السبت 19 يونيو 2021
كتاب الرأي

الحسين بكار السباعي: محتجزو تندوف وضرورة التدخل الدولي

الحسين بكار السباعي: محتجزو تندوف وضرورة التدخل الدولي الحسين بكار السباعي

أزمتنا مع إسبانيا لم تبدأ مع بن بطوش ولن تنتهي مع غيره. وحده الثبات على موقف المغرب الصارم تجاه قضيته العادلة، كفيل بتنبيه وإنذار إسبانيا أن مصالحها مع المملكة المغربية لم تضعها، حكومة مدريد، في ميزان توازن صراع المصالح الدولية، و بغض النظر عن ما يربطها مع اعداء وحدتنا الترابية، وعلى رأسهم الجزائر من اتفاقيات وغيرها، وبغض النظر عن مواقف الجارة الشمالية لما حققه المغرب من تحديات على المستوى التنموي بأقاليمه الجنوبية، ورسم الحدود البحرية والوضع الجيولوجي البحري لجبل تروبيك، الغني بالمعادن النادرة، والذي يدخل ضمن المياه الإقليمية للمملكة، وأخرى سياسية، وعلى رأسها الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه.

 

يبقى صراع المصالح هو سبب استمرار نزاع الصحراء المغربية، فلا اسبانيا تريد حلا للمشكل، ولا الجزائر تسعى إلى التعبير، ولو عن حسن نية وحوار جدي من أجل حل سياسي يرضي الطرفين في إطار مقترح المغرب، وفي خضم تسارع قوى عالمية على الاستثمار بالصحراء المغربية، التي أضحت قطبا اقتصاديا عالميا سيربط المنطقة بإفريقيا والعالم عبر ميناء الداخلة الاطلسي وميناء مهيريز الدوليين، دون أن ننسى ميناء الكويرة الذي سيلعب دورا استراتيجيا بالمنطقة المطلة على الغرب الإفريقي .

 

فقط علينا أن نرجع إلى التاريخ، والأهمية الاستراتيجية للصحراء في بناء الدولة المغربية، "هذه الصحراء هي التي أعطتنا دولة المرابطين الصحراويين، وجدتي خناثة زوجة المولى اسماعيل صحراوية، وأم سيدي محمد بن عبد الله صحراوية، وثلاثة من أجدادي صحراويون من قبائل جنوب الصحراء عن طريق السلالة النسوية، فليست الصحراء مغربية بالأمس فقط ولا المغرب صحراوي بالأمس. وفي الحقيقة، هل نحن الذين سنرجع إلى الصحراء أم أن الصحراء هي التي سترجع إلى المغرب، من أجل هذا أنا مطمئن، وآمل أن تحل هذه المشكلة بأسرع ما يمكن بين إسبانيا والمغرب عن طريق الحوار." من خطاب الملك الحسن الثاني رحمه الله بمناسبة خطاب العرش بتاريخ 3 مارس 1977.

 

إن صراع المصالح أو لعبة تقاطع المصالح في السياسات الدولية، ودون الخوض في النظريات التفسيرية للسلوك الدولي، وعملية فهم وتفسير هذا السلوك، التي ليست بالعملية السهلة بل المعقدة لما تتضمنه من متغيرات كثيرة تؤثر وتحكم طبيعة هذه المعادلة.

 

فلعبة تقاطعات المصالح في السياسة الدولية، صعبة الفهم وتتأثر بثغير الظروف الطارئة بين الدولة التي تتحكم فيها موازين القوى ومدى التأثير والتأثر الناتج عن تغير مراكز الدول داخل المشهدين الإقليمي والدولي، مما ينتج عنه غالبا تفسيرات تكون أحيانا مقبولة ومختزلة وسطحية وأحيانا أخرى غير مقبولة تتجاوز حدود الفهم لمفهوم حسن النية الذي يحكم العلاقات بين الدول.

