الاثنين 18 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

عبد المجيد طعام: الأحزاب والمناصفة..إقصاء المرأة الإنسان

عبد المجيد طعام: الأحزاب والمناصفة..إقصاء المرأة الإنسان عبد المجيد طعام
في زمن الانتخابات يكثر الحديث عن المناصفة، يتم التطبيل والتصفيق لما تحقق للنساء من مكتسبات وفتوحات بفضل الرجال، لكن لا أحد يَجْرُؤ على الحديث عن المناصفة كمشروع ثقافي فكري ولا أحد يَجْرُؤ على التساؤل عن مآل هذا الورش الذي يفترض أنه سيشتغل على بناء الإنسان.
كل إنجازات المناصفة تمت في المختبرات السياسية، تتدحرج من أعلى السلطة وتفصل في دهاليز وزارة الداخلية، لم تكن أبدا ناتجة عن حوار وطني ونقاش مجتمعي في بعديه الفكري والثقافي.
كما العادة وزارة الداخلية هي من تأمر وتشرع ،في بداية الحديث عن المناصفة سنة 2002 اقرت الداخلية نظام الكوطا في الانتخابات فأمرت بتخصيص 30 مقعدا للنساء في مجلس النواب، ثم في سنة 2011 تضاعف عدد المقاعد ليصبح 60 مقعدا ،كل الأحزاب رحبت بهذا الفتح الذي جاءت به الداخلية وهل لها خيار آخر تجاه أوامر الداخلية غير التصفيق والتهليل ؟ ثمنت الأحزاب خطوة الداخلية ،واعتبرت أن البلاد تسير على السكة الصحيحة لإقرار مبدأ المناصفة .
والداخلية منتشية بانتصاراتها ، ابتكرت اللوائح الوطنية للنساء ، لوائح انتخابية لا تتضمن إلا النساء يمارسن حقهن السياسي وحدهن ، يمارسن سباقا انتخابيا خاصا بهن خارج أي سياق ثقافي أو رؤية سياسية واضحة.
حضرت الداخلية حلبة سباق محرمة على الرجال وفرضتها على الأحزاب، لكن النتائج كانت عكس انتظارات النخب السياسية والثقافية ذلك أن اللوائح النسائية تحولت إلى نوع من الريع الانتخابي عائلي وكأنه التجربة فصلت بدقة لتستفيد منها بعض الأسر أفرزت المناصفة المفصلة في مخابر وزارة الداخلية مظاهر سياسية غريبة / جديدة إذ تحولت الكثير من الأسر إلى مقاولات انتخابية قائمة الذات ، استغلت بعض الأسر الفرصة فتصدرت اللوائح الانتخابية ، كان رب الأسرة يتقدم لائحة الحزب ،الزوجة والبنات يتقدمن اللوائح الوطنية النسائية والذكور يتقدمن اللوائح الوطنية للشباب ..
خلال انتخابات الثامن من شتنبر 2021 تم التنصيص على تخصيص 90 مقعدا في الانتخابات التشريعية حصريا للنساء، يعني بإضافة 30 مقعدا عن انتخابات 2011، كما حمل القانون التنظيمي رقم 04.21 المغير والمتمم للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب مستجدات، صفقت الأحزاب لها، واعتبرت النخب السياسية الحزبية الإجراءات الجديدة أنها ذات فاعلية تسير في اتجاه تعميق المناصفة في الحياة السياسية .
تم التحول من اعتماد اللوائح الوطنية المخصصة للنساء والشباب إلى اعتماد لوائح جهوية يمكن أن تضم الإناث والذكور في لائحة واحدة، أما الأهم فهو تخصيص ثلثي الترشيحات للنساء، مع اشتراط تخصيص المرتبتين الأولى والثانية في كل لائحة حصريا للنساء.
كل ما تم تعديله وتغييره يحدث في غياب النخب الحقوقية والثقافية لأن الداخلية هي التي تستأثر بتحديد فصول وبنود المناصفة ولا تسمح للمنظمات والحركات الحقوقية النسائية بتبني المشروع، وهكذا ظل التشريع للمناصفة حبيس السياسيين ولم ينزل أبدا إلى الواقع للبحث عن إمكانية تأسيسها كمشروع مجتمعي ينطلق من ضرورة تغيير البنية الفكرية والثقافية وتأسيس مجتمع الديمقراطية والحداثة .
