الأربعاء 28 يوليو 2021
كتاب الرأي

محمد البالي: تسويد واختلاف(12)

محمد البالي: تسويد واختلاف(12) محمد البالي

أ، ب، ج- مما سبق: سنوظف لفظ الإيديولوجيا توصيفا إجرائيا يفيد الانطلاق من تصورات قبلية في تشكيل الروابط الحزبية وفي الحكم على الآخر. أما التصورات والمنطلقات العقدية فأدلوجات، تتمظهر في خطاب التيار الإيديولوجي مفاهيم (الحلقة 9) وسمات حجاجية (الحلقتان 9 و10) وأفعال كلام (الحلقة 11):

استئنافا لعرض عناصر ومكونات وسياقات خطاب ندوة دمنات، للبحث عن قصدية المنظمين والمتحدثين، نتابع بعرض سمة خطابية سلوكية أكثر بيانا للقصدية. ظاهرة تتجلى في المكتوب وفي المنطوق، لها نعوت متعددة، فضلنا أن نصطلح عليها:

- تسويد البياض: المكتوب سواد على بياض، وكل زيادة تسويد. ففي الكلام المدون لأهل أرضية التغيير الديمقراطي، إشارات لفظية بأن المجموعة تتواصل باعتبارها تيارا، وإن لم يمنحها الحزب هذه الصفة. ولذلك يصدرون بيانات حول قضايا عامة وحول مسائل داخلية، وتغطيات صحفية؛ فقد نشرت إلكترونية العمق المغربي، ليوم 11 أبريل 2021، تغطية جاء فيها: نظّم تيار أرضية التغيير الديمقراطي، أحد التيارات المشكلة للحزب الاشتراكي الموحد، اليوم السبت، بمدينة دمنات، ندوة وطنية حول الأزمة السياسية والاجتماعية وآفاق النضال الديمقراطي بالمغرب.

نجد لهذه الممارسة الخطابية مثيلاتها، فقد سلكت المجموعة مسلك اليسار المواطن، الذي تأسس في مؤتمر 2012، وفي بيانات خطابه تسويد لوجود سابق؛ جاء في رسالة جوابية للتيار إلى ذ. محمد بنسعيد: في تيار اليسار المواطن والمناصفة انخرطنا بداية من سنة 2002 ثم في سنة 2005 في مشروع توحيد اليسار... إن كل ما نطمح إليه هو بناء وحدة اليسار على الوضوح الفكري والسياسي و التنظيمي".

وتنتج عن هذه التسويدات سلوكات سياسية وتنظيمية. وبانفتاح الدلالة، يحيل التسويد على خدش للبياض، فيكون جنوحا عن الوضوح وعن الشفافية.

تركيب:

اعتبرت منقولات متداولة أن ندوة دمنات إعلان عن تيار يجمع الأطراف المدافعة على خط سياسي يتراوح بين رفض الاندماج وتقييده بشروط إيديولوجية وتنظيمية. ليس المقام بالنسبة إلينا، ولا المقال، نقد سلوك حزبي، فذاك شأن أجهزة الحزب ومناضلاته ومناضليه، وإنما نتتبّع صدقية الخطاب أوجنوحه وعلاقته بالممارسة:

وباستحضار ما سبق من عناصر ومكونات وسياقات وتسويدات، يوصلنا التركيب أن ثمة خطاب متجانس، وثمة مجموعة خطابية سياسية تشكلت من مكتوب ومنطوق وأفعال مجموعة التغيير الديمقراطي وتيار اليسار المواطن والمناصفة ومحيط الأمينة العامة. وهو ما سمح لنا بمغامرة تصنيفه تيارا إيديولوجيا داخل الاشتراكي الموحد. وبالنظر إلى المنشور والمتداول من الخطابات، يبدو أنه ينزاح عن خطاب المؤتمر الوطني الرابع. إذ تتكرر في منشورات بعض أعضاء المكتب السياسي، ضمن التيار الإيديولوجي، دعاوى رفض وحدة أحزاب اليسار الديمقراطي ومن يشاركها طموح الانتقال إلى الديمقراطية، مقرونة بالمراهنة على حركية غير منظمة.