 

إن اختزال موقف إسبانيا والجزائر والعداء المبيت للمغرب وتغييب مبادى المعاملة بالمثل والمصالح المشتركة التي اسست على الحوار والتفاوض، وهنا أتحدث عن العلاقات بين المغرب واسبانيا، والصراع المزدوج المبني على عقدة العداء الدائم للمغرب من قبل جنيرلات الجزائر الذين يقض مضجعهم كابوس حرب الرمال، هذا الصراع الذي لا يجد له تفسيرا في إطار السلوك الدولي لهذه الحالة  الشاذة (اسبانيا/ الجزائر)، إلا بكونه نوعا من العمالة أو التبعية، وأن حالة العداء أو الصراع الدائر بخصوص ما أجمع عليه الإعلام الإسباني بقضية ابراهيم غالي، والحال أن المشكل أعمق من ذلك بكثير ولم يحض إلا بالنادر من التحاليل الموضوعية من خبراء دوليين لمضمونه، أقول إنه عبارة عن مسرحية لا أكثر صاغ سيناريو وقائعها جنرالات قصر المرادية.

 

 

لا يمكن لأحد أن ينكر ما حققه المغرب من مكتسبات على المستويين الإقليمي والدولي، في إطار دفاعه عن وحدته الترابية، رغم الاخطاء التي ما كانت لتقع لو غلبنا منطق الحوار مع دواتنا أولا، فالنخب المغربية ومنها أبناء الصحراء الذين درسوا وتكونوا في الجامعات والمعاهد الوطنية، ظلت مغيبة لفترة طويلة من وضع تصورها لحل المشكل، وضع أملته المقاربة الأمنية التي نهجها المغرب، لوضع حل للقضية بشكل أحادي الجانب واعتماده على مجموعة اشخاص سمتهم الأعيان وشيوخ القبائل ومنحتهم كل الامتيازات وشجعت قبائل على حساب أخرى وبدرجة تمركزها داخل جبهة البوليساريو، وعلى ذلك منحت المسؤوليات الإدارية (ولاة، عمال، باشوات، قياد...) وأخرى ديبلوماسية (سفراء، قناصلة، ملحقون ديبلوماسيون وغيرهم...). بل تدخلت الإدارة المفروض عليها الحياد لصالح بعض الاشخاص في العمليات الانتخابية (برلمانيون، رؤساء جماعات). فأصبحنا الآن نجني ثمن المقاربة الأمنية التي تميزت بها فترة الوزير المخلوع إدريس البصري، ليس في صحرائنا المغربية فقط بل بالوطن بأكمله...

 

إلى أن جاء حكم الملك محمد السادس، والذي أبى أن تكون قضية الصحراء المغربية قضية كل المغاربة، وهنا سنقف على التحول الهام المتعلق بقضية الصحراء المغربية، والصرامة والاستباقية في التعامل مع ملف وحدتنا الترابية. ليؤكد الملك محمد السادس في خطابه أمام نواب الأمة عند افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة بتاريخ 11 أكتوبر 2013 قوله: "الوقت قد حان لاعتماد أسلوب الهجوم بدلا من الاتكال على الدفاع، واعتماد مقاربة تشاركية ينخرط ويتعبأ فيها الجميع، فالصحراء قضية كل المغاربة دون استثناء".

 

كما يمكن الوقوف على ما تضمنه خطاب الذكرى 39 للمسيرة الخضراء من خطوط حمراء لا يجب تجاوزها في التعاطي الإقليمي والدولي مع ملف الصحراء، لأن لها علاقة بسيادة دولة على أراضيها. ناهيك عن أن أي تفاوض هو تفاوض حول مقترح الحكم الذاتي وهو اقصى ما يمكن للمغرب تقديمه بخصوص قضيته الأولى.

 

إن دور الملك الدستوري الذي يؤطره الفصل 42 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، كضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة، هو ما دفع إلى وجود طفرة نوعية في فرض نوع من الاستباقية والصرامة التي طبعت مفاوضات المغرب أمام المنتظم الدولي وبحضور أبناء الصحراء المغربية كممثلين شرعيين لساكنتها وهو ما عرى الحقيقة الواهية التي حاولت البوليساريو ترسيخها طيلة مدة النزاع بأنها الممثل الوحيد لما تسميه في أجنداتها "الشعب الصحراوي".

