيل الذكر، في فرنسا يتم سنويا إنجاز حوالي 900 استقراء للرأي، وهو ما يعادل بحثين ميدانيين، وفي شهر شتنبر 2006 فقط تم القيام بحوالي 70 استقراء للرأي (Revue Sciences Humaines, mai 2007, N 182).
وهكذا، فإنه بالنسبة للجماعات الترابية التي جاءت لخدمة المواطن، يجب عليها أن تكون على علم دائم ومتجدد بحاجيات هذا المواطن وسلوكاته المتطورة والمتغيرة، وبالطبع لا يتحقق ذلك إلا باستقراءات للرأي وأبحاث ميدانية.
غير الواقع المِؤسف هو أن مختلف الجماعات الترابية بالمغرب لا تعمل بهذه الأداة العلمية التي أضحت من الوسائل الحديثة التي لا غنى للتدبير عنها في جميع المجالات. إنها أداة مغيبة ولا تعطاها أدنى أهمية أو حتى وإن وجدت فإن وجودها يكتسي طابعا موسميا وظرفيا يشوبه عدم الاستمرارية. ونعتقد أن مرد ذلك هو أن البحث الميداني واستقراء الرأي ينظر إليه على أنه أداة كاشفة للعيوب، والسبب المباشر للتنبيه إلى مشاغل وقضايا جديدة تطرح أمام المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي. وهذه الحقيقة هي التي لا يرغب فيها الكثيرون من أولئك المسؤولين لاعتبارات شخصية أو انتخابية وسياسية.
وما يجب ألا نغفل عنه هو أن استقراء الرأي يمثل بكل تأكيد وسيلة فعالة تمكن من بذل مجهود أقل والحصول على نتائج أكثر، ومن ثمة تفادي إهدار الطاقة البشرية وتبديد القدرات المالية. وبعبارة أوضح، إن نتائج البحث الميداني المعتمد على استقراء الرأي تسمح بتحديد دقيق للهدف المتوخى ثم معرفة الوسيلة الأنجع للوصول إلى هذا الهدف ربحا للوقت والطاقة.
ونرى أنه من بين السبل التي تساعد على إعمال هذه الأداة هو التعاون مع المؤسسات الجامعية، فسلوك هذا السبيل يمكن الجماعات الترابية من الاستفادة من البحث العلمي وتسخيره لخدمة المجتمع.
بعد أن ولجنا القرن الواحد والعشرين لابد وأن نجتهد في وضع قطيعة مع التدبير الكلاسيكي للشأن المحلي وتبني أساليب تسيير حديثة وعلمية كفيلة بالانتقال إلى مستوى أرفع تتحقق معه تنمية متوازنة للفرد والمجتمع.
 
الدكتور سعيد أكدال /إطار جماعي وباحث جغرافي مهتم بالشأن المحلي