الأحد 23 يناير 2022
سياسة

فهمي: نحن اليوم أمام نموذج جديد لأحزاب تتهافت على "الريع" وكسب المقاعد

فهمي: نحن اليوم أمام نموذج جديد لأحزاب تتهافت على "الريع" وكسب المقاعد محمد فهمي

يرى محمد فهمي (فاعل مدني ومستشار في الحكامة والتنمية الترابية) أن الهم الأساسي للأحزاب السياسية اليوم هو الظفر بالسلطة بطريقة أو بأخرى.. مضيفا بأن الشغل الشاغل للأحزاب الوطني هو كسب المقاعد في الانتخابات مما يدفعها إلى تزكية "أصحاب الشكارة" بدل المناضلين الذين قد ينافسون المتحكمين في مراكز القرار داخل هذه الأحزاب مستقبلا، مما يجعلنا اليوم أمام مفهوم جديد للحزب اليوم شبيه بـ "النموذج التجاري" للشركات العملاقة.

 

+ كيف تقرأ الأزمة التي تتخبط فيها الأحزاب السياسية والتي جعلتك تتحدث عن وجود مفهوم جديد للأحزاب بالمغرب على غرار النموذج التجاري؟

- في الحقيقة فالمفهوم يطرح إشكالا كبيرا، وفي هذا الإطار انتبهت مجموعة من الشركات العملاقة مثل "يوتيوب" و"إر إن بي" وغيرهما إلى ضرورة تخصيص حجم كبير للاستثمار في الأصول والمنقولات وأدوات الإنتاج، وانتبهوا كذلك إلى كون هذا يشكل عائقا في وجه تطورها وتوسيع رقم معاملاتها مما جعلها تفكر في خلق نموذج جديد ومفهوم جديد للاستثمار عبر توزيع جزء من الأرباح مع أشخاص آخرين يمتلكون البنايات وأدوات الإنتاج مما سيمكنهم من توسيع المشروع بشكل كبير وتحقيق أرباح مهمة في أقل وقت ممكن، وقد وصلنا في ما يتعلق الأحزاب المغربية إلى نفس المفهوم سواء عن قصد أو غير قصد على اعتبار أن الاستثمار الأكبر بالنسبة للحزب السياسي هو الاستثمار في المناضلين (التكوين والتنشيط) لكن هناك خطر كبير، ويتعلق بسقف طموح هؤلاء المناضلين الذي يتوسع إلى أن وصل اليوم إلى المطالبة بالمراكز القيادية، وقد وصلنا مثلا إلى كون حزب تاريخي كانت دائما تسيطر على قيادته عائلات معروفة إضافة إلى بعض الوجوه التاريخية للحزب إلى تمكن عضو بالجناح النقابي لنفس الحزب بقدرة قادر إلى تهديد "عرش الحزب" وتسلم منصب الأمانة العامة، وهذا مكلف جدا بالنسبة للمتحكمين في الأجهزة الحزبية.

ولما يطرح سؤال الإمكانات المادية للأحزاب، فمصدرها الدولة، والتي تخضع لمقياس عدد المقاعد المحصل عليها. إذا هذا جعل هذه الأحزاب تقرر التعامل مع أشخاص مستعدون للالتحاق بها في آخر لحظة، ومقابل التزكية التي ستحصل عليها لخوض غمار الانتخابات، ستمنح هذه الأحزاب المقاعد، اعتبارا لكون هؤلاء يمتلكون إمكانات مادية، وبالتالي فماضي هؤلاء لا يهم، مادام أنهم لن يعتبروا أنفسهم أبناء هذه الأحزاب، وبالتالي فسقف طموحهم سيكون دائما محدودا، ولن يهددوا الكيانات القائمة ما دام أنهم لا يمثلون نتاجا للحزب..

 

+ ربما هذا ما يفسر تهافت بعض الأحزاب على تزكية "أصحاب الشكارة" وإقصاء المناضلين؟

- تماما.. فبالنسبة لهم فالمناضلون مكلفون بالنسبة لهم ليس على المستوى المادي فقط (التكوين والتنشيط) بل مكلف أيضا على مستوى منافستهم في تولي المناصب القيادية وتقاسم المسؤوليات وتقاسم السلطة، وهذا بالنسبة لهم خط أحمر، وهنا منبع المشكل بالنسبة لهذه الأحزاب، في حين أن "مول الشكارة" لن يصل إلى مستوى المنافسة على تقاسم السلطة، بل أكثر من ذلك فلما يتمكن الحزب من الوصول إلى السلطة ويطلب منه تقديم الكفاءات لتولي المسؤوليات تجد نفسها عاجزة عن ذلك، وهو ما يدفعها الى استقطاب كفاءات من خارج الحزب و"تلوينها" بألوانها الحزبية..

