السبت 25 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

جواد شفيق: انتخابات كورونا.. كورونا الانتخابات

جواد شفيق: انتخابات كورونا.. كورونا الانتخابات جواد شفيق

بكثير من الشجاعة اختارت بلادنا أن تنظم انتخاباتها العامة طيلة صيف وبداية خريف السنة الجارية 2021.

 

المؤشرات الوبائية مقلقة عالميا (البلاغات التحذيرية لمنظمة الصحة العالمية مخيفة) ويتزايد القلق عندنا يوما بعد يوم بفعل الارتفاع المسترسل في أعداد المصابين، ويعلم الله ماذا سيحل بنا في أسواق وطقوس وأجواء العيد؟ وماذا يمكن أن يحدث في جلبة وجذبة الانتخابات؟

 

لا شيء يؤشر بأن نهاية الجائحة وشيكة، على الأقل في بعدها الصحي، أما آثارها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية فمداها متوسط لا محالة.

 

لقد كان اختيارا وطنيا ديمقراطيا ذكيا أن تنحاز بلادنا إلى المزاوجة بين مواصلة العمل من أجل مناعة صحية جماعية، ومواصلة العمل من أجل مناعة ديمقراطية وطنية.

 

للتكيف مع انتخابات كورونا هذه، يلزم البحث الجماعي عن توليفات ضامنة لممارسة الحقين معا، الحق في الانتخاب والحق في الصحة.

 

دورية وزير الداخلية رقم 5867 الصادرة في 3 يوليوز 2021 بشأن التحضير لانتخابات أعضاء الغرف المهنية 6 غشت 2021، أولت لموضوع الاحترازات والإجراءات الوقائية حيزا مهما. وهو أمر محمود، في انتظار أن نسمع عن مبادرات ومقترحات رسمية ومدنية وحزبية تهم استحقاقات 8 شتنبر 2021 الجماعية والجهوية والتشريعية، ليس فقط يوم الاقتراع، ولكن وبالضرورة أثناء الحملة، لأنه عكس الانتخابات المهنية حيث الهيئة الناخبة قليلة، وتعتمد في جزء كبير منها على علاقات شخصية ومهنية ومصالحية متشابكة، وتمر في الغالب الأعم بلا ضجيج، فإن الانتخابات العامة المغربية المرتقبة بحلتها الجديدة، ستعرف لا محالة كثرة ووفرة في الترشيحات وما إلى ذلك من تجمعات ومسيرات وسهرات وخلايا منتشرة وطرق يومي للأبواب... بيئة كورونا المفضلة.

 

الشجاعة البادية والمحمودة هذه، تضمر فعلا دستوريا صرفا، إذ ينص الفصل الثاني من الدستور على أن "تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم ".

 

معلوم بأن الانتظام أو الدورية هو أحد الخصائص الأساسية للانتخابات الديمقراطية، بالإضافة إلى خصائص أساسية أخرى كأن تكون عامة، متساوية، سرية، نزيهة وعادلة (معايير النزاهة عديدة، تشمل من ضمن ما تشمل: حق الاقتراع العام، تسجيل الناخبين بشفافية وحياد، الحياد السياسي للقائمين على الانتخابات، قانون انتخابات عادل....)، وتعبر عن حريات المواطن.

 

انتخابات عامة بهكذا خصائص هي ما أصل ويؤصل شرعية النظم السياسية الديمقراطية.

 

لماذا؟

 

لأن الانتخابات تكتسي آنذاك طبيعتها الأصلية بما هي حق، ووظيفة اجتماعية (سيادة الأمة/ الشخص المعنوي عوضا عن السيادة الشعبية/ الأشخاص الماديون)، وسلطة قانونية.

