الثلاثاء 27 يوليو 2021
كتاب الرأي

سعيد الكحل: العرض السياسي للبيجيدي نكوص وانفصام (4)

سعيد الكحل: العرض السياسي للبيجيدي نكوص وانفصام (4) سعيد الكحل
حزب العدالة والتنمية، كبقية أحزاب الإسلام السياسي، ينشد إقامة "دولة الخلافة" وتطبيق الشريعة. وقبوله بالاشتغال ضمن مؤسسات الدولة المدنية إنما هو تكتيك يسمح له بالتغلغل في مفاصل الدولة لحين "التمكين". حينها سينقلب على الديمقراطية وعلى الدستور وعلى مدنية الدولة. لهذا، لم يصدر عن الحزب ما يثبت مراجعته لمنطلقاته الفكرية والإيديولوجية ، وبما يفيد تخليه نهائيا عن فكرة إقامة "دولة الخلافة"، أو على الأقل انخراطه في المطالبة بالفصل بين الدين والسياسة. من هنا يكون ادعاء الحزب في "العرض السياسي" "إبداع مفهوم حزب سياسي بمرجعية إسلامية" منافيا لممارساته ولمطالبه السياسية والدستورية بجعل التشريع الإسلامي هو الأساس والأسمى مع إلغاء كل التشريعات التي يرى الحزب مخالفتها لها ، وفي تعارض مع الخطاب الملكي الذي حصر الجمع بين السياسي والديني في إمارة المؤمنين( وباعتبار أمير المؤمنين مرجعية دينية وحيدة للأمة المغربية، فلا مجال لوجود أحزاب أو جماعات، تحتكر لنفسها التحدث باسم الإسلام أو الوصاية عليه) (خطاب العرش 2003) .
" في التقييم العام للكسب السياسي للحزب"
من العناصر التي ركز عليها "العرض السياسي" للبيجيدي تثمينه "للكسب" والمكاسب السياسية التي أنجزها، ومن ضمنها:
ـ "إصلاح صندوق المقاصة، الإصلاح الجزئي والضروري للصندوق الوطني للتقاعد سنة 2016، تحسين مناخ الأعمال، المحافظة على مستوى مقبول من الدين العمومي، دعم الاستثمار الوطني". إن هذه القرارات التي أقدم عليها البيجيدي هي جرائم في حق الشعب والوطن . فالحزب الذي يفتقر إلى الأطر والكفاءات التي تبدع في تنمية  وتنويع الموارد المالية للدولة ، اختارت الحلول السهلة التي جعلت المواطنين في خدمة الدولة ومصدرا رئيسيا من مصادر تمويل خزينتها. إن حكومة البيجيدي، لم تكتف بالرفع من الضرائب، بل وسعت الوعاء الضريبي ليشمل حتى السيارات التي تجاوز عمرها 20 سنة، وكذا عددا من المواد الاستهلاكية كالزبدة والشاي والزيت التي رفعت من نسبة الضريبة عليها. فالتضريب لا يتوخى تحقيق العدالة الجبائية ولا دعم التضامن الاجتماعي. إذ في الوقت الذي تفرض فيه الحكومة الضرائب على الموظفين والأجراء الذين يتقاضون أكثر من 7 آلاف درهم شهريا، وكذا معاشات المتقاعدين التي لا يمكن اعتبارها دخولا، أو الأجور الممنوحة للفنانين (خصم جزافي نسبته 40 %)، تصر على مواصلة إعفاء الفلاحين والشركات العاملة في القطاع التي لا يتجاوز رقم معاملاتها 5 ملايين درهم، من الضريبة. بل إنها تمنح كبار الفلاحين الدعم الوافي لاقتناء المعدات والآليات الفلاحية وتجهيز الأراضي وتعويض قدره 4 آلاف درهم عن كل عجل يولد. إنه ظلم اجتماعي في حق فئات واسعة من المواطنين الذين يتحملون 75% من الضريبة على الدخل بينما لا تتحمل الشركات سوى 2%؛ الأمر الذي يجعل المبلغ الإجمالي للاقتطاعات الإجبارية يتجاوز 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام ، وهو رقم جد مرتفع مقارنة مع المتوسط المسجل في المنطقة البالغ 23 في المائة.
