الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
فن وثقافة

التهاني يسلط الضوء على سيرة الشاعر عبد الرحمان حجي الذي رثى نفسه وهو على قيد الحياة

التهاني يسلط الضوء على سيرة الشاعر عبد الرحمان حجي الذي رثى نفسه وهو على قيد الحياة الشاعر الراحل عبد الرحمان حجي (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

في برنامج "مدارات" سلط الإعلامي عبد الإله التهاني، ليلة الجمعة 27 غشت 2021، الضوء على سيرة الشاعر المغربي المرحوم عبد الرحمان حجي، وجوانب من حياته وتراثه الشعري الغزير، الذي كانت أسرته قد وفقت إلى جمعه وتبويبه وتصنيفه، وإصداره في ديوان ضخم من جزأين ، تخللتها أيضا  رسائله التي تبادلها مع أدباء ووجهاء جيله.

 

وقفات مع الشاعر المغربي المرحوم عبد الرحمان حجي

اعتبر معد ومقدم برنامج "مدارات"، حوار في الثقافة والمجتمع، الزميل عبد الإله التهاني، في ورقته التقديمية، أن الشاعر عبد الرحمان حجي "ازداد سنة 1901 في البيت العريق لأسرة حجي، وفارق الحياة سنة 1965، (64 سنة) تاركا خلفه سيرته الأدبية الحافلة بالعطاء، والمبادئ التي تحدد أسلوب واجباته المهنية في حقل التربية والتعليم. شخصية من القامات البارزة بغزارة إنتاجه الشعري والأدبي، ومن أكثر الشعراء تنوعا في الأغراض الشعرية". وأشار إلى أن شاعرنا المرحوم عبد الرحمان حجي رغم أنه "عايش الموجة الجديدة في حركة الشعر الحر، إلا أنه ظل ذا نفس وقالب أصيل في كتابة القصيدة العمودية التي تقوم على وحدة الوزن والقافية". حيث تميز بـ "تنوع الأعراض الشعرية التقليدية المعتادة كشعر المدح، وشعر الرثاء، والغزل والطبيعة... بالإضافة إلى تميزه بانفتاحه على موضوعات أخرى رصد فيها عدة اختلالات وسلوكات بجرأة" فضلا عن "تميزه بكتابة قصائد التأمل الذاتي تطرح أسئلة حول الحياة وتدرج القدر الإنساني بين صعود وهبوط".

 

واستعان الزميل التهاني بشهادة الشاعر مولاي علي الصقلي الذي اهتم بتجربة الشاعر عبد الرحمان حجي ومما جاء فيها: "...الرجل لم يكن يفلت فرصة متاحة دون أن يتحرك وجدانه. مترجما لواعج شعوره وحسه... فنال منه الميدان الاجتماعي الوطني حصة الأسد. واستجاب لشيطان الشعر في كتابة وطنيات تستنهض الهمم، ذات أشكال وأبعاد متعددة.."

 

وعلاقة بالراحل فقد كان العلامة أبوبكر القادري يولي اهتماما بشعره، لذلك وقف في هذا الصدد وقفة تأملية استرجع ذكرياته مع الشاعر عبد الرحمان حجي في الشباب حيث قال في شهادته "إن المطلع على ما نشر من شعر... يلاحظ فيه التنوع والانسياب والنصائح والمواعظ والهجو والعتاب... شعر يعبر عن موقف صاحبه." وأضاف بأن "الرجل عاش حياته كلها أديبا شاعرا ولغويا. بقي يقرأ الشعر ويقرضه ويطرق الأبواب المختلفة فيه.."

 

وقد "شبه" الزميل عبد الإله التهاني شاعرنا المرحوم عبد الرحمان حجي بالشاعر الأمير الأندلسي المعتمد ابن عباد أسير قرية أغمات مخاطبا قبره الغريب في صورة مؤثرة بعمقها الجياش، بعد أن (قارن) قرأ بعض الأبيات الشعرية المؤثرة التي كتبها حجي قبل وفاته وكأنه يرثي نفسه (أيها الرائي صورتي قبل دفني...). وكأنها لوحة تجسد نهاية العمر، التقى فيها الأمير المعتمد ابن عباد مع الشاعر عبد الرحمان حجي في رثاء النفس بإيقاع الشعور بالرحيل عن الدنيا، رغم اختلاف الطروف والسياق بينهما، على اعتبار أنه "إذا كان المعتمد قد مات بقرار سياسي فإن حجي غادر الحياة وهو في أسر المرض وهو في أوج عطاءه الشعري وتدفق قصائده".

 

أما الأديب أحمد بناني فقد كتب شهادته من خلال وقفاته مع الشاعر الرحوم عبد الرحمان حجي قائلا: "كان في كل أطوار حياته يخدم اللغة العربية، وكرس نفسه لها. ويمتاز شعره كونه رقيق المعاني. شعر يعبر عن شعور صادق. لقد عاش عيشة الأديب الفنان".

