الخميس 2 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

نورالدين السعيدي حيو: هكذا تحدث محمد سبيلا عن العقلانية في فكر العروي والجابري(1)

نورالدين السعيدي حيو: هكذا تحدث محمد سبيلا عن العقلانية في فكر العروي والجابري(1) نورالدين السعيدي حيو

في ندوة تحت عنوان "الحداثة دلالة ومشروع" شارك المرحوم المفكر المغربي محمد سبيلا بمداخلة رزينة وغنية فكريا بعنوان "مفهوم الحداثة والتحديث في الفكر المغربي المعاصر" ، وذلك يوم 27 أكتوبر 2013، وبعودة المتكررة لسماعه قررت بمناسبة رحيله أن أوثق مضامينها وفاءا له ولمن أفل من نجوم التنوير المغربي، بعنوان مستوحى من مكانة القامات الفكرية المغربية عند فقيدنا، وهو ما سأقوم بنشره في حلقتين سأخصص لكل حلقة، قامة من القامتين الفكريتين، وكيف عالج المرحوم ما تبلور لديه من معرفة، بعد سبر غور فكرهما بحثا عن منطق العقلانية في كتابتهما عبر زمن ليس باليسير وعن قرب في الغالب، حتى أصبح المرحوم سبيلا ثالث الثلاثة إذا ما تحدث متحدث عن الحداثة والتحديث وما بعدها في الفكر المغربي المعاصر.
لقد افتتح الفقيد مداخلته، بالانتقال من مشروع المفكر الراحل محمد عابد الجابري، والمفكر عبد الله العروي، مركزا في حديثه عن الحداثة في كتاباتهما، على اعتبار أن الجابري زاوج بين التراث والحداثة عبر رصده لإشكالية التراث في كتاب "نحن والتراث" و "نحن والحداثة" ، معتبرا إياه باحثا في كيفية تشكيل التراث انطلاقا من بنية العقل، والمنهجية الكانطية، في انفصال واتصال مع هذا الموروث، وفي طرحه لإشكالية الحداثة والتقليد، رصد الأستاذ محمد سبيلا مجموعة من الأسئلة : هل يجب تغييب التراث وتبني الحداثة؟ أم التوجه المباشر لها والقطع إيبيستيمولوجيا مع كل ماله علاقة بالتراث؟
فإذا اعتبر العروي التراث تراكما تاريخيا وجب التخلي عنه، فالدكتور سبيلا أكد على أن التراث، ليس قميصا يمكن استبداله متى نشاء، بل هو تصور ومعاني للحياة. فالحداثة، على حد قوله، ليست نزوعات فردية، أو رفاهية الاختيار ( LUXE DE CHOIX)، وإنما اختيارات مجتمعية وتفكير في مجتمع، لا ينتهي حديثه بالإشكال الآتي : هل يتم التفكير في الحداثة بالقطيعة أم بالاستمرارية؟ يبقى هذا السؤال من أهم إشكالات الحداثة في مجتمعنا الآن، ومن خلال الجواب عليه كانت مداخلة سبيلا سبرا لغور العقلانية في فكر الرجلين.
ما يجمع الرجلين وما يفرق بينهما في اعتماد العقلانية دفاعا عن الحداثة والتحديث:
الحداثة والتحديث سواء في وجهها الفلسفي النموذجي أو وجهها السوسيولوجي والسياسي هي مسألة كانت، وأصبحت محل اهتمام سواء من طرف النخبة الثقافية أو السياسية، المعرفية سواء الفكرية، الثقافية أو السياسية منذ هزيمة معركة "إيسلي" سنة 1844م منذ اصطدام المغرب مع المستعمر، أو الصدمة الاستعمارية ..، نجد أن هناك سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر أي بشكل غير واعي، أن هناك تساؤل عن الواقع والمصير اتجاه هذه القوى الغربية أو الأوروبية الجديدة التي هزمت الجيش المغربي والتي استعمرت المغرب فيما بعد، أو مسألة احتلال او الإقامة أو أي ما يسميها.. سواء لدى السياسيين او المثقفين، فعندما يتحدث صاحب "الجيش العرمرم" عن تنظيم الجيش للإجابة عن سؤال، ما هو سبب تأخر الجيش المغربي؟ وكيف يمكن أن نستدركه؟، وما هي أسباب النجاح واكتساب القوة؟ وما إلى ذلك من تساؤلات عند السليماني أو عند غيره..
