الثلاثاء 27 يوليو 2021
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة: هل أخفق الفكر العربي في مواجهة التخلف

عبد اللطيف برادة: هل أخفق الفكر العربي في مواجهة التخلف عبد اللطيف برادة
استلقيت على الكرسي في احدى زوايا المقهى في المكان الذي اعتدت الجلوس فيه من حين لأخر ودلك سعيا مني أن لا يظل رفيقي بحثا عني في أماكن أخرى غير مكاني وهكذا كان وأول ما جلست فادا به يقبل على وعلى ملامحه ارتسمت ابتسامة عريضة وكأنه يضمر بداخله فكرة يريد ان يقحمني بها.
ابتسمت له بدوري وسحبت من الطاولة بعض من اغراضي حتى افرغ المساحة له فجلس ثم رفع رأسه باتجاه التلفاز حيث كان المذيع يلقي نشرة الأخبار وكلها كالمعتاد كانت تغطي أحداث العالم العربي المتآكل بالحروب.
فظل رفيقي يتابع هكذا الأخبار وعينه مسمرة على التلفاز ثم التفت بعدها الى بعد فثرة مصرحا لي بنبرة مرتفعة ـنه يا اخي مئال الشعوب المتخلفة أليس كذالك.
- بالطبع نعم انها الحقيقة وإن كانت مرة فالعرب يعيشون اليوم حالة واضحة من التخلف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وقد تختلف الآراء حول أسباب هذا التخلف كل حسب رأيه والزاوية التي ينظر منها أو يعالج بها الظاهرة.
- أسمح لي أدن أن أطرح عليك السؤال الذي طالما حيرني هل العرب مسئولون عن تخلفهم أم أن أعداءهم في اسرائيل وأمريكا أوروبا وغيرها من مناطق العالم هم الدين يتحملون مسؤولية مشاكل التخلف العربي؟
- ففي الحقيقة أن تأملنا جليا القضية حاملين اياها محمل الجد فقد تكون هناك فعلا بعض الأسباب الدولية الخارجية التي ساعدت وتساعد على تعميق مشكلة التخلف في العالم ألعربي ولكن حتى لو أردنا تحميل مسؤولية تخلفنا العربي للقوى الخارجية وفي مقدمتها الامبريالية الامريكية الجديدة فإن هذه القوى لم تكن لتتمكن من تحقيق أهدافها لولا وجود أسباب وعناصر عربية تساعد على مأسسة التخلف وعلى توثيق اوتاده في الارض العربية. فكثيرة هي مشاكل العرب لكن للأسف لا نعثر لديهم على بوادر حقيقية مفعمة بالعلم وعمل جاد وممنهج الذي يهدف فعلا للقضاء على تلك المشاكل بطرق مبنية على استراتيجية متينة مدروسة لتجنب مسبقا العراقيل وتصحيح المسار حيثما ومتى تطلب الأمر دلك فمنذ عشرات السنين والعرب يتحدثون مثلا عن إصلاح مناهج تعليمهم وتطوير اريافهم وتحسين خدماتهم الصحية والبلدية والقضاء على فسادهم السياسي والإداري والمالي والعسكري والقضائي وعن تطوير وضع المرأة ألعربية ويدعون الى تقوية تضامنهم وتعاونهم الاقتصادي والسياسي والعسكري والأمني والإعلامي على صعيد عربي وصعيد إسلامي ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق أي انجاز يستحق التنويه في هذه المجالات وغيرها.
- نعم انا معك فهناك الكثير من اللغو والقليل من التنفيذ.
- وحجتي في ذلك أن العرب بالرغم من أنهم يعرفون جيدا نوعية وطبيعة مشاكل التخلف التي تواجههم فحتى وإن حاولوا لفك عقدها قد يعالجونها بعقلية متحجرة وعوضا عن الإعتراف أسباب فشلهم في معالجة هذه المشاكل فإن الكثيرين منهم يكتفون بالتخلص من اوزار مسؤوليتهم الواضحة باعتقادهم ان الآخرين هم دوما المسئولون عن مشكلة التخلف في العالم العربي.
- لكن أليس هناك من يختلف عنهم ضمن العرب في هذا الرأي.
- وحتى وإن كان هناك شريحة من المجتمع ممن ينتمون إلى الطبقة المثقفة المنفتحة على الغرب يتقبلون بأن أسباب التخلف العربي محلية وذاتية لكنهم سيرجعونها في هذا الحال بالأساس حسب رأيهم إلى مرجعية عقائدية دينية بحثه لا غير وهي تدعي تبعا أن سبب تخلف المسلمين هو تمسكهم بدينهم وحجتهم في ذلك أن الغرب لما تخلوا عن جميع الديانات وتحرروا منها، وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم الحضاري
- فهل أنت تعارض مثل هذا الكلام.
