الثلاثاء 18 يناير 2022
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (23)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (23) عبد الصمد الشنتوف
في الصباح، أشرقت الشمس وافترشت قلب السماء بعد أيام من الغمام. منظر الشروق يرسم لوحة بديعة على سهول وتلال هورسماندن. لما ترخي الشمس بأشعتها على الحقول تزداد مزرعة "كوركانس" سحرا وجمالا . لقد حملت معها تفاؤلا وأملا جديدا في حياتي.
إنه يومي الأول في عملي بالريف الإنجليزي، أشعر وكأن الحياة أخذت تبتسم لي من جديد بعد أسابيع من التسكع في شوارع لندن.
في هذا الصباح الجميل ستبدأ الحياة بإشراقات مضيئة وتعانق خيوطه كل أرجاء السماء.
سأحن إلى مقهى كازابلانكا ، سأحن إلى ملجأ كروبي وهمومي، سوف أفتقد مجالسة المهاجرين المغاربة والاستماع إلى تجاربهم ومشاكلهم، سأفتقد مرويات صديقي عبدالله وحكاياته بلكنته الجبلية المشوقة.
كانت الساعة تشير إلى الثامنة إلا ربع ، تنتظرنا شاحنة الجرار على أطراف الضيعة للذهاب إلى العمل، المحرك شغال ودافيد ممسك بمقوده يحثنا على الصعود . وجدت شخصين لم أراهما من قبل جالسين فوق العربة ، زوجان من غانا في نهاية العشرينات من عمرهما يقطفان التفاح مع دافيد كل موسم منذ سنوات عديدة . جورج شاب إفريقي نحيف ذو أنف أفطس ، شفتين غليظتين وأسنان شديدة البياض . زوجته إليزابيث نحيفة مثله بشعر أشعت "مشعكك" وأسنان غير متراصة، متجهمة الوجه، تبدو وكأنها للتو فرغت من شجار عنيف مع زوجها. تأكد لي أن مجموعتنا تضم إحدى عشر قاطفا وليس تسعة كما كنت أظن .
الزوجان الإفريقيان يقطنان بغرفة رديئة مجاورة للمرأب، أما الحمام والمطبخ فهما مشتركان فيما بيننا . امتطيت العربة وأخذت مكاني بجانب جوصيه ، بدأ التيجاني يحدثني عن أنواع الحقول والضيعات التي سنشتغل فيها ، يقول بعضها يحوي أشجارا باسقة تتطلب السلالم لقطافها، جوصيه يسميها ناطحات السحاب، وأخرى أشجار قصيرة يسهل قطف ثمارها وأنت واقف مكانك فوق الأرض . اكتمل الجمع وأقلع بنا دافيد يقود الجرار تجاه ضيعة التفاح ، دافيد معروف بين سكان المنطقة كفلاح محترف يجلب العمال من خارج البلاد ويتولى القطف كل موسم عبر عقود يعقدها مع معظم الفلاحين بإقليم كينت. أخذ الجرار يخترق بنا طرقات ضيقة ومنعرجات ملتوية على حواشيها أشجار وارفة الظلال . طبيعة خضراء أخاذة وحقول التفاح منتشرة في كل الجهات . مررنا ببعض الوديان والتلال التي تفصل القرى الجميلة عن بعضها البعض . هدوء ساحر وغابات تمتد في أطراف السماء . عندما أمد بصري نحو الحقول لا أرى سوى أشجار التفاح بكل ألوانها وأشكالها، وكأنك في جنة فاكهتها التفاح.
إذا كان الكرز "حب ملوك" حقول إقليم صفرو بالمغرب ففاكهة التفاح "ملكة جمال" ضيعات إقليم كينت بإنجلترا .
وصلنا إلى ضيعة شاسعة تضم آلافا من الأشجار المنتظمة في صفوف متراصة وكأنها كتائب جنود في جيش عرمرم . عندما تمد بصرك تراها مقسمة على أشكال شوارع طويلة . منح دافيد كل واحد منا سترة من ثوب بني ، نرتديها فوق أكتافنا وتحوي جيوبا واسعة لتحميلها بالتفاح مع معيار خشبي يتوسطه ثقب دائري ، دافيد يصر على قطف التفاح الذي لا يخترق الثقب ، فهو التفاح الذي يكون قد أينع قطافه .
انتشرنا في الضيعة كالذباب وأخذنا نتسلق السلالم . بدأ كل واحد منا يقطف أشجاره، عندما تكون متسلقا شجرة عالية يجب تحميل الجيوب المخصصة لذلك على الجهتين بشكل متساو حتى لا تفقد توازنك فتسقط على الأرض . إنه عمل يتوقف على القوة البدنية وتوازن الجسد.
جسدي لم يخذلني اليوم أمام دافيد لما احتجت إليه في قطف التفاح ، ليس كالكتب واللغة الفرنسية التي خذلتني أمام الأستاذ هنري خلال المباراة .
هدفي المرسوم في ذهني هو تحميل مائة صندوق حتى أتقاضى أربعين جنيها . جورج الإفريقي يملأ مائة وأربعين صندوقا في اليوم . يتسلق الأشجار بخفة عالية دون الحاجة إلى السلالم . زوجته إليزابيث تملأ أكثر من مائة صندوق بقليل ، فهما متدربان على تسلق الأشجار العالية بمهارة بالغة ، متعودان على الصعود إلى قمم الأشجار الاستوائية بإفريقيا . لما أصعد الدرج الخامس من السلوم يكون جورج وزوجته قد سبقاني وتربعا جالسين على قمة أشجارهما يجنيان التفاح بسرعة فائقة . يمسك جورج بتفاحة فيقضمها ، يقول إن التفاح الانجليزي طعمه حلو ولذيذ . أشجار التفاح لا تنبت في غانا . بل هو متعود على تسلق أشجار الكاكاو والمانجو وقطف فاكهتها اللذيذة.