لكن بشكل ضمني أو لا وعي ربما، أو غير واضح ربما هناك تفكير في مسألة التحديث والحداثة، ولكن هذه المسألة تبلورت بشكل اكبر فكريا وأيضا سياسيا سواء على مستوى الاختيارات الأيديولوجية أو السياسية بعد الاستقلال عبر انشقاق في حزب الاستقلال، ويمكن أن نتحدث حتى عن الحداثة والتحديث عند علال الفاسي إلى حد ما، فهناك محاولة للإجابة حول هذا المأزق التاريخي حسب قول سبيلا.
إذن، تبلورت فكرة الحداثة والتحديث بشكل واضح بعد الاستقلال عند مفكرين كبيرين، يقول سبيلا، سأقتصر في الحديث على مدرستين أو اتجاهين، مدرسة العروي، إن جاز لنا أن نقول مدرسة، ومدرسة الجابري.
فاختياري واضح، هو عرض عن الحداثيين LES MODIRNISTES أي الاتجاهات الحداثية الأولى أو LES MODIRNISMES أي المدافعة عن الحداثة، وليس عن الاتجاهات المناهضة أو المعارضة للحداثة، سواء صراحة أو ضمنا، أي بشكل غير مباشر، ولو تعلق الأمر باسم الدفاع عن الحداثة الحقة، فاختياري _يقول سبيلا_ في هذا الموضوع محصور في عرض نظرتين أو رؤيتين حداثيتين إلى حد ما، رغم الاختلافات الطفيفة بينهما، ولكنهما يلتزمان بالحداثة وبالدفاع عن الحداثة.
صفوة ما قاله سبيلا عن عقلانية المفكر عبد الله العروي:
يفتتح الحديث عن العروي، بالقول:( أن جل كتاباته، وربما الفكرة المحورية في تفكيره هي مسألة الحداثة والتحديث)، وقد اعترف هو نفسه بذلك في أكثر من مرة، حيث يقول:( أن ما أكتب إلى الآن يمثل فصولا_ سواء اعتبرناها فصولا زمنية أو مكانية_ من مؤلف واحد حول مفهوم الحداثة). غير أننا نجد فكرة الحداثة إلى حد ما موزعة ومشتتة عنده في العديد من أعماله. لذا أقسم الحديث عن مفهوم الحداثة والتحديث عند العروي، إلى: ( سمات الحداثة وديناميتها و كيانها ومستوياتها وفوائدها، والعلاقة بين الحداثة والتقليد، وما بعد الحداثة، وما إلى ذلك).
يشير سبيلا إلى كون العروي، عندما يعالج مفهوم الحداثة والتحديث، إنما يعالجه كمعالجته لكل الموضوعات من منطلق المؤرخ الذي يحرص على أن يؤكد هذه الصفة بكل مستلزماتها (الإيبيستيمولوحية، والمنهجية، والفكرية) ، وحرصه الدائم على هذه الصفة، لذلك يتحدث عن الحداثة كواقعة تاريخية، حدثت في منطقة معينة من العالم، وبدأت تنتشر، يقول ( ولا راد لحدوثها ) التي انطلقت زمنيا ابتداء من القرن 17 م وطبعا في منطقة محددة، فيربط العروي الحداثة بمجموعة من ثورات حديثة في هذه المنطقة " ثورة اقتصادية "، و" ثورة ثقافية " تمثلت في:( إحياء التراث اليوناني القديم، وخاصة في مجالين الفلسفة والقانون)، و" ثورة علمية منهجية " قوامها:( الملاحظة، والتجربة، والاستنباط، وغيرها من مقومات المنهج العلمي)، و" ثورة دينية " قوامها:( الإصلاح الديني الذي نزع للكنيسة دورها المتفرد، واستئثارها بتأويل معنى المقدس)، و" ثورة فكرية " لاحقة في مجال الإنسانيات والفلسفة، قوامها:( تمجيد" العقل" والدعوة إلى الاستخدام الأقصى للعقل، وهي بالنسبة له الحرص على استعمال كلمة " ثورة "، أي تحولات نوعية حدثت في واقع تاريخي معين)، ويقول أيضا:( إن هذه الثورات متلاحقة ومتداخلة، وهي تشكل أساس كل التحولات التي عرفتها أوروبا، والتي يطلق عليها لفظ الحداثة)، وهذه التجربة التاريخية امتدت تدريجيا في عموم أوروبا نفسها ثم الغرب بصفة عامة، ثم امتدت عبر العالم، عبر وسائل ووسائط مختلفة من بينها الرحلات الاستكشافية والتبشيرية، وعبر الاستعمار، وعبر التقنية، وعبر عدد من الوسائط التي انتشرت عبرها الحداثة.
