السبت 25 مايو 2024
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي:التنمية قضية وطنية وليست نخبوية

 
 
عبد القادر زاوي:التنمية قضية وطنية وليست نخبوية

كان جلالة الملك صريحا حين أشار في خطاب افتتاح الدورة التشريعية في أكتوبر 2017 إلى أن "النموذج الوطني التنموي أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية".

ولم يقف الخطاب الملكي عند التشخيص والنقد، وإنما أعرب عن الرغبة "في معالجة الأوضاع، وتصحيح الأخطاء وتقويم الاختلالات"، داعيا إلى إعادة النظر في النموذج التنموي وبلورة رؤية مندمجة لنموذج جديد انطلاقا من مقاربة تشاركية تساهم فيها "كل الكفاءات الوطنية والفعاليات الجادة وجميع القوى الحية للأمة" بحثا عن "اعتماد حلول مبتكرة وشجاعة حتى وإن اقتضى الأمر الخروج على الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي".

وعلى عكس العمق الذي ميز الدعوة الملكية التي تحمل نوعا من المرارة من عدم استفادة كل المغاربة من ثمارالنمو والجهود التي بذلت في السابق، جاءت ردود فعل الجهات والمؤسسات المعنية مباشرة بالتقريع الملكي سطحية وترقيعية إن لم تكن ذات طبيعة متملقة وانتهازية، كما يتضح من إسراع الحكومة بمعالجة بعض الاختلالات التي تحدثت عنها مذكرة المجلس الأعلى للحسابات بخصوص التقرير المتعلق ببرنامج "منارة الحسيمة".

لم تكلف الحكومة ولا البرلمان بغرفتيه، نفسهما عناء البحث عن الأسباب الحقيقية لإخفاق النموذج التنموي المتبع، ولم يبديا أي استعداد لفتح نقاش وطني واسع عن العوامل المسؤولة عن تعثر العديد من المشاريع الكبرى المتبناة في سياق النموذج التنموي، وكأنهما غير معنيتين بما أراده جلالة الملك من "وقفة وطنية جماعية قصد الانكباب على القضايا والمشاكل التي تشغل المغاربة".

ولم يكن مثل هذا الموقف مستغربا من مؤسسات ذات تركيبة هجينة ومنبثقة عن استحقاقات انتخابية كانت نسب المشاركة فيها متدنية للغاية. إن مسؤولية هذه المؤسسات في الإخفاق جلية، يكفي أنها كانت على بينة من إرهاصات هذا الإخفاق، ولم تحرك أي ساكن، اللهم اللجوء لبعض المسكنات حين وجدت نفسها محاصرة، وفي قفص الاتهام بالتقاعس.

ألم يدق جلالة الملك جرس الإنذار حين تساءل سنة 2014 أين الثروة ؟ ألم يحذر العديد من المراقبين المغاربة والكثير من التقارير الدولية من خطورة تدهور الأوضاع بالإشارة إلى تصنيف البلاد في مراتب متأخرة على صعيد التنمية البشرية رغم وجود مبادرة وطنية في هذا الصدد يفترض أنها صيغت على هدي الألفية الثالثة للأمم المتحدة، ورصدت كافة الإمكانيات وراكمت طوال عقد من الزمن العديد من تجارب النجاح والإخفاقات؟

كانت أجراس الإنذار تلك كافية للدفع في اتجاه الانكباب على تصحيح النموذج التنموي وإعادة ترتيب الأولويات، خصوصا مع بروز مؤشراتاقتصادية ومالية صرفة أبرزها :

/ محدودية الرهان على العقار والقطاع السياحي ليكون قاطرة للتنمية الموعودة، التي كشفتها تداعيات الفقاعة العقارية التي هزت العالم سنة 2008 وطالت مشاريع ضخمة بالمغرب كانت مبرمجة في نطاق المخطط الأزرق مثلما حصل مع إفلاس شركة فاديسا وانسحابها من مشروع ميديترانيا السعيدية، الذي يواجه مصيرا مجهولا، ناهيك عن التعثرات التي تعيشها المدن الجديدة كتامسنا وتامنصورت.

/ صعوبة الاعتماد على الاقتراض من الخارج لتمويل مشاريع بنية تحتية نظرا لارتفاع كلفة الفوائد، وغياب الكفاءة في التفاوض سيما مع مؤسسات كان بالإمكان من خلال تحركات ومواقف سياسية تخفيض بعض ديونهاأو تحويلها إلى استثمارات داخلية أو حتى إلغائها.