وتسعفنا النظرية القصدية للخطاب، بمغامرة أخرى مفادها، أن هذا التيار يسارع القول والخطو لإعداد مؤتمر ما بعد انتخابات 2021. وقد يراهن على تحول من حزب سياسي إلى حزب إيديولوجي وعقدي، يقطع مع تنوع الروافد الإيديولوجية، ومع تجميع المقاربات السياسية. دفعنا إلى هذا التوقع، ما يصدر من تصريح أو تعقيب أو أفعال كلام، قد تنتج موقفا غير إيجابي من مبادرة إعلان تيار سياسي جديد داخل الاشتراكي الموحد، لتنظيم اختلافات الرأي والتقدير. قد يفسح أملا جديدا في حزب ديمقراطي متآلف باختلافاته. ومن كلام الأفعال الخطابية التي تكشف موقفا غير إيجابي، مقال باسم زهير دادي في حرة بريس يوم 11 يونيو 2021:

تساءل صاحب المقال عن صحة الخبر الذي نشره موقع اشكاين يوم 24 ماي 2021 بعنوان: الساسي ومجاهد يتزعمان تيارا جديدا... لم يعتمد كاتب المقال أي نص أو تصريح، ولا أي خطاب منقول بالكتابة أو بالرواية صدر عمن ينعتهم متزعمي الحركة. فقد طرح المقال أسئلة يعترف أنه لا أجوبة حولها حتى الآن، ونصها: ماهو الغرض الرئيسي من الحركة؟ كم هو العدد الحقيقي للموقعات والموقعين على الوثيقة؟ هل دبجت الحركة بلاغا تأسيسيا أو وثيقة توجيهية لها؟... أسئلة وغيرها كثيرة يمكن أن تطرح في السياق ذاته...".

ومن الملاحظات الخطابية على هذا المنشور، أنه جمع، في نص واحد، كثيرا من عناصر وسمات الخطاب الأدلوجي السالف ذكرها، ومنها: مدلول المؤامرة، الشخصنة، الفزاعة، التوحد... فضلا عن مغالطات أوردناها في تحليل الخطاب السياسي الرسمي والتابع، وأبرزها الانزياح عن المطلوب.

سؤال: مقال من 1170 كلمة، شرح وتحليل ومقارنة ومحاججة واستنتاجات وأحكام... ولم يستند فيه صاحبه على نص أو جملة أو عبارة مصورة أو مقروءة أو مسموعة يستند إليها ليناقش فكرتها أو أطروحتها...؟؟؟ يعني أن المقال كلام حول لا كلام، أي أن صاحبه يفترض أو يتصور أن غيره قال كلاما ثم يشرع في مناقشة وتحليل افتراضه وتصوره... واصطلح المحاسبي على الافتراضات والتمثلات في خطاب العقيدة بالتوهّم.

إشارة: لا نتقصد متابعة مخاطِب ذاتٍ بعينه، فأغلب منشورات وتصريحات متابعتنا صادفتنا أثناء جولة أو طواف في فضاء إعلامي وتواصلي. وكم تفاجأنا بنتائج بعد متابعة خطاب أو تحليله. وما تتوصل إليه متابعتنا للخطاب الحزبي استنتاجات بعد مقابلات لصور أسلوبية من المكتوب ومن المنطوق، باعتماد بعض مبادئ وآليات تحليل الخطاب. وليست منطلقات مسبقة؛ بمعنى أنها عملية استقراء. وقد نخطئ مرارا وكثيرا.

فمن منطلق نقدي لتسخير الخطاب أداة هيمنة السلطة على الحقوق، ومن باعث عاطفي في تقدير التواصل السياسي الديمقراطي. نبهنا، منذ الحلقة الأولى، إلى الاحتراز من التلاعب الذي بات يغطي مختلف مجالات الحياة، ومن مغالطات الحِجَاج التي تحولت خبزا يوميا في المناقشات والمحادثات. وأشرنا إلى مقومات الصدقية والمسؤولية في الخطاب. علّ المنتسبين إلى السياسية الحزبية، والمتخاطبين في الفضاء العمومي، يعتبرون القول والممارسة السياسية قيما وثقافة وحضارة تتجلى في الخطاب، ليتجنبوا مزالق العنف الرمزي وليستأنسوا بمبادئ التعاون في الحوار، انتصارا لثقافة الاختلاف أساسا من أسس المجتمع الديمقراطي.

(يُتبع)