السبت 19 يونيو 2021
كتاب الرأي

نور الدين السعيدي حيون: العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي من خلال كتابه "مفهوم الدولة" (الحلقة 1)

نور الدين السعيدي حيون: العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي من خلال كتابه "مفهوم الدولة" (الحلقة 1) نور الدين السعيدي حيون (مع مؤلف عبد الله العروي "مفهوم الدولة")

"بفضل علمه بالتاريخ الأيديولوجي للعالم العربي وكذا لأوروبا، وبمعرفته لمناهج التحليل التي كونها العالم الحديث (....) وبفضل تفتحه ويقظته بإزاء كل ما يستحق عناية إنسان ذكي وحر، أخضع (العروي) أهم قضايا العالم الذي ينتمي إليه إلى أعقل تحليل ممكن"، ماكسيم رودنسون.

 

تقديم:

العقلانية هي أن نضع العقل في التاريخ البشري الحاكم على جميع التواريخ الخاصة، وفي الكون البشري الحاكم على جميع الخصوصيات القومية والإثنية واللغوية والثقافية، وقبل ذلك وبعده، هي أن نضع العقل في الإنسان الحاكم على كل أمة وشعب وطبقة وحزب وجماعة دينية أو مذهبية، الإنسان الذي ينتج نفسه في التاريخ وفي العالم، ثم يستعيد موضوعتيهما في ذاته المرة تلو المرة، حتى يغدو التاريخ تاريخه بالفعل والعالم عالمه بالفعل، من دون أن يفتر التعارض بين كونه فردا مسوقا بسائق الحاجة ومواطنا يسعى إلى الحرية والمساواة والعدالة، التعارض الذي لا بد أن ينتهي إلى أن يصير الفرد الواقعي هو المواطن الفعلي. لذلك، فإن أهم تظاهرات العقلانية، في التاريخ الحديث، هي روح المواطنة التي تتجاوز جميع الانتماءات ما قبل الوطنية، أو ما قبل القومية، والتي نمت في كنف الإنسية والعلمانية والديمقراطية المفضية إلى العدالة، بالمساواة أمام القانون. وقد ارتبطت روح المواطنة هذه بالظاهرة القومية التي تجلت عيانيا في المجتمع المدني والدولة القومية، أو الدولة الأمة، بوصفها دولة حق وقانون أولا، ودولة ديمقراطية ثانيا. والدولة القومية غير دولة التعصب القومي الذي يلازم كل قومية، الأولى تبدو لجميع مواطنيها من الداخل في صورة دولة حق وقانون، وتبدو لغير مواطنيها، من الخارج، في صورة دولة قومية. أما الثانية فتبدو لمواطنيها، من الداخل في الصورة ذاتها التي يراها غير مواطنيها من الخارج، أي إنها دولة ليست لجميع مواطنيها، بل لجزء منهم فحسب.

 

ولعل من أهم مظاهر العقلانية في السياسة الاعتراف بإفرادية الواقع، وبعدم إمكانية السيطرة على التنوع والاختلاف اللذين يسمانه باستمرار، بخلاف ما تسعى إليه أنظمة الحكم الشمولية من إلغاء التنوع والاختلاف، ومن ثم إلغاء أي نوع من أنواع المعارضة وأي درجة من درجاتها، وتحويل المواطنين إلى كائنات شمولية (توتاليتارية) تستجيب لأوامر السلطة. إن عقلانية السياسة هي وحدة الفكر والأخلاق والسياسة.

 

والعقلانية هي الاعتراف بنسبية الحقيقة، وإمكان خطأ الذات. وهي من ثم الاعتراف بأن العناصر اللاعقلانية تنمو في كل وضع مخصوص، بلا استثناء، حتى تبلغ الأزمة، ما لم يكن ذلك الوضع المخصوص موضوعا لنقد الفكر الذي قد يغني، ويجب أن يغني، عن نقد السلاح. إن تلازم الحق والباطل كتلازم الوجود والعدم، فكلما نما الوجود تقلص العدم، وبالعكس. وكلما نمت الحقيقة تقلص الوهم والباطل وبالعكس. وهل من العقلانية الحديث عن وجوب استقرار الأزمة واستمرارها؟

 

بلى، إن دولة الإكراه والتكريه والكراهية ضرورية تاريخيا لانفجار الأوضاع من الداخل انفجارا لا يبقي ولا يذر، ضرورية لفعل الانتحار الجماعي، لأنها تدمر كل شيء ثم تدمر نفسها .

