الثلاثاء 27 يوليو 2021
كتاب الرأي

عبد الدين حمروش: هذه رسائل استقبال المغرب لقيادة "حماس"

عبد الدين حمروش: هذه رسائل استقبال المغرب لقيادة "حماس" عبد الدين حمروش

صدرت عن المغرب الرسمي، في الأيام الأخيرة، إشارتان مُتزامنتان: تهنئة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، واستقبال وفد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) برئاسة رئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية. وبحسب ترتيبات التطبيع مع إسرائيل، الموقّعة في دجنبر 2020، والتي تمّ بحسبها الاتفاق على إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، تبدو مُبادرة الملك محمد السادس، إلى تهنئة رئيس الوزراء الإسرائيلي، "نفتالي بينت"، بعد حصول حكومة الأخير على موافقة الكنيست، أمرا طبيعيا من وجهة النظر الرسمية. أما استقبال هنية، على رأس وفد رفيع من "حماس"، فيندرج ضمن الإطار "غير الطبيعي" حتى عهد قريب.

 

للإشارة، كانت لرئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، خالد مشعل، زيارتان سابقتان للمغرب، غير أن زيارة الحركة، أخيرا، جاءت في سياق خاص، تميّز بتطوراتٍ كبيرة بشأن القدس، انتهت بنشوب معركة "سيف القدس"، في مسعى من "حماس" إلى تغيير مجرى الصراع وقواعده، على أكثر من مستوى وصعيد. أما اندراج الحركة ضمن تيار الإخوان المسلمين، وارتباطها بالجمهورية الإسلامية الإيرانية دعما وإسنادا، فمما يسم استقبال وفد الحركة بالمفاجئ و"غير الطبيعي".

 

في سياسات الدول ومُبادراتها، حتى غير المتوقعة على أكثر العقول السياسية استراتيجية، ليس هناك مجال للهوى والمصادفات، من الناحية السطحية الظاهرة، ليس هناك ما يدعو المغرب الرسمي إلى التقارب مع حركة حماس. إذا لم يكن بين الطرفين عداء، فلا يوجد بينهما تعاطُف البتّة.

 

ظل التعامل مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي خلفيتها حركة فتح، الأقرب إلى طبيعة الحكم في المغرب. ولكن، ما الذي يجعل سلطات الرباط، اليوم، تنفتح على "حماس" بهذا الشكل المُعلن، وفي سياقٍ متسمٍ بقدر هائل من الحساسية والتعقيد؟

 

تُرجع مقارباتٌ سياسية هذا الانفتاح المغربي الرسمي على "حماس"، في الآونة الأخيرة، إلى ما أصبحت تُشكِّله الحركة من رقم صعب، في معادلة الصراع الفلسطيني/ العربي - الإسرائيلي. ذلك أن نجاح المقاومة الإسلامية في المبادرة إلى معركة سيف القدس، وفي طريقة إدارة مُجرياتها عسكريا، بما أدّى إلى تحصيل نتائج في تغيير قواعد الصراع مع الكيان المحتل، قادا إلى هذه الحظوة التي صارت تتمتع بها الحركة اليوم. حتى والمعركة مشتعلة، لم يكن مُستغربا أن نسمع تصريحاتٍ تدعو إلى إجراء اتصالاتٍ غير مباشرة مع "الحركة"، كما قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل.

 

دولياً، بات الانفتاح أقرب إلى الواقع، باستثناء ما صدر عن وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، في تصريحه المتطرّف ضد "حماس"، في شقيها السياسي والعسكري. وإضافة إلى مجيء إدارة بايدن، وعودتها إلى الخطاب الأميركي التقليدي (المعلن على الأقلّ)، يمكن تفهّم ما يمكن أن يبلغه مدى هذا الانفتاح. بانتهاء ولاية دونالد ترامب الرئاسية، انتهت جملةٌ من المحاذير، ومنها ما يمكن أن يحسّه المغرب في أي خطوةٍ كان يخطوها باتّجاه "حماس". ومع ذلك، ليس هناك من دواعٍ قصوى تجعل وفد هنية يحظى بترتيباتٍ رسمية، منها المأدبة الملكية التي حظي بها في قصر الضيافة، المخصّص لاستقبال الضيوف الكبار عادة. ومن هنا، يأتي السؤال: لماذا يستقبل المغرب وفد "حماس"، في السياق الذي وقفت هذه المقالة عند بعض معالمه؟ في تتبع تعليقات محللين سياسيين، يمكن تفسير الاستقبال بما يلي:

 

- عودة المغرب إلى الساحة الفلسطينية، بعد أن طاول "القضية" نوعٌ من الفتور في السنوات الأخيرة، نتيجة تطرّف إدارة ترامب في الانحياز إلى دولة الاحتلال. وعلى الرغم من الاختلاف في درجة الانخراط، إلا أن استمرار ترؤس الملك محمد السادس لجنة القدس، منذ اعتلائه عرش المملكة، لم يكن يسمح له بأن يغفل عن الشأن الفلسطيني، مهما شغلته أمور الحكم الأخرى، ومنها ملف الصحراء المغربية. ففي سياق قدوم الإدارة الأميركية الجديدة، حيث بدأ "اللاعبون" الإقليميون يعودون بحيويةٍ إلى الساحة الفلسطينية، لم يكن من شأن المغرب إلا تجديد التزامه بالقضية الفلسطينية، وفي عنوانها الأبرز القدس الشريف.

