الخميس 16 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

عبد الإله حسنين:ما بين الحركة والجمعية

عبد الإله حسنين:ما بين الحركة والجمعية عبد الإله حسنين
إن إعادة قراءة أدبياتنا وتوجهاتنا الإيديولوجية وقيمنا الفكرية والنضالية ومرجعيتنا النظرية تفرضه أكثر من الرغبة، إنها حاجة إستراتيجية، ومن هنا كان التمييز بين أن نكون جمعية وحركة أكثر من دلالة، فنحن قانونيا نخضع لما تخضع له الجمعيات من تأطير قانوني لكن تميزنا يأتي من الاختيارات الفكرية والفرق لا يمكن في المصطلح بل في مدلولاته, إننا حركة تستمد مدلولها من ديناميتها فإذا كانت الجمعية مصطلح ينسحب على التنظيمات التي يشترك أعضاؤها في مبادئ وقيم ووسائل عمل وهو ما ينسحب علينا أيضا؛ إلا أن الفارق الذي يتحتم استحضاره هو أن حركة تخفي ضمنيا وعلنيا مفاهيم ترتبط بالمرجعية الفكرية، إنها دينامية غير منغلقة منفتحة باستمرار لتقبل الجديد والمتجدد، وتكمن في قدرتها على خلق بنيات استقبال الآخرين واستيعابهم بدون حواجز. حركة تربوية بدون منهج مسبق لا تسعى لنشر مبدأ تربوي معين ولا تنطلق من سياسة وخط تربوي جاهز بل تمتلك القدرة من خلال حركيتها على اعتماد الطرق الحية والمرنة والحديثة في التربية والتنشيط التي تتلاءم دوما مع التحولات والأوضاع والحالات الجديدة. حركة قوانينها ليست ثابتة أو مقدسة غير قابلة للتجدد والتغيير لأنها وسيلة فقط ومتى كانت الحاجة إلى تغييرها وفق ما استجد فذلك واجبنا لأننا حركة داخل المجتمع نتأثر بمكوناته ونؤثر فيه ولأننا داخل المجتمع ولسنا على هامشه، وبطبيعتنا حركة متى أدركنا من ممارساتنا اليومية أن هناك حاجة إلى التجدد نعمل على تطوير الأجوبة المطروحة والمتجددة باستمرار حسب تطور المجتمع وتجدده وإقباله على التغيير.
إن الرواد الأوائل لم يجعلوا منها ناديا أو فرقة أو مجموعة بل حركة سائرة مستمرة في الدينامية يتحرك فكرها ويتطور حسب تحرك وتطور المجتمع، وهو ما يتطلب باستمرار التساؤل عن قواعدنا التنظيمية، فالقواعد التنظيمية لا تصلح إلا بما صلح به أهلها, إننا حركة لأن الحركة دينامية متجددة فاعلة باستمرار تعمل من أجل إنتاج الأفكار والمفاهيم والمشاريع، وإن هذه الدينامية المستمرة والمتجددة هي التي أبرزت وطورت مختلف وجهات نظر أطرنا في التنظيم والتنشيط والتكوين والتعاقد مع الآخرين، وهي التي جعلتنا قوة اقتراحيه قوة من المشاريع والأفكار التي طرحناها باستمرار من أجل إنجازها داخل فضاءاتنا ومن أجل أن يتبناها الآخرون.
والأفكار والمقترحات والمشاريع التي ارتبطت بالحركة عصية على الحصر فمن مخيمات الاندماج لمحاربة العصبية القبلية والإقليمية، إلى التعريف بحقوق الطفولة والدفاع عنها، إلى التعريف بأهمية المراهقة والدعوة إلى تنظيم تنشيطها وتكوينها وإشراكها، والدعوة إلى تحسين استقبال الأطفال وتعميم المخيمات وتوسيع قاعة المشاركة، إلى مفهوم التخصيص وخرزوزة ومفهوم الوقت الحر وفضاء رودياس وحياة الطفولة داخل الجماعات المحلية، إلى برنامج التربية على حقوق الإنسان وتدبير الذكاء الجماعي، إلى نداء الطفولة لأن كل الجهود للتربية كل الجهود للطفولة.
إننا حركة لأن الطفولة الشعبية جعلت نفسها قوة اقتراحيه في وقت كان المجتمع المغربي يجعل من الطفولة أخر انشغالاته. هذا التراكم النظري والعملي للحركة عبر تاريخها الثقافي والفكري والتربوي والتطوعي هو ما يجعلنا اليوم نعيد صياغة أسئلة ضرورية من قبيل كيف نرى أنفسنا اليوم ؟ ما هي صورتنا الحقيقية؟ وهل تتماشى ممارساتنا اليوم مع نفس قيم النضال المؤسسة على مبادئ التطوع والتضامن والاستقلال التنظيمي والفكري والانفتاح على الفكر المتجدد؟ وهل عملنا على تفعيل شعب البحث وحلقات التكوين الذاتي ؟ وهل ندبر أعمالنا تدبيرا عقلانيا وفعالا؟ وهل نشرك الجميع في التخطيط والبرمجة والمشاركة في القرار؟ وهل الجميع واع بالتزاماته الحقيقية؟
فلا يجب أن نتجاهل التطور السريع من حولنا وتغير مناهج العمل وأدواته، فنحن لسنا جزءا من التراث، نعيش على مكتسبات الماضي المشرق، فلاشيء يمكن أن يتحقق بدون الحوار وإشراك الجميع في تحمل المسؤولية والاعتراف بهم وبقدرتهم على العطاء والمساهمة, إن تنمية الجسور بين النظرية والممارسة كما سبق الذكر كفيلة بان تضخ دماء جديدة في تنظيمنا وتفتح المجال للجميع بالمشاركة في التخطيط والتفكير والتدبير والتسيير والانفتاح على الآخرين, إن الخوف من فقدان منصب ما أو مسؤولية ما ناتج عن الاعتقاد بأن لا أحد غيره أو غيرهم قادر على الإتيان بمثله أو بأحسن منه وهو بالضرورة ضعف أمام قوة الآخر وعدم الاعتراف بذلك يؤدي إلى الجمود ثم الانتظار ثم الاختفاء, فالإشكال الحقيقي لا يتمثل في الهيكلة والقواعد والقوانين إن كانت لا تزال صالحة أم لا، لأن الوصول إلى طرح هذا التساؤل هو نضح؛ بل في مدى قدرتنا على استيعاب هذه الهياكل وتنفيذها بالشكل الذي يسمح لدائرتنا بالنمو والتوسع والانتشار, وواهم من يعتقد أن إقصاء الآخر يفسح له المجال ليكون مكانه فحول دائرتنا التنظيمية ما يكفي من الأماكن للجميع محليا وجهويا ووطنيا شريطة الالتزام والوعي بالمسؤولية.
إن المطالبة بالديمقراطية تتطلب الإيمان بها، كما أن اكتساب الموقع يتم من الفعل الحقيقي ومن الداخل وليس من الفوق أو من الخارج، فلا أحد يمتلك القوة إلا من خلال فعله ومردوديته، ولا حماية لأحد إلا من خلال التنظيم والكفاءة والعطاء.