اذن يتحدث العروي عن الحداثة كفترة تاريخية سماتها الأساسية " الجدة "، أي الجدة النوعية وليست جدة كمية. لذلك يلح على مسألة القطعية والانفصال مع العصور الوسطى ورؤيتها، سواء على مستوى البنيات أو على مستوى الفكر والتصورات الفكرية، فالحداثة إذن ثورة "جد"، قطعية، وانفصال بالنسبة للعروي، وهذا الانفصال أو الجدية تظهر على مستوى البنية الفكرية، أي حداثة مستقلة، ومنفصلة عن الفكر التقليدي، قوامها فكرة الحرية، وللاستعمال الأقصى للعقل النقدي في جانبه التحليلي والتشخيصي ومن حيث هو قوة نقدية والارتباط بالطبيعة أو الاهتمام بالطبيعة، لا يهدف بتمجيدها و تبجيلها، بل يهدف للكشف عن قوانينها و أسرارها. وكذا إعطاءها هذه البنية الثقافية مكانة متميز للفرد، ككائن مستقل نسبيا عن الجماعة، إن الحداثة تتمثل من بين الاستقلالية النسبية للفرد عن تأثير الجماعة وعن تأثير الماضي وعن التراث، هذا يعني أن الفرد كائن متميز ومستقل نسبيا مع ما يترتب بالنسبة للفرد في إطار دولة حديثة، والعروي يولي مسألة " الدولة " أهمية كبرى، فالحداثة والتحديث تحدت لا في إطار منظمات وربما مؤسسات وعلى رأسها الدولة في ارتباط من حيث إبراز الدور التنظيمي و الريادي للدولة. والدولة في ارتباط مع- هناك التباس في اللغة العربية من حيث مفهوم الدولة فالمقصود بها جهاز وليس " الدولة الأمة "، فهناك التباس بين الدولة كجهاز والدولة كأمة، فالحديث عن نظام الحكم أو جهاز الدولة كجهاز سياسي- " الدولة الأمة الحديثة " ، التي تنظم كل ما هو اجتماعي وتوجهه، ولكنها مرتبطة بنشأة نظام سياسي عقلاني لتدبير الشأن العام استنادا على نوع جديد من المشروعية سيترسخ تدريجيا، والمشروعية الأرضية أو التمثيلية، ليست المشروعية السماوية.
وخلال تفعيل العروي للمقومات الفكرية للحداثة يحرص على ربطها بالعقلانية و الليبرالية، ويركز على مسألة الليبرالية على اعتبار نظام، لا فقط الجانب الاقتصادي، ولكن أيضا السياسي والثقافي، وهنا العروي على عكس ما ينسب له من اشتراكية وماركسية، هو في عمقه ليبيرالي ومؤمن بالليبيرالية، لكن في مدلولها الفكري الثقافي الفلسفي أساسا، بحيث يعتبر الليبرالية جوهر الحداثة والمرور إلى الحداثة يتطلب المرور من الليبرالية.
إذن، يربط الحداثة بمجموعة من البنيات الفكرية (العقلانية، الليبيرالية، النفعية، والبرغماتية، إلى غير ذلك)، وطبعا في المنظور الأساسي، الذي هو بمثابة روح العروي يربط كل شيء بالتاريخانية أي التاريخ الحي، اي التاريخ الملموس بفعل الإنسان والمحددات التاريخية التي يبدوا أنها نوع من الحتمية الطبيعية.