 

العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي من خلال كتابه "مفهوم الدولة":

لقد أنجب لنا المغرب قامات فكرية عظيمة لها إرثا فكريا لا يضاهى ولا يقاس، كما ونوعا، ولعل أبرزهم المفكران الكبيران؛ المرحوم الفيلسوف محمد عابد الجابري، وقيدوم المفكرين المعاصرين عبد الله العروي. في زمن أصبح فيه الفكر الجدي في أوساطنا المثقفة ظاهرة نادرة. فإن أحصينا بمقياس العطاء والجودة مفكرينا المعاصرين، لم نجد أي تعب في عدهم، فهم يعدون على رؤوس الأصابع. ونحن إذ نبحث في عالم الفكر المغربي المعاصر من خلال قامتان فكريتان قل نظيرهما، لثقافتهما الواسعة، والتي تقوم على منطق متماسك ومعقول، قادر على أن يجعلونا نفكر في حياتنا وقضايانا الشائكة. وهذا ما اعترف لهما به نقاد محنكون، ومنهم "ماكسيم رودنسون" على سبيل المثال لا الحصر. الذي قال في تقديمه لكتاب "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" في حق العروي: "بفضل علمه بالتاريخ الأيديولوجي للعالم العربي وكذا لأوروبا، وبمعرفته لمناهج التحليل التي كونها العالم الحديث (....) وبفضل تفتحه ويقظته بإزاء كل ما يستحق عناية إنسان ذكي وحر، أخضع (العروي) أهم قضايا العالم الذي ينتمي إليه إلى أعقل تحليل ممكن".

 

وبناء على هذا كله اعتبر العروي عند الكثيرين من المشتغلين بالفكر الإنساني، ومنهم الأستاذ سالم حميش؛ حيث اعتبره رجل الفكر والتاريخ بامتياز. في زمن يرى يقول عنه: "إن إحدى الصعوبات التي تواجه المثقف المسؤول اليوم تقوم في ماهية الموقف الذي عليه أن يتخذه أمام التراكمات الثقافية وتنوع حقول المعرفة... والظاهر أن محاولة النظر في هذه المسألة تطيب وتتيسر صحبة مفكر باحث كالأستاذ العروي الذي أعطى لها أجوبة عملية بالتأليف الرصين والتحرك الفكري المتزن .

 

أما شهرة مؤرخنا بين عموم المثقفين وما صاحبها من "قراءات" وضجات، فهي تعزى، في نظرنا، إلى صنفين من الأعمال أقدم على تحقيقها وهو مستند إلى ثقافته التاريخية ومعرفته بالمناهج الحديثة وأهم اللغات الأجنبية، وهي:

1- أعمال ذات تنظيرية تركيبية: الايديولوجيا العربية المعاصرة، أزمة المثقفين العرب، العرب والفكر التاريخي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، والاسلام والحداثة.

2- أعمال ذات توجه تحليلي تعليمي: مفهوم التاريخ، مفهوم الايديولوجيا، مفهوم الدولة ومفهوم الحرية.

 

ولد عبد الله العروي يوم 7 نوفمبر 1933، في مدينة أزمور المغربية، لعائلة كان لها سلطة ونفوذ بالمنطقة في القرن الـ 19، لكن لم يبق لها إلا بضعة أملاك واسم أطلق على حي في المدينة (درب العروي)، وقد توفيت والدته وهو في سن مبكرة. درس عبد الله العروي المرحلة الابتدائيـة والإعدادية في أزمور، ثم في مدينة مراكش، وحصل على البكالوريا في ثانوية مولاي يوسف بالرباط عام 1953. سافر إلى فرنسا لدراسة العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية في باريس، وتزامن حصوله على الإجازة (البكالوريوس) مع حصول المغرب على الاستقلال. واصل دراسته العليا ونال دبلوم السلك الثالث في التاريخ عام 1958، وحصل عام 1963 على شهادة "التبريز" في الإسلاميات. ساعدته إقامته في الولايات المتحدة الأميركية -مدرسا (1967-1972)- على الاحتكاك بالثقافة الأنغلوسكسونية المبنية على التجريب والبراغماتية. حصل عام 1976 في السوربون على دكتوراه الدولة عن أطروحة "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912". تقاعد عن التدريس عام 2000 وتفرغ للتأليف والفكر .

