الثلاثاء 28 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

العقاني: تحالف فيدرالية اليسار وانتخابات الغـرف المهنية.. الرهان على مشــاركــة قــويــة ومنتجة

العقاني: تحالف فيدرالية اليسار وانتخابات الغـرف المهنية.. الرهان على مشــاركــة قــويــة ومنتجة عبد الصمد العقاني، عضو الهيأة التقريرية لفيدرالية اليسار وعضو المكتب السياسب لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية الخاصة بالغرف المهنية لقطاعات الفلاحة، الصناعة التقليدية، الصيد البحري، الصناعة والتجارة والخدمات، لابد أن نعيد التذكير بأهمية هذه المحطة الانتخابية في مسار النضال من أجل الديمقراطية وإحداث التغيير المنشود في مختلف المجالات التنموية، وذلك عبر تأطير جزء مهم وأساسي من الساكنة النشيطة اقتصاديا واجتماعيا، والعمل بالتالي على استدماجها في معركة البناء الديمقراطي ووضع ركائز الدولة الحديثة، خاصة وأن الممارسة السياسية في بلادنا قد أثبتت بأن القطاع المهني قد صار يختزن طاقات نضالية مهمة.
في هذا الصدد يستعد تحالف فيدرالية اليسار تجاوز التعثرات التي طبعت مشاركاتها خلال الاستحقاقات المهنية السابقة، وذلك عبر التحضير المبكر لمختلف مراحل العملية الانتخابية وانتهاج طرق مبتكرة وفعالة في تدبيرها، والعمل بالتالي على تغطية أكبر عدد ممكن من الدوائر وتحقيق نتائج متقدمة على صعيد الأصوات والمقاعد، حيث أطلقت ومنذ بداية السنة الجارية حملة تعبوية في صفوف تنظيماتها المحلية والإقليمية والجهوية، وتراهن على تقديم لوائح مرشحيها ومرشحاتها لتغطية أكثر من ثلثي مقاعد الغرف المهنية التي تتشكل من 40 غرفة و2179 عضوا.
أحزاب فيدرالية اليسار تحاول إذن تجاوز نقاط ضعفها واستدراك ما فاتها من فرص وإمكانات خلال الانتخابات المهنية المقبلة، لأنها في السابق لم تتوفق في امتلاك الأسلوب الأمثل والأنجع للتعاطي مع هذا النوع من الاستحقاقات. وبالتالي تحقيق نتائج مهمة في شأنها، وقد تجلى ذلك في محدودية أعداد المرشحين الذين تقدموا باسم الفيدرالية خلال الاستحقاقات السابقة، كما تجلى في ضعف انخراط الفروع المحلية لهذه الأحزاب في التحضير الجيد لهذه الاستحقاقات، علما أن هذا الوضع لا يتماشى والتوجهات العامة لأحزاب اليسار ورغبتها الأكيدة في اقتحام مختلف المعارك الانتخابية والتواجد داخل معظم المؤسسات المنتخبة، كما لا ينسجم مع تاريخها النضالي في ولوج هذا المجال، خاصة إذا استحضرنا أول انتخابات مهنية أجريت بعد الاستقلال في مارس 1960، حيث تمكن اليسار بقيادة الشهيد المهدي بن بركة آنذاك من تحقيق نتائج مهمة خلال هذه الانتخابات، كما تمكن اليسار من الفوز بالأغلبية داخل عدد من الغرف المهنية الوازنة كغرفة التجارة والصناعة بكل من الدارالبيضاء، الجديدة، طنجة، أكادير وآسفي، وذلك على إثر حملة انتخابية ناجحة تم التحضير لها بشكل جيد وتعبأت لها مختلف التنظيمات الحزبية.
 