العروي يوجز هذه الأشياء كلها في قولة موجزة أو ملخصة، فيقول:(تنطلق الحداثة من الطبيعة معتمدة على العقل لصالح الفرد لتصل إلى السعادة- ربما يقصد بها حسن العيش أو نوع من الحياة الاجتماعية أو الإنسانية الميسرة أكثر من السعادة، بمعنى آخر- عن طريق الحرية)،
فهذا التعريف مأخوذ من كتاب " العرب والفكر التاريخي "، إذن (الطبيعة، العقل، الفرح، السعادة، والحرية) هي إذا Idialtip (التلميح) الذي يعتمده العروي لتصوير الحداثة، لكنه يتحدث أيضا في مواقع أخرى عن مجموعة من السيرورات( les processus ) :
-فالسمة الأولى، للحداثة أنها حركة: وهذا نموذج مثالي مجرد في التحديث، أي وجه آخر في التحديث هو كحركة كاسحة، ويستعمل كلمة كاسحة، ولهذا المصطلح المتعدد الدلالات، مرتبطة بالقطيعة، مرتبطة بكنس الماضي، حركة ماسحة أي حركة دينامية ذات قدرة قوية على الانتشار أفقيا وعموديا داخل المجتمع الواحد. الحداثة في تصوره دينامية شاملة تطال كل قطاعات المجتمع من الإدارة إلى الأسرة إلى المدرسة إلى المعمل... وهنا إلى حد ما هو يبدو أنه يستلهم أو يستبشر تحليلات ماكس فيبر.
-السمة الثانية، أن الحداثة هي حركة متواصلة زمنيا: بمعنى أن ديناميتها التاريخية لا يمكن إيقافها، فهي سيرورة لا متناهية من حيث أن المجتمعات الحداثية لا تتوقف عن الحداثة، ليست هناك لحظة نهاية للحداثة، فالدليل على ذلك، هو أن المجتمعات التي نعتبرها نموذجا للحداثة تعرف تحديث الإدارة، تحديث الجيش، وتحديث الاتصال،.. مثل فرنسا مثلا، فالحداثة حركة زمنية لا نهاية لها، هي سيرورة وصيرورة غير ناجزة وغير نهائية، ولا تتوقف ولا ترتد.
-السمة الثالثة، أنها هذه السيرورة المكانية والزمانية: هذه العاصفة التاريخية إلى حد ما لديها قدرة على الانتشار، كقوة تتميز بالقدر على الانتشار في كل الفضاءات الجغرافية والثقافية في العالم كله، وهذه الحداثة لها من القدرة والقوة، بحيث تكتسح كل العوائق والمعوقات وكل المقومات. يقول العروي حرفيا:( الحداثة موجة عارمة، العوم ضدها مخاطرة - يعتبر أن من يقف ضد هذه الحركة فهو يخاطر، وتقريبا لا أمل له في النجاح/النجاة- ليس لنا أمام هذه القوة الكونية الكاسحة إلا اختيارين اثنين، إما أن ندفن رؤوسنا في الرمال وننزوي حتى تمر الموجة فوق رؤوسنا، وفي هذه الحالة نصبح أقرب ما نكون إلى حثالة التاريخ، وإما أن نعوم معها ونلقي بأنفسنا فيها بكل ما نملك من قوة فنكون بذلك من القوم الناجي-إشارة للفرقة الناحية- ولو في أية مرتبة أو أي رتبة من الرتب).
-السمة الرابعة، الحداثة تجديد نوعي: فهي مجموعة انفصالات أو مجموعة حركات انفصالات على كل المستويات، انفصال على مستوى الفكر بين العقل الحديث والعقل القديم، انفصال على مستوى السياسة، أي من الشرعية التقليدية القائمة على الولاء وسلطة الأجداد إلى الشرعية الحديثة - عبادة الأجداد استلهاما لنص ماركسي شهير- القائمة على التمثيلية والانتخاب والنظام الديمقراطي، وانفصال على مستوى الفرد، من الفرد المندمج كليا في الجماعة إلى الفرد كوعي وكسلوك مستقل يبحث عن استقلالية نسبية وعن حرية نسبية سواء في آرائه أو مواقفه او اختيارات.