 

شغل مناصب متعددة، عمل أستاذا جامعيا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأستاذا زائرا في عدة جامعات فرنسية وأميركية، ومستشارا ثقافيا في السفارة المغربية بالقاهرة وباريس، كلفه الملك الحسن الثاني بشرح أبعاد وأهداف معاهدة الاتحاد العربي الأفريقي مع ليبيا في صيف 1984. ونال عضوية أكاديمية المملكة المغربية في أبريل 1985، وعضوية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في ماي 1990 إلى ديسمبر 2002.

 

عرف بانشغاله بهموم المجتمع والفكر رغم تقدم سنه، وسجل حضوره ومواقفه بقوة في القضايا والجدالات الكبرى التي تشغل المجتمع المغربي والعربي، وآخرها موقفه الرافض لمقترح استعمال اللغة الدارجة في التعليم، معتبرا إياها عملية انتحارية. وعاش تجربة سياسية بدأت في صفوف اليسار، ورافق المهدي بن بركة فترة غير قصيرة، وسافر معه في إطار حركة عدم الانحياز إلى عدد من الدول الغربية، كانت بصمته واضحة في صياغة تقرير "الاختيار الثوري" الذي قدّمه بن بركة للمؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1962. ترشح في يونيو 1977 للانتخابات التشريعية في الدار البيضاء باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، واختار بعدها أن يترك السياسة ويتفرغ للتدريس الجامعي وحقل الفكر والمعرفة، معتبرا أن من اكتسب تجربة سياسية عليه أن لا يحترفها لأنها ليست مهنة، متأثرا في ذلك بالتجربة الأميركية.

 

تركه للسياسة بالمفهوم الحزبي لم يحل دون قيامه بأدوار سياسية في التسعينيات، من قبيل موافقته على تكليف الملك الحسن الثاني له بالاتصال باليسار الفرنسي عام 1990 و1991، واستثمار علاقاته القديمة معه لتجاوز أزمة توتر العلاقات المغربية الفرنسية حينئذ. سعى لدى اليسار الأوروبي بشكل عام لإيقاف الحملة الإعلامية والسياسية على المغرب، ورافق الملك محمد السادس لما كان أميرا/ وليا للعهد، وكأنه يجرب إمكانيات الدرس الماكيافللي في المغرب. في زيارات أفريقية وآسيوية وأوروبية، ورحل إلى بلدان أوروبية كوسيط فاعل في أكثر من أجهزة وزارة الخارجية الرسمية، ليركن في الأخير في محرابه الجامعي والفكري.

 

الدكتور عبد الله العروي، مؤرخ ومفكر وروائي مغربي، انشغل بالسياسية بضع سنوات ثم تركها وتفرغ  للفكر والتدريس. فتمثل توجهه الفكري، في ربط تحقق النهضة العربية بنقد فكر التراث واستيعاب فكر الحداثة، وركز أكثر على دراسة التاريخ، من أنصار القطيعة المعرفية مع التراث العربي/الإسلامي وضرورة تبني قيم الحداثة الغربية باعتبارها قيم إنسانية يدافع عن التوجه التاريخي باعتباره معبرا عن "وحدة" و"تقدم" الإنسانية وعن الماركسية في صورتها الفلسفية الحداثية. وقد برز ذلك بوضوح في كتبه، إذ انشغل أكثر بمسألة المنهج في تحليله ومعالجته لقضايا الفكر العربي وإشكالاته. أغنى المكتبة العربية والفرنسية بأكثر من 30 مؤلفا.

 

سنة 1967، ستكون فارقة في مسار عبد الله العروي. إنها نكبة العرب وصدور كتاب "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" في طبعته الفرنسية وبتقديم لـ "ماكسيم رودنسون". إنه مبتدأ الصناعة الفكرية الثقيلة في حقل الفكر العربي عامة. والذي سيليه مؤلف "العرب والفكر التاريخي" فـكتاب "أزمة المثقفين العرب". مؤلفات ثلاثة سترمي ولأول مرة بشكل عميق بالفكر العربي في مسارات غير متوقعة وجريئة. إعادة قراءة للفكر الغربي ولمفكري النهضة العربية والسلفية المغربية. وقلب لإشكالاتها. من الماركسية التاريخانية، ومن النبش في التراث والبحث فيه عما يلائم العصر إلى ضرورة القطع معه من حيث هو أساليب ومناهج للبحث الفكري. ومن التقليد إلى اختيار الحداثة، ومن التردد بين الأصيل والمعاصر إلى اختيار الانخراط في منطق العالم الحديث والذي هو منطق أوروبا الغربية من القرن 15 إلى القرن 19، ومن تجزيء اختيار الدولة الحديثة إلى ضرورة اختيارها في كليتها وبطل مستلزماتها العقلانية والديمقراطية والمؤسساتية والفكرية.