إن سياسة البيجيدي على رأس الحكومة تركز على "التوزيع العادل للفقر" عبر إنهاك الطبقة الوسطى بالضرائب وتكاليف المعيشة ونفقات التدريس والعلاج .إذ لم يخْفِ  بنكيران يوما حقده على الموظفين عموما، ونساء ورجال التعليم على وجه الخصوص، حين وصفهم "بالڴراد" لأنهم ، في حكمه، "يستنزفون" مالية الدولة. لهذا كانت أولى قراراته هي تحرير أسعار المحروقات لتوفير 45 مليار درهم سنويا، دون اتخاذ أدنى الإجراءات لحماية القدرة الشرائية للمواطنين أو حتى مراقبة وحماية سوق المحروقات من جشع شركات التوزيع. فعن أي "كسْب سياسي" تتحدث قيادة الحزب، وعن أي مصلحة تدافع حين قررت تحرير أسعار المحروقات رغم الانتقادات والتحذيرات التي وُجهت إليها ؟ آخر هذه الانتقادات تلك التي وردت في تقرير مجلس المنافسة الذي أكد أن ( قرار التحرير الكلي لأسعار المحروقات اتخذ على نحو استعجالي، دون استحضار عدة عوامل مرتبطة بالسياق الوطني، كان من المفروض أن تنبه الحكومة إلى الجدوى من دخول القرار حيز التنفيذ، وتحديد كيفيات تطبيقه).  بسبب هذا القرار وتواطؤ الحكومة مع شركات التوزيع صار هامش الربح يتعدى درهمين للتر الواحد .وهذا الذي جعل مجلس المنافسة يخلص في تقريره إلى أن (مسـتويات الأسعار وهوامـش الربـح الـواردة ضمـن الإحالة يمكـن اعتبارهـا فاحشـة.. تـم التوصـل إلـى أن هـذا الارتفاع لا يمكـن تبريـره لا بحـدوث كارثـة عامـة، ولا بظـروف اسـتثنائية، ولا بوضعيـة غيـر عاديـة للسـوق) . إنها ضربة قوية للقدرة الشرائية للمواطنين تفتخر بها قيادة الحزب وتعتبرها "كسْبا سياسيا" مهمّا لم يسبقها إليه أي حزب أو حكومة.
إن النكوص الذي حاول "العرض السياسي" للبيجيدي إخفاءه تكشف عنه ممارسته على رأس الحكومة وكذا برنامجه الانتخابي لسنة 2016 الذي وعد فيه بـ "توطيد الانتقال إلى مصادر جديدة للنمو وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني؛
▪ تثمين الثروة البشرية وصون كرامة المواطن للاستجابة لتحديات التنمية؛
▪ تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية؛
▪ تكريس الحكامة الجيدة عبر تسريع الإصلاح والرفع من قدرات الإنجاز؛"
فالنتائج الكارثية التي جرّتها التجربة الحكومية للبيجيدي على الشعب المغربي تكذّب كل ما تزعمه قيادة الحزب في "عرضها السياسي".  فمستوى العجز التجاري يفوق 20 % من الناتج الداخلي الخام ،بينما بلغت نسبة البطالة في صفوف الشباب حاملي الشهادات 20.4% سنة 2016 و 23.3% في صفوف خريجي الكليات؛ كما ارتفعت نسبة البطالة في صفوف شباب الوسط الحضري الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة 38.8%. فعن أي "تثمين للثروة البشرية وصون كرامة المواطن" يتحدث الحزب؟ وعن أي "تعزيز للتنافسية الاقتصادية" وآلاف المقاولات تعلن إفلاسها (حسب مؤسسة "أنفوريسك" أغلقت 7941 مقاولة أبوابها سنة 2018، وفي سنة 2017 بلغ عدد المقاولات التي أعلنت إفلاسها 8 آلاف مقاولة؟). إن الحزب الذي يزعم دعم تنافسية الاقتصاد الوطني هو الذي فتح الأبواب للمنتوجات التركية لتغزو السوق المغربية وترمي بعشرات الآلاف من العمال إلى الشارع بعد إفلاس المقاولات المغربية ، وهو الحزب الذي تصدى برلمانيوه لموقف وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الرقمي القاضي بمراجعة أو إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا. لقد فضل الحزب ونوابه الدفاع عن المصالح الاقتصادية لتركيا وحمايتها ضدا على المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمغرب انسجاما مع عقائدهم الإيديولوجية التي تلزمهم بالولاء للتنظيم الدولي للإخوان وفروعه، وضمنها حزب العدالة والتنمية التركي، على حساب الولاء للوطن.
(يتبع)