 

+ وهذا ما كان واضحا في حكومة أخنوش التي تم إغراقها بـ "التقنوقراط"؟

بالفعل.. هذا كان مقبول إلى حد ما من أحزاب تعتبر "إدارية" ولم نكن نتوقع هذا من أحزاب وطنية.. الأحزاب اليوم لم تعد مشكلة انطلاقا من أفكار وايديولوجيات، بل هي مشكلة انطلاقا من أشخاص همهم الأساسي الظفر بالسلطة بطريقة أو بأخرى، فماذا يفرق اليوم حزب عن آخر؟ فلما نجد اليوم حزبا وطنيا يستجدي مقعدا داخل الحكومة دون أن يتمكن منه، ويحاول بعدها الانتقام من الإقصاء بخلق مناورات هنا وهناك.. لما تجد أحزابا وطنية يقال عنها إنها ضمير الأمة، فاذا بها تستقبل اليوم أشخاصا غرباء عن الحزب وتقوم بتلوينهم بلونها الحزبي في حين أن أعضاء اللجنة التنفيذية أو المكتب السياسي ليس لهم سوى أعين من أجل البكاء.. يعني المشهد السياسي اليوم صار غريبا جدا، ولا أعتقد أن هناك رابح من هذا الوضع... الأحزاب اليوم لا تستقطب سوى 1 أو 2 في المائة من مجموع المواطنين المغاربة وهذه مسألة خطيرة جدا .

 

+ ما أشرت إليه سيؤدي إلى تعميق أزمة المشاركة السياسية مستقبلا؟

- النفور من العمل السياسي مطروح اليوم بحدة، والأرقام التي قدمت بشأن المشاركة السياسية لا تعكس المناخ العام وأنا لا أشكك في الأرقام بقدر ما أؤكد بأنه ليس هناك توازي ما بين المناخ العام ورأي المجتمع بشأن الأحزاب السياسية، فالكثير من المواطنين يعتبرون الأحزاب غير موثوق بها وبأنه لا شرعية لها.. غياب الإيديولوجيات، غياب الأفكار، غياب الحوار الداخلي داخل الأحزاب السياسية، غياب برامج وخطط العمل، والذي جعل مؤسسات أخرى تأخذ المبادرة وهذا ليس دورها، هذا دور الأحزاب السياسية.. إنها أحزاب السلطة وليست أحزاب الواجب ويكفي العودة إلى الدستور وإلى وظائف الأحزاب السياسية للتأكد من هذا المعطى، فهل تقوم الأحزاب السياسية بأدوارها وواجباتها في التأطير والتكوين وفي النقاش المجتمعي؟ الجواب سيكون بالنفي...

 

+ ما أشرت إليه له علاقة بانهيار الوسائط المجتمعية والذي كشفت عنه الحراكات الاجتماعية (حراك الريف، حراك جرادة...) أليس كذلك؟

- طبعا.. المواطنون الذين خرجوا للشارع في الريف، وفي جرادة طالبوا مباشرة بالتحدث مع مؤسسة الملك، لماذا؟ بسبب غياب من سيمارسون سياسة القرب والسياسات العمومية على المستويات الترابية، وبسبب عدم تفاعل الأحزاب مع قضايا المجتمع، غياب برامج جهوية وبرامج وطنية للأحزاب السياسة.. إننا نعيش اليوم ما يسمى بـ "التسويق السياسي"، فلا يوجد أي حزب سياسي تمكن من إنتاج برنامج حزبي خلال الانتخابات الأخيرة، وللحديث عن برنامج لابد من وجود خانتين: خانة خلق الثروة، وخانة الانفاق.. جميع الأحزاب قدمت مجموعة من الالتزامات والتي هي في الحقيقة مجرد وعود قد تتحقق أو لا تتحقق، دون أن تقدم تقديرات مالية لهذه الوعود، ودون أن تقدم الثروة التي سيتم إنتاجها من أجل تمويل هذه الوعود، وهذا إشكال آخر، وأمام هذا الوضع أصبحت المؤسسة الملكية مضطرة لاتخاذ المبادرات التي أصبحت الأحزاب عاجزة عن القيام بها، فإنتاج النموذج التنموي الجديد  مثلا كان يمكن أن يشكل مجالا للتباري بين الأحزاب السياسية، بل الخطير في الأمر إنه لما تم تعطيل جميع المؤسسات لمدة 3 أشهر في الفترة الأولى من جائحة كوفيد 19، ألم تكن تلك فرصة سانحة لخلق النقاش المجتمعي حول مجموعة من القضايا التي تمس مستقبل المغاربة وإعادة النظر في مجموعة من المنظومات عبر الوسائط الاجتماعية وعبر الإنترنيت بينما كان الجميع داخل بيوتهم؟ للأسف تم إهدار هذا الوقت، علما أن الأمر يتعلق بلحظة فاصلة في تاريخ المغرب وتاريخ الإنسانية كان بالإمكان استثمارها من طرف الأحزاب السياسية...