 

سيصدر عبد الله العروي أطروحته حول "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية"، والتي لا يمكن لأي باحث في السوسيولوجيا أن يتغافلها. وبما أن سوسيولوجيا المجتمع المغربي محكوم عليها بأن تكون سوسيولوجيا تاريخية، (محمد قبلي في الوسيط وعبد الله العروي في القرن التاسع عشر). بين المؤرخ المحلل للمعطيات والوقائع والمواقف والمفكر المؤسس والفاحص للمفاهيم (الأيديولوجيا، الحرية، الدولة، العقل،..) والمثقف الفاعل والمتدخل في قضايا الأدب والاجتماع والسياسة والفكر...

 

ظل العروي، وما زال، صاحب نفس الاختيار الفلسفي (الحداثة بدل التقليد) والنظري (التاريخانية بوصفها: ثبوتا في قوانين التطور التاريخي ووحدة في اتجاهه من الماضي نحو المستقبل وإمكانية لاقتباس ثقافة وفكر الآخر بحكم وحدة الجنس البشري وفعالية المثقف والسياسي في إمكان إنجاز الطفرة واقتصاد الزمن) والمنهجي (العقلانية العلمية المعتمدة على التجربة والاستقراء) والفكري (تعرية عوائق التحديث المجتمعي والسياسي).

 

اختيار الحداثة من طرف العروي، لا تجزيء فيه ولا تعايش بين ما ينتمي إلى أسسها الفلسفية والقيمية وما ينتمي إلى ما يغايرها. إنها تشبع بمقولات الفكر الغربي الحديث الأساسية: عقلانية وتقدم ونقد ومسؤولية الإنسان نفسه، وتعرية في الآن نفسه لكل ما يعيق إنجازها؛ تعرية ونقد للأطروحة التي تعتبر أن الحداثة متجاوزة بحكم أن الغرب ذاته قفز إلى ما بعدها. يقول العروي: المجتمعات العربية لا يمكنها القفز فوق مرحلة الحداثة. إنها قدر لا فكاك منه. وهي تفنيد للظن الذي يحسب أن التطبيق الشكلي والانتقائي للأسس السياسية والقيمية للحداثة كاف للعبور إلى عوالمها، إنه الخطأ الأكبر، حسب العروي، فالتحول إلى الحداثة يتطلب حضورها في العمق، أي على مستوى تفكير المجتمع والدولة، مجتمع يبتعد في تعليمه وقيمه وسلوكاته عن المعتقدات الغيبية والتقليدية، ويقطع مع منح الأولوية للاسم على الفعل لغة وسلوكا؛ مجتمع يرفع كل ما يعيق تحرير الفرد من مختلف التبعيات السياسية والاجتماعية والعشائرية والفكرية، وكل ما يعيق حرياته المدنية والسياسية في الواقع، وما يحول بينه وبين التفكير الحر والعقلاني العلمي. ثم دولة حديثة لا مجال فيها لتحقيق تحولات جزئية (ديمقراطية، ليبيرالية، مجتمع مدني...) إلا بعد إقامتها وإرسائها كدولة حديثة. اختيار الحداثة والقطع مع التقليد هو اختيار الطريق الذي ليس من دونه بد: الطريق الذي سارت فيه المجتمعات الإنسانية. سيتعرض هذا الاختيار، حسب العروي، لمقاومات كثيرة، لكن من دونه سنظل نقول كل شيء إلا ما يهم حاضرنا ومستقبلنا. هكذا كان عبد الله العروي.. "إكليل الصناعة الثقيلة في الفكر المغربي".