نتيجة غياب المناصفة كمشروع مجتمعي حداثي، شابت الحملة الانتخابية الأخيرة مجموعة من الاختلالات أفصحت عن هيمنة السلطة الذكورية المهيمنة على كل الامتيازات، أما ما تجود به على المرأة لا يتعدى مقاعد انتخابية.
يمكن أن نقف على وهم المناصفة في بلادنا وفشلها في أن تتحول إلى مشروع حداثي في طبيعة تعامل كل الأحزاب من اليمين إلى اليسار مع المرأة، خلال الانتخابات الأخيرة.
في الحملة الانتخابية الأخيرة لم تبرح المرأة مكانها، لم تتغير صورتها في ذهننا، ظلت ثابتة كما استقرت في وعينا الجمعي عكس ما يروج له الخطاب السياسي الرسمي والحزبي بل يمكن القول إن تعامل الأحزاب مع المرأة في هذه الحملة نسف كل أمل لتحقيق مكتسبات حقيقية لازالت تناضل من أجلها الحركات الحقوقية النسائية المغربية.
في هذه الحملة الانتخابية عايشنا ردة في الوعي وتم الكشف عن عجز الأحزاب على أن تحمل أي مشروع لبناء مجتمع حداثي ديمقراطي ماذا حدث ؟ لماذا هذه الردة ؟
جاء في بيان لوزارة الداخلية المغربية أن اللوائح الانتخابية المتنافسة في انتخابات البرلمان تشمل في مجموعها 6815 مترشحا، منها 2329 ترشيحا للنساء بنسبة 34.17% من إجمال المترشحين.
إن هذا الكم الهائل من النساء اللواتي سجلن حضورهن في هذا الاستحقاق لا يعني أن المجتمع المغربي يشهد تغييرا في علاقته بالمرأة ، لأن التغيير لا يقاس بالعدد ، لم يكن أبدا التغيير كميا عدديا في أي مجتمع من المجتمعات الديمقراطية ، وإنما يقاس التغيير بمدى قدرة المجتمع على قبول قيم الحداثة والتشبع بها وممارستها كقيم اجتماعية.
حينما نقوم بقراءة للحملة الانتخابية الأخيرة نلاحظ أنها سارت على نفس نسق الحملات الإعلانية التجارية، ذلك أن الأحزاب وظفت تقنيات الماركوتينغ التجاري المتطورة، فقد تعاملت بطريقة ترويجية محترفة ليس للمشروع المجتمعي وإنما لسلعة انتخابية غير واضحة المعالم لهذا التجأت جل الأحزاب الكبيرة إلى الشركات الإعلانية المحترفة لتساعدها على ترويج سلعها وليس برامجها.
مع هذه الحملة الانتخابية دخلنا زمن الماركوتنغ السياسي، كل تفاصيل كتابة السيناريوهات والإخراج والتصوير تمت دراستها بدقة متناهية وصرفت عليها أموال طائلة .
حينما نطلع على تقنيات إخراج الإعلان التجاري ونقارنها بما تم إنجازه في الحملة الانتخابية ،لا نجد أي اختلاف بين أسلوب الترويح للسلع التجارية وبين أسلوب ترويج السلع الانتخابية ،لهذا بدت هذه الحملة مختلفة عن سابقاتها ، غير أن الأمر الخطير في هذه الحملة الترويجية هو طريقة توظيف المرأة واستغلالها والتعامل معها كأداة تصاحب السلعة الانتخابية المعروضة للبيع . إن هذا التوجه الإشهاري يذكرنا بتلك الوصلات الإشهارية العالمية للسيارات الفخمة التي تهدف إلى خلق أثر نفسي في الزبون المفترض بدغدغة بعض مشاعره من أجل إشباع وهمي، إلى درجة أن الزبون المستهدف لن يستطيع أن يميز بين السيارة السلعة والمرأة السلعة، فحينما يقتني السيارة سيقتني معها وهم المرأة الفاتنة ..