 

في نفس السياق أبرز الأديب قاسم الزهيري في كتابه بأن الشاعر عبد الرحمان حجي قد "التقت فيه شتى المرجعيات. مرجعية إسلامية وانفتاح على المشرق العربي، وتفاعلت هذه التيارات في علاقة مع نهله من أمهات الكتب ومصادر الأدب. مثل كتب "الأغاني" و"العقد الفريد" و"معجم الأدب" و"الكامل" و"لسان العرب"... فضلا عن تشبعه بالمنابع الشعرية التي ارتوت منها ذائقة الأدب (المتنبي، البحتري، الحمداني، أبي نواس، ابن خفاجة، القسطلي، المعتمد ابن عباد... وغيرهم). علاوة على ما أتيح له من إطلاع على إبداع رواد الحركة الشعرية الحديثة (معروف الرصافي، بدر السياب، خليل مطران...) وشعراء المهجر وتوصله معه والاطلاع على تجربتهم الشعرية (إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة...).

 

وعلى غرار غيره من الشعراء "لم يتح للمرحوم الشاعر عبد الرحمان حجي أن يصدر إنتاجه الشعري في حياته، مخلفا وراءه رصيدا شعريا زاخرا بين المنشور في المنابر والصحف، والمخطوط بيده"، يوضح عبد الإله التهاني. لكن بمبادرة من أسرته الصغيرة وحفظا للذاكرة الأدبية المغربية، وبمبادرة و"جهد متواصل من أنجال الراحل تم جمع شتات كتاباته في الشق الشعري والنثري وخاصة مراسلاته، حيث تم طبع ديوان الشاعر سنة 1991، مرفقا بدراسات ومقالات نقدية تناولت شخصيته مواقفه وأسلوبه الشعري. علما أن الطبعة الأولى لم تضم كل شعره وكتاباته النثرية، حيث ظهرت كتابات عديدة حول المرحوم. وكان من نتائج ذلك الجهد والعمل "العثور على عدة أشعار لم يسبق نشرها". وبالموازاة مع مناسبة الذكرى المئوية لرحيل الشاعر "اكتمل مشروع الكتاب وصدر الديوان في طبعة ثانية. يضم دراسات وشهادات ومقالات أدبية ودراسات جامعية وقصائد شعرية".

 

وبصوت الإعلامي عبد الإله التهاني استمتع جمهور برنامج "مدارات" بقراءة مختارات من ديوان الشاعر عبد الرحمان حجي وكانت البداية بقصيدة كتبها الشاعر متأثرا بوفاة الملك محمد الخامس (خلدوا منقد الشعب حقا/ من براثن الظلم سحقا...). وتلتها قصيدة عن مدينة سلا وأخرى عن مدينة فاس تحت عنوان "وادي الجواهر".

 

واستمتع جمهور "مدارات" بقراءة أبيات جميلة من قصيدة في وصف الطبيعة تحت عوان "استقبال الربيع" يقول في مطلعها:

"حَيِّ الرياضَ فهذه الأشجارُ

عند الربيع تُرَى لها أسرارُ

هبَّ النسيم مبشِّرًا بقدومه

فتسَلسلتْ بهبوبِهِ الأنهار

وتناولت أغصانُها كأسَ النَّدى

لما بكت بدموعِها الأسْحار....".

 

وعلى إيقاع الشعر من منتخباته، شنف عبد الإله التهاني بمختارات من نماذج قصائد الشاعر التي تترجم مواقفه وأحاسيسه ومشاعره مثل قصيدة "بين لدعة الاشتياق" و"صرخة مهجور" التي كتبها وهو طريح الفراش بعد أن قل زواره، علاوة على قصيدة "عتاب مودة وإخاء" و"أقول الحق جهرا".

ومن أجمل المقاطع الحكيمة التي قدمها التهاني تلك التي اختار لها الشاعر عنوان "الثمانية" والتي قال فيها: (ثمانية تجري على المرء.. سرور وحزن واجتماع وفرقة وعسر ويسر ثم سقم وعافية). فضلا عن قراءة قصيدة "شكواي إلى الله من آلامي.." و"على فراش السقم" و"مركب اللهو".

 

ومن بين أجمل الأشعار التي قدمها الزميل التهاني لجمهور البرنامج تلك القصيدة المعنونة بـ "بيني وبين قومي" والتي قال فيها الشاعر:

 

"نفثةُ السحر أم زُلالُ البيانِ

أم أريج الأزهار في البستانِ

وحَبابُ الصهباء لاحتْ بكأسٍ

أم نجومٌ زُهْرٌ بدتْ للعِيان

بل قوافٍ مصوغةٌ مُحْكَماتٌ

رائعاتٌ يرُقْنَ للأذهان

تُشبه الغِيدَ منظرًا وبهاءً

وتُحاكي ملامح الغزلان

ومعانٍ تفْترُّ عن حسْنِ ذوقٍ

مثلما افترَّ مبْسمُ الأقحوان

فتَّق الله فكرتي بشعورٍ

فاض منه البيان بالغليان

فجرى عذْبًا مثلَ ماءٍ مَعينٍ

وصَفَا رقَّةً كدمْعِ الغواني

صغتُه دميةً بلفظٍ سبيكٍ

من لُـجَيْنٍ تُزري بكلِّ عَوان..."...