 

تجاوزت مؤلفاته الثلاثين واهتمت بالتاريخ والفلسفة والفكر والرواية والسيرة الذاتية، وهي باللغة العربية والفرنسية، منها "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، يعد هذا الكتاب "بصريح العبارة هو محاولةٌ جادَّة للحديثِ عن الأنوار والخروجِ من التقليد والعقيدة والمَذهب". و"العرب والفكر التاريخي"، و"أزمة المثقفين العرب"، و"أصول الوطنية المغربية"، و"مفهوم الأيديولوجيا"، و"من ديوان السياسة". وقد كتبت عن مؤلفاته عشرات المقالات، منها "المثقف الانتقائي بين الدولة والديمقراطية"، و"العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي". حصل عبد الله العروي عام 2000 على جائزة كاتالونيا بإسبانيا، كما نال جائزة المغرب للكتاب عامي 1990 و1997. ورغم كل هذا سترفضه الجامعة المغربية في البداية، ليلتحق بها مدرسا لعلم التاريخ فيما بعد ويقضي بها حياته العلمية، غير العروي المواقع كثيرا لكنه لم يغير المواقف...، إن من بين أهم مؤلفات وأبحاث أستاذنا عبد الله العروي، والتي جعلناها أرضية أساسية لدراسة العقلانية السياسية في فكره، كتاب: "مفهوم الدولة".

 

يبحث المؤلف في مفهوم الدولة ومتلازمتها: الدولة-الأخلاق، الدولة-الحرية، حيث تبقى الحرية خارج الدولة طوبى خادعة وأن الدولة بلا حرية ضعيفة متداعية… يأتي البحث متأن في هذه المتلازمات التي لا يمكن تحقيقها في آن، ولكن هذا لا يعني أن هذا مستحيلا بالنسبة للمؤلف الذي تناول هذه الجوانب في كتابه هذا.

 

لا يخفى على الباحث في فكر عبد الله العروي وجود نظيمة تشد فكر الرجل، بحيث من السهل عليه أن يرى وشائج وتعالقات بين عدة مفاهيم، مثل مفهوم الحرية ومفهوم الدولة ومفهوم العقلانية، ذلك أن لا حرية إلا داخل الدولة ولا حرية إلا الحرية العقلانية المسئولة... وهو ما سينعكس على مفهوم "الدولة" نظرا لوجود علاقات بين المفاهيم تصل حد التلازم، ذلك أنه لا دولة حديثة إلا الدولة الديمقراطية ولا دولة حديثة إلا دولة الحرية والعقلانية...، ولقد أدمجنا مفهوم الدولة في العقلانية، نظرا لأننا نرى أن هناك ثلاثة مفاهيم مركزية تشد فكر الرجل، وهي الحرية والفردانية والعقلانية بتجلياتها في السياسة والاجتماع والطبيعة، ولقد اخترنا لهذا البحث موضوع العقلانية السياسية، ممثلة في مفهوم الدولة، تناولنا لمفهوم الدولة لوحده في العقلانية السياسية، لسببين اثنين: أحدهما، يتعلق بطبيعة الموضوع، ذلك أننا فضلنا دراسته لوحده حتى يتسنى لنا أن نبين أين يمكن أن "يقطع" مفهوم الدولة الحديثة مع مفهوم الدولة التقليدية، أما السبب الثاني، فهو أن العروي خصص للمفهوم كتابا خاصا به، ولم يلحقه بكتابه عن مفهوم العقل، هذا مع العلم السابق أن المفاهيم مرتبة عند الأستاذ العروي.

 

إن القرن 18، هو القفزة التاريخية التي غيرت أوربا بكاملها، ففي هذا القرن تم إحداث قطيعة مع الماضي ومع التاريخ أيضا. عبد الله العروي كان يفكر مليا في إعادة سيناريو القرن 18 في المغرب خاصة والعالم العربي عامة. لأن القرن 18 قد طرح مشكلات عديدة، وهذه المشكلات هي التي ساهمت في تطوير الفكر الأوربي. هذا القرن ليس مرحلة زمنية مرت مرور الكرام فقط، بل كان التواء كبيرا عرفته البشرية. القرن 18 هو قطيعة رسمية مع التقليد ومع الماضي. وجاء هذا القرن بعدة مفاهيم جديدة كانت ضد مفاهيم الماضي نذكر منها: العقلانية ضد التقليد، الحرية ضد العبودية، الإخاء ضد الأحقاد.