-السمة الخامسة، الحداثة هي سيرورة عقلنة شاملة: - هنا تأثير فيبيري واضح- عقلنة بمعنى محدد العقلنة، بمعنى التنظيم و الحوسبة، وبمعاني سوسيولوجية وليس بالمعاني الفلسفية، هي عقلنة شاملة على كل المستويات، عقلنة سلوك الأفراد في المدرسة وفي العمل وفي الوظيفة وفي المتجر، وفي غير ذلك، وتوزيع الزمان، إضافة إلى العقلنة أي التنظيم في مجال الثقافة والفكر.
العقلنة إذن، هنا ترادف التنظيم الحسابي لعلاقة الغايات بالوسائل، كما نجد ذلك في التصور الفيبيري، وهي تعني التأطير والضبط العقلاني لسلوك الأفراد وتنظيم المؤسسات والمهن والقطاعات الاجتماعية و الإنتاجية و التدبيرية، ولا داعي إذا لتكرار الحديث على الحاحه على دور الدولة، في عملية العقلنة، بمعنى إلحاحه على دور الدولة ودور النخب. إن الحداثة على الرغم من كل مظاهر الضرورة فهي ليست تلقائية مائة في المائة، فبمعنى ان هناك - وهذا هو ما يسمى النزعة التاريخانية عند العروي، ما هو الجديد فيها؟ هو أنه ليست نظرة تاريخانية هي نظرة الضرورة، أقرب ما تكون إلى ضرورة الطبيعة، وكأن الضرورة التاريخية فيها حتميات، وموجهات حتمية داخلية، ولكن يفسح المجال لدور الأفراد، ولدور النخب سواء النخب السياسية أو الثقافية، فهو تقريبا العنصر الخاص - طبعا هناك اتجاهات في مسألة التاريخانية في الفكر الغربي الحديث أغلبها يؤيدها - هناك اتجاهات هو يسير في سياق ها، وهي دور النخبة ودور الدولة.
يركز العروي، في مسألة العقلنة بجانب كل هذه الأشياء على العقلنة في مجال الثقافة والفكر، ويقول أن:( العقلنة في المجال- ما يسميه ماركس البنية الفوقية، المجال الثقافي-تعني الانتقال من منطق الفكر إلى منطق الفعل، ومن منطق الاعتقاد إلى منطق الفعل، ومن عقل النص إلى عقل الحس، ومن منطق الاسم إلى منطق الفعل، ومن عقل مطلق إلى عقل الوقائع). طبعا، هنا يبدو العروي يفسر شيئا ما " مفهوم العقلنة" وربما يلطفه وربما يتيح له الحديث عن بعض مظاهر العقل التقليدي، وهنا لا داعي للدخول في بعض الجديدات التي قدمها في كتابه"السنة والإصلاح" فيما يخص هذا الجانب الثقافي في الرقعة العربية الإسلامية.
لكن بالإضافة إلى هذه السمات التي تحدث عنها، هناك حديثه عن الحداثة والتحديث مشتت في كل كتاباته، ففي مقالات أخرى يتحدث عن معالم أخرى، مثلا هناك دراسة جيدة بعنوان " تحديث المغرب : الكلمات والشيء"، لم يدرجها ضمن مؤلفاته، وهي ربما محاضرة ألقاها في باريس أو مدريد، يعني في الخارج، باللغة الفرنسية، يضيف عناصر أخرى، يقول عن العنصر الأول:( إن التحديث يرتبط بالتحكم في وثيرة النمو السكاني وتطوير وتنويع الاقتصاد والتزايد المستمر للاستهلاك إلى غير ذلك..).
العنصر الثاني، الذي يتحدث عنه هو، " عوائق التحديث "، ففي محاضرة له، منذ سنوات، وهي محاضرة جميلة، وكانت ممتعة وموحية، يتحدث لأول مرة عن عوائق التحديث (Les obstacles des modernisations)، يعتبر العروي أن أكبر عوائق للتحديث هو الاختيار التقليدي، الوعي بذاته وبأهدافه، وكذلك يقصد مقاومة الحداثة ومناهضتها. الواعي بذاته وبأهدافه، كذاك الذي ينكر الحداثة ويستنكرها، ويدينها ويعتبرها نشازا ومروقا وجهالة يتوجب على روادها إعلان التوبة والعودة إلى الجادة، أو الصراط المستقيم.
