الثلاثاء 25 يناير 2022
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي: خطاب ثورة الملك والشعب ....المغرب قادم

عبد السلام المساوي: خطاب ثورة الملك والشعب ....المغرب قادم عبد السلام المساوي
لا يكفي أن تكون اليوم، مجرد دولة لها حدود وحكومة وجيش وادارات وشعب، بل يجب أولا، أن تكون لك مقومات هذه الدولة، تاريخيا وتنوعا ومؤسسات وتداولا ديموقراطيا للسلطة، وبناء سياسيا ومجتمعيا ودستوريا صلبا يسند ظهرك في المواجهات الكبرى، ويصد عنك الأطماع والمؤامرات ومخططات الهيمنة، التي تستعمل فيها وسائل استخباراتية قذرة.
أشر الخطاب الملكي لذكرى ثورة الملك والشعب على اكتمال عملية انبعاث المغرب كقوة ضاربة رئيسية على المستويين الاقليمي والدولي.
فالملك الذي اختار هذه المناسبة ذات الرمزية البالغة في الوجدان المغربي لمصارحة شعبه بالتحديات الداخلية والخارجية، ومن ثمة توجيه رسائل في كل الاتجاهات، كان يستلهم هذه الذكرى لأجل شحذ الهمم لثورة ملك وشعب أخرى، ثورة يكون الهدف منها هذه المرة تثبيت المغرب كرقم صعب في المعادلات الجيوستراتيجية القادمة.
كان الخطاب الملكي واضحا وصريحا وجريئا، رسالته الأساسية الموجهة الى الداخل مفادها أن المغرب مستهدف في استقراره ويتعرض لعملية عدوانية مقصودة، وأن الوضع يستدعي أولا وقبل كل شيء تعزيز الجبهة الداخلية وتقويتها، وجعل كل ما عدا ذلك وعلى رأسها التنافس الانتخابي والصراع حول الحكومة والبرلمان والجماعات مجرد وسائل فقط لبناء دولة بمؤسسات قوية، وليس غاية في حد ذاته.
فالملك يدرك بما يتوفر عليه من معطيات دقيقة، ان الوضع العربي والاقليمي والقاري المحيط بنا وضع مضطرب بشكل لم يسبق له مثيل.
ولئن كانت الاضطرابات في ما مضى محصورة في حدود دولة معينة، فانها اليوم أصبحت عابرة للحدود، فما تقع من حروب باردة واصطفافات شرسة بسبب وباء " كوفيد - 19 " وما يجري على أفغانستان وليبيا وجنوب الصحراء ، وما يمكن أن تتسبب فيه حماقات دولة جارة ، ناهيك عن المحاولات المتتالية لاستهداف المغرب بمبررات حقوق الانسان المفترى عليها أو بسبب مصالح متنافس عليها ، كلها أسباب وغيرها تفرض فرضا علينا مؤسسات وشعبا رص الصفوف ، لإغلاق أي اختراق لزرع الفوضى واللاامن في البلاد . فوجود الشقوق في الجبهة الداخلية للوطن هو الأخطر، وهو بداية الهزيمة ، فالشقوق تتسع ، بشكل طبيعي داخل الدول بسبب فشل السياسات العمومية ، فما بالك لو كانت الظروف المحيطة غير طبيعية .
على ضوء ما يتعرض له المغرب من تحولات في مواقف حلفائه الخارجيين التقليديين وحملات أعدائه الظاهرين والمتسترين، لم تعد الدعوة إلى تحصين الجبهة الداخلية ترفا نخبويا او خطابا سياسيا يردد في الانتخابات، لكسب بعض الاصوات والمقاعد، ولاستعماله كورقة للابتزاز السياسي، بل أصبح ضرورة وطنية لاسناد الموقف المغربي الرافض لكل الصفقات التي يتم عقدها لاخضاعه بالقوة لمصالح الاخرين، او التهديد بالمس باستقراره وأمنه . فالجبهة الداخلية كانت وما زالت هي الحصن الحصين لهذا البلد عبر مختلف المراحل، التي شهدتها المعركة الوطنية من أجل وحدتنا الترابية وبناء دولة المؤسسات، حيث كانت قوة البيت الداخلي هي اقوى ورقة يمتلكها المغرب في مواجهة خصومه، وبدن شك سيستمر هذا المعطى حاضرا الى اليوم، مهما تغيرت السياقات الوطنية الدولية والاقليمية الحالية. لذلك فان المهمة الأكبر للأحزاب والحكومة والبرلمان والنقابات والاعلام بشقيه العمومي والخاص، هي تعزيز الجدار الوطني كل من موقعه، فالجبهة الداخلية القوية هي أفضل سلاح دفاعي ضد الأخطار الخارجية ....
ان خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب لهذه السنة، خطاب مؤسس منتزع للموقع المغربي في المضمار الجهوي والدولي .، خطاب يعيد المغرب لما هو منذور له : الريادة ولاشيء غير الريادة . فالمغرب كان في فترات طويلة من تاريخه جزءا من النظام العالمي، حيث كان ملوكه وامبراطورياته يجسدون لقرون محور الغرب الاسلامي، وكانوا يعتبرون قيادة روحية لافريقيا . وكل ما يحاك حولنا الان هو لاضعاف ثقتنا بأنفسنا وحصرنا في الزاوية الضيقة، لكن المغرب كما نفهم من خطاب جلالة الملك قادم، بل هو حاضر من خلال قوته الناعمة متعددة الأشكال، التي لا تقاوم في افريقيا أحب من أحب ذلك وكرهه من كرهه، لسبب بسيط هو ان التاريخ يعيد نفسه وأن افريقيا هي من تريد ذلك.
غدا ستبزغ شمس الحقيقة، وستشرق بأنوارها على الفضاء المغاربي، انها حتمية التاريخ التي لا يمكن الفرار منها.