نفس التقنية الترويجية اعتمدتها أغلبية الأحزاب الكبيرة المشاركة في هذه الاستحقاقات، حيث تحولت المرأة في الملصق الترويجي الى مجرد سلعة ليس لتمرير برنامج أو رؤية سياسية أو مشروع مجتمعي وإنما لخلق الأثر النفسي لدى الناخب / الزبون .
المنطق التجاري غلب على المشروع المجتمعي لدى جل الأحزاب وكما تعتمد الإعلانات التجارية على تضليل والتمويه، اعتمدت الأحزاب كذلك على تمويه الناخب وتضليله واستمالته ليقبل على السلعة الانتخابية /الخدعة السياسية.
لم تعد البرامج والمشاريع هي ما تعول عليه الأحزاب، ذلك زمن مضى وانتهى، أصبحت الأحزاب تعول على الواجهة "الفيترينا" وإن اقتضى الأمر التخلي عن المرجعية الإديولوجية .
الماركوتنغ الانتخابي، دفع جل الأحزاب إلى التخلي عن المرأة / الإنسان / المشروع الحداثي، ولم تجد أي حرج في تشييئها وتسليعها من أجل كسب ناخبين/ زَبائِن.
نفس الأحزاب التي شيّأت المرأة تصرفت تصرفا غريبا حينما تعمدت حجب صور بعض المرشحات من الملصقات الإعلانية بحجة احترام الخصوصية و الحرية الشخصية كما عملت نفس الأحزاب على استقطاب الكثير من المرشحات المحجبات .
قدمت الأحزاب المرأة في وضعيتين متناقضتين، وضعية المرأة في صورتها الحداثية ووضعية المرأة في صورتها السلفية، في كلتا الوضعيتين تم استغلال المرأة كأداة لتمرير سلعة انتخابية.
الصورتان المتناقضتان للمرأة في مجتمع مناصفة الكم العددي تحيلان على تعامل الأحزاب مع المجتمع كمجتمع مريض مصاب بسكيزوفرينيا حادة، مجتمع يعشق المرأة المتحررة، تسكن فانتازماته الأكثر غرابة ولكن في نفس الوقت يصر على أن تبقى المرأة متوارية خلف حجاب أو أن تتنازل عن هويتها فلا تظهر صورتها على الملصقات الإعلانية الانتخابية باعتبارها عورة.
اعتمدت الأحزاب على هذه قراءة القاصرة وقدمت في الماركوتنغ الانتخابي الصورتين معا، صورة التحرر المعبرة عن الرغبة المسكوت عنها وصورة المحافظة واحترام الشعور الديني، كل هذا لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين / الزبائن....
لقد احتدت المعركة الانتخابية بين الأحزاب للظفر بأكبر حصة من المقاعد البرلمانية والجهوية والمحلية التي تمكنها من الوصول إلى كراسي المسؤولية، وإن لم تأت ببرامج انتخابية واضحة المعالم ، بل أحزاب كثيرة دارت في فلك ما يسمى النموذج التنموي الجديد دون أن تشارك في صياغته وإخراجه وكانت المرأة حاضرة بقوة كرقم فقط .
إن الخاسر الأكبر في هذه المعركة الانتخابية الضارية هو المجتمع ، تم إيهامه بأن له سلطة القرار والاختيار، باعت له الأكشاك الحزبية عن طريق الماركوتنغ الانتخابي سرابا سموه إعلاميا بأسماء كثيرة منها العرس الديمقراطي ، الانتخاب العقابي ، الاستثناء المغربي ، لكن في حقيقة الأمر لم تفتح هذه الانتخابات ورش بناء المجتمع الحداثي وإنما أفرزت ديموقراطية غريبة ، ديمقراطية الأغلبية المريحة بتقزيم وتغييب المعارضة ، في هذا النوع من الديمقراطيات ستعطل كل الانتظارات وستظل المرأة تجتر مآسيها ،ستظل تبحث عن هوية غير موجودة في وعينا الجمعي وستظل المناصفة من اختصاص وزارة الداخلية تحسب بعدد المقاعد البرلمانية التي ستخصص للنساء ،أما الأحزاب فلا يهمها الأمر ما دام أنها أعفيت من عقاب تحضير برامج انتخابية ومشاريع مجتمعية قادرة على بناء الإنسان .