 

البوليساريو لم يعد لها وجود إلا في مخيمات تندوف ولدى بعض مطبلي الانفصال، فهي لم تعد تمثل ما يسمونه في اساليب التحريض والدعاية "الشعب الصحراوي" ونتحداها نحن أبناء الصحراء وأبناء المغرب قاطبة، الذين اختاروا من خيرة أبنائهم من يسير جهات الصحراء وجماعاتها الترابية وممثلوها بالبرلمان وجميع المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان من خلال لجانه الجهوية بالعيون والداخلة و جهة كلميم وادنون، أن تقدم إجماعا صحراويا على أنها دافعت عن مصالح الصحراويين وأنها حققت لهم مكتسبات، لم يميز تاريخ الجبهة الوهمية إلا الصراع وتصفية الحسابات بين قياديها ولم تجر إلا الويلات والانتكاسات مع توالي جرائمها على الإنسان الصحراوي، الحقيقة أن البوليساريو فرقة عسكرية من وحدات الجيش الجزائري ومصلحة سياسية بالقسم السياسي بوزارة خارجيتها، هدفها العداء المستمر للمغرب والوقوف ضد نمائه.

 

فالمدعو غالي أو بن بطوش مجرد مواطن جزائري، ومن بقي اليوم معه في مناصب تسيير البوليساريو إما صحراويون من أصول جزائرية، أو مرتزقة من جنسيات بعض دول الساحل والصحراء، يستغلهم جنرالات المرادية في التهريب وجميع انواع الجريمة المنظمة، ووحدهم من يمتلكون الحق في رخص التنقل خارج المخيمات إلى منطقة الرابوني عصب مثلت قندهار الذي تنشط فيه مختلف الجماعات الإرهابية .

 

المغرب مستمر في سياسته الخارجية الصارمة وهو يعلم جيدا أنه لا حل مع البوليساريو ولا حوار معها لأن من وراءها هم المعنيون بكل خطة للحل. فحاجتنا اليوم في ظل تطور الأحداث هي إلى ديبلوماسية هجومية واستباقية لمواجهة كل محاولة للمس بالحقوق المشروعة للمغرب .

كما أن الباحث في نزاع الصحراء المفتعل لن يفوته التساؤل الآتي: لماذا أنشأت البوليساريو مخيما بتندوف وأبقت عليه فوق أرض ليست ذات المطالب بها واحتجزت سكانا لا يحملون وثائق هوية وممنوعين من التنقل؟

 

علينا أن نمتلك الشجاعة وأن نجزم بأن محتجزي المخيمات مراقبين ليل نهار من طرف ميلشيات البوليساريو التي تنتزع منهم أبناءهم، إما لبيعهم لأسر إسبانية أو إدخالهم المدارس الجزائرية لتعليمهم اساليب التحريض والدعاية أو تجنيديهم وهم أطفال للقتال ضد وطنهم الأم.

 

ونتساءل من جديد عن الأسباب غير المقبولة إنسانيا، والتي تسمح بقبول كل هذه الجرائم ضد الإنسانية فضلا عن جرائم الاختطاف والاحتجاز والاغتصاب التي تكاثرت شكايات ضحاياها، والتي اقترفها قادة مرتزقة البوليساريو وعلى رأسهم المدعو ابراهيم غالي، أين كانت المنظمات الحقوقية الدولية؟ ولماذا ابتلعت جمعيات ومنظمات المجتمع المدني بأوروبا وبإسبانيا على الخصوص السنتها وأصابها الصمم أمام صراخ ضحايا قائد عصابة البوليساريو؟ وماذا أصاب القضاء الإسباني؟ ...

ما هو الهدف الحقيقي من هذا السكوت والتواطئ؟

والاهم لماذا تحتجز البوليساريو مواطنين عزل لم تسمح الجزائر للمفوضية السامية لغوت اللاجئين بإحصائهم؟ هل هي ورقة للمقايضة؟

 

الواضح أنه بدون وجود هذه المخيمات، لم يكن ممكنا وجود حركة سياسية وعسكرية تحمل اسم البوليساريو، فوجود هذه الأخيرة رهين بوجود المخيمات نفسها .

ليبقى المتضرر الوحيد هو الإنسان الصحراوي المحتجز الذي عانى ويلات الفقر والتهميش وحرم من حق العودة لوطنه والاستفادة من خيراته وأصبح وسيلة يستفيد منها قادة جبهة البوليساريو للحصول والاستحواذ على المساعدات الإنسانية بتخطيط ومباركة جزائرية .

فحق العودة لجميع محتجزينا الصحراويين بمخيمات تندوف مطلب يجب الدفع به أمام جبهات الصراع الأممية وعلى جميع الأصعدة.

 

- الحسين بكار السباعي، محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان