الجمعة 17 سبتمبر 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (26)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (26)

بينما نحن نيام في المرأب، قام ألكسندر من فراشه في جنح الليل وأخذ يمشي وهو نائم جيئة وذهابا لعدة مرات. رفسني بقدمه فاستفقت مذعورا أصرخ فيه لكنه لم يعبأ لصراخي، كان يمشي ويتحرك لا إراديا. يعاني الشاب البولندي من اضطرابات نفسية عميقة. اقترب منه صديقه بوريس وأمسك بيده بلطف وأعاده إلى فراشه. ربت على كتفه وكلمه بصوت خافت. ألكسندر لا يحرك ساكنا لأنه غائب في نومه ولا يسمع أحدا، بدأ يفرك عينيه ويخلع عنه ملابسه دون وعي. بوريس يعرف صديقه جيدا وعلى علم بمرضه، كان يعاني من حالة السرنمة. شيئا فشيئا بدأ يستفيق ويستعيد وعيه. أمعن النظر في وجه بوريس وسأله: أين أبي؟ وفجأة انغمس في نوبة بكائية وطفق يصرخ: أبي أبي أين أنت؟ كان مشهدا مؤلما. ضمه بوريس إلى صدره كطفل صغير فقد أباه للتو. كان يبكي بحرقة بالغة. ظل ينادي أباه لبضعة ثوان لكن لا أحد يرد عليه في هذه الليلة المعتمة.

 

منذ اليوم الأول لاحظت حركات ألكسندر الغريبة، لم يكن اجتماعيا، وجهه شاحب طوال الوقت. كان انطوائيا إلى أبعد الحدود. شاب في ريعان شبابه لكنه مريض يعاني كثيرا. لم يتحمل صدمة فقدان أبيه الذي قتل رميا بالرصاص في شوارع وارسو. كان والده عضوا ناشطا في نقابة "تضامن" البولندية.

  

جاك ونتاشا لم يكونا منسجمين كثيرا مع البولنديين والأتراك. كان هناك حاجز نفسي يمنعهما من ذلك، لست أدري لماذا. على عكس علاقتهما بجورج الإفريقي وزوجته التي كان يطبعها الود والاندماج.

بطبعهما الاجتماعي وخفة دمهما انسجم جاك ونتاشا معي ومع جوصيه ورفائيل بشكل لافت. أصبحنا جميعا أصدقاء. لما علم جاك أنني على وشك مغادرتي العمل بمزرعة والده دعاني وزملائي البرتغاليين لزيارة جامعة كينت في رحلة استكشافية قصيرة. لم أكن أدري إن كان ذلك بإشارة من والدته ريتا أم لا، لأنها وعدتني بإقامة حفل مأدبة عشاء على شرفي، حفل وداع تكريما لي لقطاف التفاح في ضيعتهم.

 

في اليوم التالي استقلنا السيارة وصرنا نشق طريقنا تجاه الجامعة. أخذنا مكاننا نحن الثلاثة في مقاعد خلفية. انطلق بنا جاك وصديقته يعبران بنا الريف الإنجليزي عبر طرق ومنعرجات ضيقة. اخترقنا حقولا خضراء وغابات كثيفة من أشجار تفاح وإجاص، استمتعنا في طريقنا بمناظر ريف أخاذ، على مبعدة أربعين كيلومتر فقط تقع مدينة كانتربري على مرتفعات هضاب خضراء.

 

ما إن وصلنا إلى مدخل الجامعة، حتى تملكني الشغف لاستكشاف نمط الدراسة في الجامعات البريطانية والتجول بين بناياتها. بدت علي ملامح إعجاب وانبهار، وقفت مشدوها لبرهة أنظر إلى مساحات خضراء مترامية الأطراف، وكأنني أشاهد ملاعب غولف تتوسطها بنايات ساحرة هي أقرب ما تكون للفنادق. اقتربت مني نتاشا وأخذت تلقي علي لمحة تاريخية عن جامعتها الفاخرة. قالت: جامعة كينت ليست كباقي جامعات بريطانيا العتيقة مثل أكسفورد وكامبريدج، فهي جامعة حديثة العهد تأسست سنة 1965. قلت لها هذا واضح من تصاميم الهندسة ومعمار البنايات. أضافت: يطلق عليها أيضا الجامعة الأوروبية لأنها الجامعة البريطانية الوحيدة التي تضم مراكز بحوث ودراسات في: بروكسيل، أثينا، روما وباريس ويقصدها آلاف الطلبة من شتى بلدان العالم. كانت السنة الدراسية للتو بدأت، فضاء الجامعة يعج بالطلبة، أرى من حولي يابانيين، هنود، عرب وأفارقة سود إضافة إلى أوروبيين. يجلس الطلبة فوق العشب على شكل حلقات دائرية يتذاكرون. يستمتعون بأوقاتهم في هواء طلق، بعضهم مستلق على عشب أخضر ويتعانقون في أوضاع حميمية. يطلون على كاتدرائية كانتربري التاريخية التي يقصدها السواح من كل مكان. إنها كاتدرائية ضخمة انطلقت منها دعوة الحروب الصليبية بقيادة رتشارد قلب الأسد، وتعد مقر رئيس كنيسة الأنجليكان بإنجلترا إلى يومنا هذا.

 

خلت نفسي أتجول وسط منتجع سياحي شاسع، سيما لما استوقفتني لوحة فنية مثبتة على جدار البهو، لوحة تسمى "الصرخة" بريشة فنان نرويجي يدعى إدوارد مونك. على جانب مقابل صور عديدة معلقة تفخر بها الجامعة لمشاهير وشخصيات تخرجوا منها كالفيلسوف "ألان كارتر" والصحافي "بيتر وايت". وكمعلومة مضافة فقد فاز منذ سنوات قليلة كاتب بريطاني من أصل ياباني يدعى "كازو إشيغورو" بجائزة نوبل للآداب وهو أحد خريجي جامعة كينت.

 

رأيت صالات للرياضة.. مسرح.. سينما.. مقاهي.. مكتبات.. ومحلات للتسوق وكأنك تتجول في مدينة مكتملة المرافق. استدرت نحو نتاشا وسألتها ما المغزى من وجود أبناك في حرم جامعي؟ ردت علي: هنا يقطن عشرات الآلاف من طلبة أجانب يستلمون تحويلات مالية سخية من حكوماتهم، خاصة أن بعضهم ينحدر من عائلات نافذة وغنية، إضافة إلى طلبة محليين يتلقون أيضا دعما ماديا ومنحا من الحكومة البريطانية. استبد بي فضولي فسألتها كم تدفع لكم الحكومة كمنحة؟ فصعقتني بجوابها لما قالت أكثر من ثلاثة آلاف جنيه في السنة، عندئذ قفز ذهني إلى وسط مدينة تطوان حين كنا نقف خارج الخزينة في طوابير طويلة مثل اللاجئين، ننتظر لسحب مبلغ هزيل كل ثلاثة أشهر. لو علمت نتاشا ما يدور في خلدي وأنا أقارن بين وضعها كطالبة في إنجلترا ووضعي كطالب بالمغرب لأغمي عليها من هول ما ستسمع. حجم فقرنا ومأساتنا سيصيبها بالدوار. كانت جامعتنا حديثة التأسيس لكنها خارج التصنيف العالمي كباقي الجامعات المغربية، تمتلك بنية تحتية متهالكة ولا غرابة إن كان التحصيل العلمي ضئيلا جدا. كان الألم يسكن قلوبنا من حيث السكن والتغذية، كنا نخفف على نفوسنا من وطأة الألم بتلك الأجواء الحميمية التي تسري بين الطلبة. يظل تفكيرنا مشتتا بين مشاغل الدراسة وطريقة صرف المال القليل الذي بحوزتنا، هزالة المنحة التي نتقاضاها كانت تدفعنا نحو الاقتراض لسد حاجياتنا، كنا نمضي أسابيع طويلة نلتهم الخبز الحافي، أحيانا نأكله مدهونا بمربى الفراولة عند دكان المختار، الذي كان بدوره متفهما لأوضاعنا، فيقوم بتدوين المصاريف في كنانيش ديون رديئة ريثما تصل المنحة القادمة. إنها أشياء لن يفهمها جاك ونتاشا مهما حاولت شرحها لهما بالتفاصيل، فهما لم يجربا المعاناة والحرمان في حياتهما من قبل، فكيف لهما أن يستوعبا أنني كنت أتناول نفس الوجبة ثلاث مرات في اليوم، كسرة خبز مدهون بمربى الفراولة ألتهمها طيلة أيام على التوالي، حتى صرت أحلم بصناديق المربي تنتصب أمامي في منامي، حينما أنظر إلى المرآة أجد لون وجهي ازداد احمرارا، وأنفي استحال إلى حبة فراولة. أحلم أني أتجول بين أحراش حقول فسيحة، أركض بين الأشجار فأصعدها إلى القمة، أفتح ذراعي وأطير مثل طائر النورس ينفض البلل عن جناحيه ليحلق في السماء. حسنا فعلت نتاشا حين أحجمت عن سؤالي. الإفرنج لا يطرحون أسئلة غبية مثلنا ولا يقحمون أنوفهم في حياة الآخرين.