 

إن اعتبار الانتخابات أهم ممارسة سياسية وأفضل وسيلة لنقل السلطة من شخص إلى آخر أو من مجموعة إلى أخرى هو ما دفع الفكر السياسي الإنساني/ الديمقراطي منه بالخصوص إلى الاجتهاد المتواصل لإحاطتها بمتاريس من التحصينات التي إن غابت فقدت مع غيابها الانتخابات حقيقة معناها ونبل هدفها وساد كل شيء، باستثناء الديمقراطية.

 

هذا الحرص الوطني على ألا يعطل شيء شيئا، وعلى أن نستمر في مكافحة كورونا، واحترام دورية بناءنا الديمقراطي والمؤسساتي بما هو السبيل الأسلم والأنجع المتوافق عليه كونيا لمكافحة أوبئة الهشاشة والأمية والبطالة والإقصاء واللاعدالة الاجتماعية والمجالية والفساد واللاثقة، عبر طريقنا السيار الجديد "النموذج التنموي الجديد/ مغرب الغد،2021/ 2035". هذا الحرص الوطني يجب أن يسند بكثير من النزاهة والتجرد..

 

تتعدد خصائص ومعايير وقوانين الانتخابات... كما يتعدد فاعلوها... وأهمهم البشر (ناخب، مرشح، إعلامي، مشرف، مراقب، مثقف....). وفي كل فعل اجتماعي يبقى العقل والسلوك والوعي البشري حاسما في صناعة التاريخ في شتى أوجهه، القبيح منه والجميل، الذميم والوسيم، المضيء والمظلم.

 

باختيار بلادنا احترام دورية الانتخابات، نكون قد حللنا معادلة انتخابات كورونا.. ولكن دفاتر ودروس التجربة الانتخابية المغربية تقول بأنها كانت دائما عرضة لتشوهات وتقرحات، وغالبا ما نبتت على حواشيها حشائش ضارة وهاجمتها فيروسات.. وبالعطف على زمن كورونا هذا، يمكن القول بأن عملياتنا الانتخابية قد كانت عرضة لكورونات انتخابية، مدمرة للثقة كمناعة جماعية للوطن.. لقد تشارك في صنع هذه الكورونات ناخب لا مبالي، وسياسي فاسد، ومشرف مرتش، ومثقف مستقيل، وإعلامي متواطئ، والمحصلة... أزمة ثقة عميقة. (في أحد حواراته مع المرحومة مليكة ملاك فكك الأستاذ محمد عابد الجابري بعقلانية كبيرة كيف أن الإدارة المغربية معروفة بانضباطها التسلسلي الصارم Solide Bureaucratie. وقد جاءت أزمة جائحة كورونا لتزيد قناعتنا بما ذهب إليه الأستاذ الجابري).

 

لقد تحملت المؤسسة الملكية في شخص الملك المناضل محمد السادس مسؤولية قيادة وإدارة الدولة المغربية بإدارتها وسلطاتها وأجهزتها ومؤسساتها وعساكرها ومدنييها في المعركة ضد الوباء، برامج ومبادرات وتوجيهات وتشريعات وحتى رمزيات "تلقيح جلالته أمام أعين العالم". وقد سبق لجلالته غير ما مرة أن وجه وانتقد بخصوص دور المؤسسات والأحزاب والمنتخبين، بل وحذر ذات خطاب قوي من أن ننتخب فاسدا ثم نأتي لنتباكى على حال مؤسساتنا وتنميتنا في تلميحات صريحة إلى كورونات السياسة والمؤسسات والإدارات...

 

والمغرب ذاهب نحو "مغرب الغد"، والمغرب يغالب لاجتثاث كورونا حفاظا على أمنه الصحي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي... فإن حماية أمننا الديمقراطي والمؤسساتي تقتضي أن نخوض معركة اجتثاث كورونات السياسة والانتخابات والمؤسسات... المعلومون منهم الذين سارت بذكرهم الركبان، والمتواطئون المتخفون.

 

معركة استعادة الثقة... تستحق هذه المعركة...
 
جواد شفيق فاعل سياسي