- بالطبع اعارض هذا الكلام لا يصدر في الحقيقة إلا من ضعيف العقل، جاهل بالتاريخ، غير عالم بأسباب ألنصر حيث ان الأمة الإسلامية لما كانت متمسكة بدينها في صدر الإسلام كانت لها العزة والتمكين، والقوة، والسيطرة في جميع نواحي ألحياة بل إن الغرب لم يستفيدوا ما استفادوا من العلوم إلا مما نقلوه عن المسلمين في صدر الإسلام وهكذا فأنا أرى عكس دلك واعتقد أن للتخلف اسبابا فكرية جوهرية ترتبط بالفكر العربي في مجمله والى عادات مرسخة في دواتنا ورواسب كم هائل من الموروث ضمنها التصرفات السلبية التي لا يمكن التخلص منها إلا عن طريق اعادة النظر في المنظومة التربوية ككل مع الأخذ بالاعتبار البعد الحقيقي للأخلاق في المنظور الفردي لها والاجتماعي معا.
- فأين تكمن العلة ادن ان كانت هده الفئة ترجع ما اشرت اليه الى المعتقد الديني وأنت تعارضهم الرأي.
- لا ابدا لا اوافقهم بل الوضع يتعلق بأمور اخرى فادا تأملنا اخي مليا في الموضوع سنجد ان ضمن هده الأسباب هو أن الفكر العربي بصفة عامة هو فكر شمولي فلسفي عاطفي وغير واقعي. وبالتالي فإنه ليس فكرا تنمويا بطبيعته. وهذا لا يعني أن الفكر العربي كله يدعو الى التخلف بل هناك الكثيرون من المفكرين العرب من دعاة التقدم والتطور، ولكن الاستثناء لا ينفي ان الفكر العربي يظل في الغالب غير مؤهل لمواجهة تحديات ومشاكل التنمية. دلك ان الفكر العربي لم يساعد للأسف على بناء وتكوين الارضية العقلانية والواقعية والتحليلية القادرة على التصدي لمشاكل التخلف. ومن الممكن لنا بسهولة أن نلوم الثقافة العربية على تخلفنا ولكن بحذر دلك لأننا نعلم ان مصطلح الثقافة هو بالأساس مصطلح طوره اساتذة علم الأنثروبولوجيا لكي يستخدموه في تفسير جميع الظواهر الغامضة التي لا يجدون لها اي تفسيرات اخرى محددة فينسبونها إلى الثقافة. وعلى اي حال فإذا كانت الثقافة تشارك في تحمل مسؤولية التخلف فإن الفشل في معالجة التخلف هو مسؤولية فكرية في المقام الأول. وبما ان للثقافة مضامين عديدة ويتفق غالبية علماء الاجتماع على اربعة مضامين رئيسية للثقافة هي: الفكر والدين والعناصر المادية والعلاقات الإنسانية. والفكر هو المضمون الرئيس الأول للثقافة يؤثر على بقية عناصرها ويتأثر بها. ولكن درجة تأثيره عليها اقوى وأكثر من درجة تأثره بها.
- في الحقيقة يبدو الموضوع جد معقد فبأي وسيلة ستتم المعالجة إدن حسب رأيك.
- ففي رأيي المتواضع إن كانت هناك أنماط ثقافية محددة في المجتمع تعمل على تجسيد أحد مظاهر التخلف فإن معالجتها الاسرع والأفضل تكون عن طريق ألفكر فالفكر يخضع للقيود التي تخضع لها بعض عناصر الثقافة الأخرى وبإمكانه ان يقود وان يؤثر بالثقافة وإذا فشل الفكر في تحقيق التعبئة التنموية المطلوبة فالعيب في الفكر أكثر من الثقافة. وفي حين يصعب تحميل الثقافة العربية مسؤولية التخلف العربي لأنها مثل اي ثقافة اخرى تشتمل على مزيج حسي ومادي معقد فإن الفكر العربي بوصفه قوة محركة فاعلة يمكن ان يتحمل هذه المسؤولية.
- لكن الفكر العربي فشل في مواجهة التخلف ومحاربته كما فشل في تحقيق التنمية.
-نعم اؤيدك بالفعل الرأي دلك ان الفكر العربي عمل بطريقة مباشرة وغير مباشرة على تجسيد المفاهيم الخاطئة التي تلوم الآخرين وتحملهم مسؤولية التخلف العربي و هنا طبعا اعني الفكر العربي اللامسؤول. وهناك بعض اطروحات الفكر العربي التي تعارض وترفض التنمية من منطلقات تقليدية منسوبة الى الدين دون توثيق شرعي واضح أي الفكر العربي التقليدي. ولم يساعد الفكر العربي على بناء الارضية التحليلية الواقعية اللازمة للتنمية وهو الفكر العربي اللاواقعي. فالفكر العربي التربوي لم يساعد الطلبة العرب مثلا على اثارة السؤال العلمي (لماذا) او اثارة السؤال التقني (كيف)، والفكر العربي الديني لم يتمكن حتى الآن من معالجة مسألة الجمود في ألاجتهاد والفكر العربي الاقتصادي ما زال يبالغ بقدرات وطاقات وثروات العالم ألعربي والفكر العربي السياسي ما زال تائها حائرا ينتقل من مشروع الى مشروع فمن المشروع العلماني الى المشروع القومي فالمشروع الاسلامي ثم المشروع الديمقراطي وهكذا.