/ تضخم خطورة الاعتماد على الريع في توزيع الثروة بين فئة محدودة من أصحاب الشركات الكبرى والوحدات الاستثمارية الضخمة، التي تغولت سياسيا أيضا لتستفيد وحدها من القروض البنكية بأساليب ميسرة ليست متاحة لغيرها ولا سيما للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي وجدت نفسها أمام شروط تعجيزية انتهت بالكثير منها إلى حالة الإفلاس، التي قدر عددها في التسعة أشهر الأولى من هذه السنة بأزيد من 5000 حالة.

وبدلا من أن تشمر المؤسسات الدستورية التي أشار إليها الخطاب الملكي بالاسم عن سواعد الجد للتعامل مع الوقائع كما هي وتصحيح الاختلالات التي تحدث عنها الجميع، فضلت الهروب إلى الأمام باللجوء إلى المزيد من المسكنات ذات الطبيعة الاجتماعية التي سرعان ما تبين ضعفها وهشاشة الدعائم التي تقف عليها مثل نظام راميد الصحي.

أكثر من ذلك ظلت هذه المؤسسات وفية لوصفات المؤسسات المالية الدولية التي عادت مجددا إلى فرض برامج التقويم الهيكلي تماما كما حصل منذ سنة 1983 غير عابئة سوى بالبحث عن إحداث التوازن المالي في ميزانية الدولةدون الاهتمام بآثاره الوخيمة على معظم شرائح المجتمع، وهي الآثار التي تقف وراء تزايد الاحتجاجات الاجتماعية المطلبية واحتدام حدة البعض منها كما هو الشأن بالنسبة لحراك الريف، وانتفاضة العطش في زاكورة.

لقد بدا واضحا أن هذه المؤسسات المذكورة، وخاصة الحكومة السابقة والحالية أيضا افتقدت وتفتقد الحد الأدنى من الشجاعة، وذلك عندما تراجعت عن فرض ضريبة الثروة التي كانت هي من بشر بتطبيقها ؛ الأمر الذي جعلها تبدو مجرد استمرار لتوجهات المؤسسات التي سبقتها، المرتكزة على تكريس أهم خاصيتين مرضيتين للاقتصاد المغربي، وهما :

*طغيان الطابع الريعي، الذي يسود في المغرب بأقبح أنواعه وهو الريع السياسي المرتبط بشراء الذمم.

*غياب أي نوع من العدالة وتكافئ الفرص في الوصول إلى الثروة بين النخب السياسية والاقتصادية القليلة العدد، وباقي شرائح الشعب المغربي.

إن الدعوة الملكية واضحة في تركيزها على بلورة مفهوم تنموي جديد على أساس الفعالية والإنصاف وإشراك كافة الفعاليات الحية. كل هذا يعني ضرورة الابتعاد عن المقاربات الترقيعية، انسجاما مع توجيهات ملكية سابقة طالبت بعدم الاعتداد بالأرقام التي ثبت أنه يجري التلاعب بها وتضخيمها في كثير من الأحيان، والتركيز بالمقابل على انعكاسات المشاريع على أرض الواقع، وفي مستوى معيشة المواطن.

والواضح أن المجلس الأعلى للحسابات في مذكرته عن اختلالات برنامج "منارة المتوسط" أشار بجلاء إلى الخلل الكبير الذي تعاني منه كل المخططات ذات الطابع الاقتصادي في البلاد، وذلك حين أشار إلى أن إعداد برنامج هذه المنارة "لم ينبثق عن رؤية استراتيجية مندمجة تتقاسمها جميع الأطراف، إذ تبين أن إعداد المشاريع المكونة لهذا البرنامج لم يتم بالدقة المطلوبة".

هكذا لم يعد هنالك أدنى شك بأن أهم أسباب إخفاق النموذج التنموي تكمن في غياب رؤية استراتيجية مندمجة تحكمها ضوابط تتقيد بها جميع المؤسسات وتعمل على هديها بأسلوب تكاملي وليس كجزر معزولة تحتمي وراء مع تعتقده سيادتها الخاصة. إن أسلوب الجزر المعزولة والاختباء وراء كلمات فضفاضة من قبيل "تنفيذ تعليمات جهات عليا" ثبت أنه غير ناجع على الإطلاق. لقد غمز تقرير المجلس الأعلى للحسابات في آخر فقراته من نافذة التكامل المطلوب حين اقترح "الاستناد على منجزات برنامج منارة المتوسط من اجل بلورة برنامج مندمج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة". إنه يريد أن يقول بأن التنمية قضية وطنية ولا يجب أن تكون نخبوية.