 

عبد الله العروي في كتابه "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" يطرح مسألة أفق القرن 18. عبد الله العروي يقدم وصفا جميلا للقرن 18، ففي هذا القرن تم تأسيس مبحث الأنوار؛ حيث يقول: "نودِّع المطلقات جميعها، نكفُّ عن الاعتقادِ أنَّ النموذج الإنساني وراءنا لا أمامنا، وأنَّ كل تقدمٍ إنما هو في جوهره تجسيدٌ لأشباحِ الماضي وأنَّ العلم تأويلٌ لأقوالِ العارفين وأنَّ العمل الإنساني يعيدُ ما كانَ ولا يبدعُ ما لم يكن". العروي هنا أفصح عما في جعبته من أفكار، وكان همُّهُ الأساسي الذي يتضحُ لنا من خلال هذه القولة أنَّ عبد الله العروي يسعى جاهداً للقطيعة مع الماضي واستقلال فكرهِ وأيديولوجيته، لأن العقيدة والتقليد والمذهب هي عائق أمامَ الفكر التنويري والحداثة  .

 

منذ صدور كتاب "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" سنة 1967 صارت الحداثة هي الخيط الناظم والفكرة المحورية التي يدور حولها فكره كله والتي يتم فحصها وتقليب مختلف عناصرها وأوجهها، لقد أكد عبد الله العروي على أهمية تنمية الحداثة كركيزة مركزية يتمحور حولها مشروعه الفكري ويقول في هذا الصدد: "إن ما كتبت إلى الآن يمثل فصولا بالمدلولين الزمني والمكاني من مؤلف واحد حول مفهوم الحداثة". لأن الكتب التي أصدرها حول المفاهيم (الإيديولوجيا، الدولة، الحرية، التاريخ، العقل...)،  ليست إلا بغرض تعميق النقاش كما أنها تندرج في نطاق مفهوم شامل ومهيمن على الكل هو بالطبع "مفهوم الحداثة". العروي منذ بداياته كان ينتج المفاهيم: (الأيديولوجيا، أنموذج، الأقصوصة...)، من خلال هذه المفاهيم نفهم أن العروي كان يسعى للخروج من قوقعة المألوف والانفتاح على أشياء أخرى.

 

الهوامش :

1- العقلانية في السياسة، شوهد في: 16/6/2020، في http://hem.bredband.net/b153948/articel35.htm

2- العقلانية، نفسه.

3- العقلانية، نفسه.

4- سالم حميش، معهم حيث هم، مجلة بيت الحكمة، الدار البيضاء: مطبعة النجاح، 1988، ص 30.

5- حميش، معهم، ص 30-31.

6- حميش، معهم ، ص31.

7- موسوعة الجزيرة، فضاء من المعرفة الرقمية، 27/10/2014، شوهد في: 15/3/2020، في https://www.aljazeera.net/encyclopedia/

8- موسوعة الجزيرة، نفسه.

9- موسوعة الجزيرة، نفسه.

10- موسوعة الجزيرة، نفسه.

11- موقع كتب عبد الله العروي، شوهد في: 19/3/2020، في https://www.goodreads.com/book/

12- نورالدين الزاهي، سوسيولوجيا المجتمع المغربي: عبد الله العروي.. إكليل الصناعة الثقيلة في الفكر المغربي، سلسلة دفاتر، ع 3، ج 1، أبريل-ماي 2020، شوهد في: 12/5/2020، في https://mupresse.com/

13- الزاهي، نفسه.

14- الزاهي، نفسه.

15- عبد الرحمان بووشمة، العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي: مفهوم الدولة بين التقليد والحداثة، نشر في طنجة الأدبية يوم 18 - 05 – 2009، شوهد في: 10/5/2020، في https://www.maghress.com

16- موسوعة الجزيرة، نفسه.

17- الزاهي، نفسه.

18- موقع كتب العروي، نفسه.

19- عبد الرحمان بووشمة، العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي: مفهوم الدولة بين التقليد والحداثة، نشر في طنجة الأدبية يوم 18 - 05 – 2009، شوهد في: 10/5/2020، في https://www.maghress.com

20- سفيان البراق، فكر عبد الله العروي، شوهد في: 22/3/2020، في http://mubasher.aljazeera.net/

21- البراق، نفسه.

22- البراق، نفسه.