ضـــرورات التــأطــيــر
  
قبل الحديث عن مسألة تأطير المهنيين من طرف أحزاب فيدرالية اليسار وضرورة قيام هذه الأخيرة بتجسير وتقوية علاقاتها مع مختلف الفئات المهنية والحرفية، لابد أن نتوقف عند الأهمية البالغة لهذا القطاع في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهذه الفئة المتكونة من الفلاحين والتجار والصناع التقليديين ومهنيي الصيد البحري والصناعات المختلفة تحتل مكانة أساسية في المجال الاقتصادي، خاصة على صعيد الناتج الداخلي الإجمالي PIB، حيث يساهم القطاع الفلاحي بنسبة 15 إلى 20  % من هذا الناتج. أما قطاع التجارة فيمثل نسبة 12%، في حين يساهم قطاع الصناعة التقليدية هو الآخر بنسبة 19%، علما أن مساهمة قطاع الصيد البحري تصل إلى 3,2 % من هذا الناتج.
من جانب آخر يشغل قطاع المهنيين نسبة كبيرة جدا من اليد العاملة، لنأخذ على سبيل المثال قطاع الفلاحين، فهذا الأخير يضم أكثر من 4 ملايين فلاح صغير ومتوسط، كما أن قطاع الحرفيين والصناع التقليديين يشغل هو الآخر حوالي 2,3 مليون صانع وحرفي، ويعد بذلك ثاني أكبر مشغل بعد الفلاحة. أما القطاع التجاري فيضم أكثر من 1,2 مليون تاجر.
وبذلك صار يحتل هذا القطاع مكانة وازنة داخل النسيج المجتمعي، مكانة جعلته يتمتع بقوة تأثير كبيرة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ،هذا بالإضافة إلى دوره الوازن والحاسم في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، سواء تعلق الأمر بالانتخابات الجماعية أو تعلق الأمر بالانتخابات الجهوية والتشريعية،وذلك بالنظر إلى ما يتوفر عليه من نفوذ وقدرات تواصلية كبيرة تساعده في توجيه الرأي العام وكذا التأثير في السياسات العمومية المختلفة.
في هذا السياق إذن تطرح على أحزاب الفيدرالية وبإلحاح مهمة إعادة بناء علاقاتها وتقوية امتداداتها داخل مختلف القطاعات المهنية، وذلك عبر توفير هياكل الاستقبال والتأطير بمختلف أبعاده الحزبية والنقابية والجمعوية، لأن هذا القطاع يختزن طاقات نضالية هائلة ينبغي استدماجها في معركة النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وفي هذا الصدد لابد أن نستحضر تجربة النقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين في عهد كاتبها العام الفقيد مولاي عبدالله المستغفر ودورها الداعم في إنجاح مختلف المعارك النضالية والإضرابات العامة التي خاضتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مع حلفائها منذ بداية الثمانينات (إضرابات ماي 1981 ودجنبر 1990).
الملاحظ إذن أن أحزاب الفيدرالية أخذت تعي ـ وإن بشكل متأخر نسبيا ـ بأن الانفتاح عل هذه الفئة والاهتمام بمطالبها وانشغالاتها لا ينبغي أن يتخذ طابعا مناسباتيا تحكمه ظروف الاستحقاقات الانتخابية، بل ينبغي أن يكون محصلة تصور استراتيجي شامل ومستدام تتم بلورته في برامج عملية تنخرط فيها مختلف التنظيمات الحزبية، قيادة وقواعد،كما أن هذا الانفتاح لاينبغي أن يقتصر ـ كما جرت العادة ـ على الفئات الصغيرة والمتوسطة من مهنيي الفلاحة والتجارة،بل من المفيد أيضا أن يمتد هذا الانفتاح إلى العناصر المتنورة في صفوف كبار رجال الصناعة والأعمال التي تشارك فيدرالية اليسار أفقها الحداثي والديمقراطي (نموذج كريم التازي مثلا).
 
الـتـحضـيـــر لانـتـخــابــــات الغـرف المهـنـيـة
 
أحزاب فيدرالية اليسار، وكما قلنا في البداية، قد استعدت بشكل مبكر وجيد، مقارنة مع الاستحقاقات السابقة، حيث وضعت برنامج عمل استهدف التهييء المعقلن لكل مراحل هذه المحطة الانتخابية، بدءا بوضع الهياكل التنظيمية المكلفة بعملية المواكبة والتتبع وصياغة البرنامج الانتخابي، مرورا بإطلاق التعبئة الشاملة في صفوف جميع التنظيمات الوطنية والمحلية والهيئات المحلية لفيدرالية اليسار، والعمل بالتالي على عقد لقاءات متواصلة مع مسؤولي ومناضلي الفروع والقطاعات المعنية، وحثهم على استنفار أقصى الجهود والإمكانات لتغطية معظم الدوائر بالمرشحين والمرشحات والقيام بحملة انتخابية منظمة وفاعلة، أيضا تم تنظيم سلسلة من الأنشطة والعروض في هذا المجال، كما تم توفير المواكبة الميدانية لمسؤولي الفروع بخصوص إعداد لوائح المرشحين وصياغة البرامج المحلية والملفات المطلبية المحلية وكذا المساعدة على إنجاز المنتوجات التواصلية المختلفة (مطويات، ملصقات، Podcast...إلخ).
لكن ومع ذلك يظل إنجاح محطة الانتخابات المهنية وتحقيق نتائج متقدمة على هذا الصعيد رهينا بالمساهمة الجماعية والقوية لجميع أعضاء وعضوات أحزاب الفيدرالية دون استثناء، فقد جرت «العادة» أن يترك مرشحو ومرشحات اليسار لمصيرهم دون دعم أو مواكبة قوية من طرف باقي المناضلين والمناضلات، مع العلم أن أغلبهم حديث العهد بالعمل الحزبي ولايتوفر على أية تجربة أو خبرة في تدبير الحملات الانتخابية وغيرها من الأمور ذات الصلة بهذا النوع من الاستحقاقات.
من جانب آخر ينبغي أن تعي أحزاب  فيدرالية اليسار أن الانخراط القوي لمناضليها ومناضلاتها في هذه المحطة الانتخابية والتواصل مع أكبر عدد ممكن من المهنيين المنتشرين في معظم أرجاء البلاد، سيحقق قدرا مهما من المكتسبات والتراكمات التي يمكن استثمارها خلال الاستحقاقات الجماعية والبرلمانية المقبلة، علما أن استقطاب وتأطير هذه الفئة النشيطة والمؤثرة سيتيح لأحزاب الفيدرالية فرصا مهمة للانتشار في مختلف مناطق البلاد كما سيتيح لها الامتداد والتجذر داخل مختلف الأوساط الاجتماعية، فإذا أخذنا القطاع الفلاحي على سبيل المثال فسنجده المشغل الرئيسي إن لم نقل الوحيد في ثلثي الجماعات المحلية (1282 جماعة قروية) والتي تضم أكثر من 18 مليون نسمة (حوالي 49%  من سكان البلاد)، كما أن قطاع التجارة يشمل هو الآخر أكثر من 700 ألف نقطة بيع موزعة على مختلف أرجاء البلاد.