هذا العائق هو أقوى وأعتى العوائق بالنسبة للعروي، لأنه متولد عن إعادة إنتاج الثقافة التقليدية لذاتها باستمرار وبشكل متواصل، بعيدا عن أية مراجعة أو نقذ ذاتي، وبعيدا عن أي مجهود لاستيعاب مضمونها، ويعتبر أن للحداثة القدرة وإلدينا مية الخاصة التي تمكنها من الرد على رواد هذه الاتجاهات؛
المستوى الثاني من العوائق، هي العوائق المرتبطة بالثقافة السياسية التقليدية القائمة على الولاء والطاعة لأولي الأمر باعتباره ظل الله في الأرض، والمؤسسات المجدة لهذه التصورات؛
الصنف الثالث من المعوقات الاجتماعية، المؤسسة التقليدية التي تكبل الفرد وتحول بينه وبين التحرر من أسر البنيات التقليدية، كالعشيرة والقبيلة والأسرة التقليدية والشرف، وغير ذلك..؛
مستوى آخر من العوائق، يطلح عليه بالعوائق الفكرية أو الإيبيستيمولوجية، أو المنهجية، وغيرها من المصطلحات..
هذه العوائق تتمثل في رفض العلم ومنطق البحث العلمي، ومناهجه القائمة على الملاحظة والتجربة والفرضيات و التكميم، وغيرها المعروفة في البحث العلمي، وذلك مقابل اللجوء إلى التأويلات والاستلهامات الغريبة في كافة المجالات الاجتماعية، فيقول:( هذه العوائق ليست سهلة، فهي عوائق بمعنى مجسدة، إما مجسدة، بمعنى أنها تكون تترصد الأفراد - مع سبق الإصرار، فهي مقاومات ذات قوة موضوعية أو فعلية- إما على شكل مؤسسة من المؤسسات التقليدية، أو عادة من العادات التقليدية أو رأي شائع أو نكتة أو حكمة أو مثل، ويطال كل مجالات الحياة الاجتماعية، في الاقتصاد في السياسة في الإدارة في العقيدة في الجماعة، في المهنة او الحرفة او الوظيفة، في الحزب في المدرسة في المكتب في المتجر، وبعدد من المجالات التي تزدهر فيها أو التي تختزل أشكال من العوائق والمقاومات.
العروي يود أن يقول من خلال ذلك، أن الانخراط في الحداثة ليس اندماجا أوتوماتيكيا كاملا فيها بل الأمر معرض لصراع قوي بين قوى ومؤسسات وقيم تقليدية، وقوى ومؤسسات وقيم الحداثة، وما التركيز على دور الموقف من الحداثة وما بعد الحداثة يعتبره الذين ينادون بما وراء الحداثة من الأدباء والحركة الأدبية والفلسفة، لا يعرفون بأن ذلك نوع من الردة والهدم لمنجزات الحداثة.
يختم الفقيد محمد سبيلا بالقول- في حق العروي وعلاقته بالحداثة والتحديث والعقلانية- بما يسميه شخصيا Manifisto (البيان)، العروي، بجملة قوية، تبين أن العروي مؤمن - على الرغم من التناقض في المصطلحات- بالحداثة حتى النخاع، يقول في نص من كتابه " الإيديولوجيا العربية المعاصرة" :( لنودع المطلقات جميعا، لنكف عن الاعتقاد أن النموذج الإنساني وراءنا لا أمامنا، وأن التقدم كل ما تقدم إنما الحاضر والمستقبل، هو في جوهره تجسيد لأشباح الماضي، وإن العلم تأويل لأقوال العارفين، وأن العمل الإنساني يعيد ما كان، ولا يبدع ما لم يكن، سيرورة الواقع الاجتماعي، نسبية الحقيقة المجردة، إبداع التاريخ، جدلية السياسة)، تلك هي بالنسبة للعروي أهم معالم الفكر العصري، وقوام المجتمع العصري.