 

بعدها عرج بنا جاك على مدرج المحاضرات فبدا لي كقاعة برلمان، ثم أخذنا الى مكتبة عملاقة تحوي صفوفا طويلة من الكتب. عندما رأيت أروقة متراصة من الكتب تخيلت أمامي صفوف أشجار تفاح ممتدة على طول المزرعة. ظل جوصيه مشدوها مثلي تحت تأثير جمالية ورونق جامعة كينت. قال لي إن جامعة لشبونة أقل رقيا وتطورا مما يراه. ولربما سيفكر لاحقا في الانتقال إلى هنا لدراسة الماجستر بعدما يحصل على إجازته في علم الاجتماع.

 

مشينا على مهل نحو الحي الجامعي حيث يقيم جاك ونتاشا. خلت نفسي في فندق مصنف. جناح إقامتهما مكتوب عليه  "كمبوس تونبريدج".

غرف تضم أسرة فاخرة، دولاب جميل وحمام رائع خاص مع كل مستلزمات الدوش. تحسرت كثيرا وكدت أبكي لما تذكرت نفسي في حمام قسم الداخلي بمعهد بطنجة. كنت أستحم بدوش بارد في غرفة استحمام رديئة خال من الباب. صفير رياح قوية كان يصم أذني حين يخترق شباك مكسور. مع مرور الأيام كانت تختفي أبواب دورات المياه على التوالي.

 

حدث أن كنت أتجول مع صديقي هاشمي بسوق "كاسابراطا" للبضائع البالية فوقعت أعيننا على أبواب خشبية معروضة للبيع. كانت تشبه كثيرا أبواب دورات مياهنا بالقسم الداخلي، مصبوغة بدهان زيتي أبيض. سألنا صاحبها من أين اقتنيت هذه الأبواب؟ فرد علينا أنه اشتراها من عند رجل يدعى احميدو. التفت نحو هاشمي أسأله: هل سمعت بهذا الاسم في المعهد؟ فرد علي بتلقائية: منظف المراحيض يدعى أحمد، فقلت له ساخرا: يا احمد يا احميدو "كيف كيف"، كلاهما يدل على نفس الشخص في عرف أسمائنا. ضحك هاشمي وقطب حاجبيه وانصرفنا نردد معا: يا احمد يا احميدو... "كيف كيفّ"!...