رغبة المغرب في تأكيد عدم تراجعه عن الالتزام بالقضية الفلسطينية، على الرغم مما كان يجري من ترتيباتٍ لإعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط. وإن قوبلت تطميناته القيادة الفلسطينية بنوع من الفتور، إن لم نقل الامتعاض والتشكيك، فإن استقبال وفد "حماس" في الرباط، اليوم، يُؤمل منه أن يحفظ للمغرب ذلك الدور التقليدي المطلوب، في العلاقة مع الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. ومن المبادرات الدالّة في هذا الخصوص، أن يأتي استقبال وفد "حماس" مُتزامنا مع تهنئة بينت بنيل حكومته ثقة الكنيست. بين طيّات الرسالة المغربية، تريد سلطات الرباط أن يُقرأ السطر الأخير جيدا: تطبيع المغرب مع إسرائيل ليس هو الذي لدى الإمارات مثلا، لم يكن لهذه الرسالة أن تصل إلا بالاستقبال الرسمي لحركة حماس، التي كانت قد سارعت إلى رفض خطوة التطبيع المغربية، على لسان القيادي فيها، موسى أبو مرزوق.

 

- تريُّث المغرب في تسريع وتيرة التطبيع، بتأثيرٍ مما تشهده قضية وحدته الترابية، خصوصا في ظل عدم التفاعل المُتوخّى من إدارة بايدن. وإن ظلت الرباط تؤكّد أن لا علاقة للتطبيع بالاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، إلا أن الدبلوماسية المغربية استشعرت صعوبة الفصل بينهما لدى عدد من الجهات (في الداخل كما في الخارج). ولا يبدو من النباهة غضّ الطرف عن المزايدات الجزائرية، في مسعى إلى النّيل من ارتباط المغاربة بأقاليمهم الجنوبية. هذا، كما أن الانفتاح على حركة حماس، وما يمكن أن يوطئ له في مقبل الأيام، من شأنه أن يعيد قدرا كبيرا من الثقة الشعبية، في ظل سنة انتخاباتٍ بامتياز. ولنا أن نتوقع مبادراتٍ أخرى في هذا الاتجاه، سياسيةً كانت أم حقوقية أم اجتماعية.

 

- رد الاعتبار لرئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، بعد ما كان قد طاوله من قدح واستهجان، على خلفية توقيعه الشخصي اتفاق العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل. وإن كان ذلك التطبيع قرارا من الجهات العليا في المغرب، إلا أن توقيعه من موقعه كرئيس حكومة، ذي خلفية حزبية إسلاموية، عرّض شخصه وحزبه لهجمات حادّة من أفرقاء سياسيين ومدنيين عديدين. اليوم، وهو يستقبل إسماعيل هنية ورفاقه الحمساويين، يمكن للعثماني أن ينام ملء جفونه، بعد أن كان موقعه الحكومي قد وضعه في ذلك الموقف الدراماتيكي الصعب: توقيع اتفاق التطبيع. وليس ببعيد أن تقترن خطوة الاستقبال بردّة فعل، عما صدر عن القائم في مكتب الاتصال الإسرائيلي، ديفيد غوفرين، في تغريدةٍ هجومية له (خارجة عن الأعراف الدبلوماسية المرعية) تستنكر تهنئة العثماني هنيّة بالانتصار، في إثر النتائج التي حققتها المقاومة في معركة سيف القدس. لم تردّ السلطات المغربية على إعادة وزارة الخارجية الإسرائيلية نشر تغريدة غوفرين، التي كان قد سحبها من حسابه من "تويتر"، إلى أن جاءت مناسبة الرد البليغ: استقبال وفد "حماس" استقبالا رسميا.

 

ليس من الوارد أن يكون حزب العثماني، العدالة والتنمية، الطرف الأصيل في دعوة هنية وجماعته إلى المغرب. صحيحٌ أن هناك ضوءا أخضر رسميا، لكن أكثر من ذلك هناك "ترتيب" رسمي. الحزب مجرد واجهة خارجية، ليس من المستغرب أن تتموقع خلف مبادرته "جهاتٌ عليا" تريد إيصال رسائل، وتهدف إلى تحصيل نتائج. كما أنه ليس من الحكمة السياسية في شيء، أن تمنح تلك "الجهات" مثل هذه الهدية الثمينة لـ "العدالة والتنمية"، وفي سنة انتخاباتٍ أضحى موعدها جد قريب. إضافة إلى كل ما تمّ إيراده، عن المسوغات المحتملة للزيارة الحمساوية، هل يوجد سعي مغربي إلى لعب دور وساطة ناجح بين إسرائيل و"حماس"، نظير نجاحه في الوساطة بين الأفرقاء الليبيين مثلا؟ هل يوجد سعي إلى دور وساطة (من حجم أقل) بين الفصائل الفلسطينية، خصوصا في ظل تراجع "سلطة" أبو مازن في رام الله، لترتيب البيت الفلسطيني بشكل ما، في انتظار مبادراتٍ معينة لحلحلة الصراع في المنطقة؟ الزيارة الرسمية لوفد "حماس" حابلة بالدلالات والإشارات. ويخطئ من يقرأها، ومنهم مدوّنون وسياسيون مغاربة، في سياق "الكيد" الأيديولوجي لحزب العدالة والتنمية من جهة، ولحركة المقاومة الإسلامية من جهة أخرى.