عندما يمتطيان قمم أشجار التفاح الباسقة يتصايحان ويتبادلان أطراف الحديث في مواضيع شتى . يتلصصان النظر إلى بعضهما عبر فتحات الأغصان وأوراق الشجر ، يتحدثان عن أحوال بلدهما وأطفالهما بغانا ، كما يرسمان خطة دراسة لأبنائهما بإحدى البعثات التبشيرية البريطانية هناك . مع نهاية موسم القطف يعودان إلى إفريقيا محملين بكل أنواع الهدايا لأطفالهما وأفراد عائلتهما.
جورج وإليزابيث يدينان بالعقيدة المسيحية . فهما ملتزمان بالشعائر الدينية ويقصدان الكنيسة كل صباح يوم أحد .
ذات مرة رافقتهما لأستكشف الكنيسة البروتستانية، طلبت من جوصيه أن يرافقنا فامتنع لأنه كاثوليكي ولا يعير للمسيحية أي اهتمام، كانت ثاني مرة في حياتي أدخل الكنيسة.
جلسنا في الصفوف الأخيرة وأسندنا ظهورنا إلى كراسي خشبية مستطيلة . عدد الرواد قليل ولا أرى سوى بعض العجائز من سكان البلدة . راقني مشاهدة فريق كورال يرتدي لباسا موحدا ويردد ترانيم إنجيلية على إيقاع موسيقى عذبة وكأني في إحدى دور الأوبرا .
أول مرة أعلم أن البروتستانت لا يعتمدون في صلواتهم وطقوسهم الدينية على المجامر والبخور ، لكنهم يلتقون مع الكاثوليك في طقوس ما يسمى "أفخارستيا" ويطلقون عليها أيضا اسم "القربان المقدس"، وهو تذكير بالعشاء الأخير الذي تناوله المسيح بصحبة حوارييه عشية آلامه . طقوس تتم بصيغة تناول قطعة صغيرة من الخبز يسمونها (البرشان) التي تمثل جسد المسيح تغمس في قليل من الخمر الذي يمثل دم المسيح.
صعد الكاهن منصة مزخرفة تشبه المنبر وأخذ في إطلاق تراتيله وصلواته ممسكا بعصا ذهبية على شكل صليب . دنوت من رأس جورح لأسأله بصوت خافت : ماذا يقول الكاهن ؟ ، فرد علي : إنه يدعو للبشرية جمعاء بالمحبة والسلام وتخليصها من كل الشرور . فقلت له ولكن شرور العالم مصدرها الإنجليز أنفسهم أليس كذلك ؟
نظر إلي بوجه متجهم وأضفت قائلا: ألم يقتلعوا شعب فلسطين من أرضه ومنحوا الأرض لقوم لقيط من صهاينة العالم ؟ فأومأ برأسه معترضا على كلامي قائلا : دعنا الآن من السياسة يا "سام" فنحن في موضع خشوع وصلاة.
عندما كنت طفلا صغيرا مررت بجانب كنيسة ديل بيلار بالعائش ، كان الباب مشرعا والإسبان متسمرون على كنبات خشبية خاشعين في صلواتهم . استبد بي الفضول أن أقتحم الباب لاستطلاع المشهد الغريب عني . وما إن ولجت باب الكنيسة حتى لفحت وجهي موجة بخور قوية تصعد من مبخرة معدنية يحملها الكاهن، كان يرتدي عباية طويلة بيضاء مع قلنسوة سوداء يضعها على رأسه ، وسلسلة فضية لامعة تطوق عنقه تحمل صليبا على صدره . لما لمحت عيناي تماثيل ومجسمات المسيح ومريم العذراء أصبت بدوار ورهبة شديدة . تخيلتها أصنام قريش محفورة في مخيلتي كما وصفها لنا الحليمي فقيه الكتاب (المسيد) .
عدا الأخير كان يمقت الأصنام ويذمها بنعوت قبيحة ، يحذرنا من الاقتراب منها وإلا سيكون مأوانا النار وبئس القرار . كنا نصدق فقيهنا المبجل الذي يضربنا بقضيب الرمان الطويل . حدث مرة أن عاقب الفقية زميلي عسو بالفلقة فأمر برفعه على الأكتاف وأخذ يضربه على أسفل قدميه بعنف ، كنت أرى عسو محمولا في الهواء كالخروف يصرخ بقوة، ولم يستطع الوقوف على قدميه بعد ذلك في مشهد غارق في السادية. ما لبث زميلي عسو يترنح في مشيته لمدة طويلة ومع ذلك ظل وفيا يقبل يد فقيهنا طوال السنة ب"المسيد".
خرجت من الكنيسة مفزوعا وكأن بي مسا من الجن ، فأطلقت رجلي للريح أركض سريعا، كنت مرعوبا، لما ألتفت ورائي كنت أتخيل الأصنام تركض ورائي، كادت تمسك بي لولا لطف الله . كدت أبلل سروالي من شدة الخوف، لم أتوقف عن الركض حتى وصلت منزلنا متصببا عرقا بحي جنان قريوار . أطلعت أمي على ما شاهدت داخل الكنيسة فصرخت في وجهي ! عاتبتني بشدة على فعلي المتهور، وهددتني بوعيد نار جهنم التي قد أكوى بها إن عاودت هذا الفعل مرة ثانية . منذ ذاك الحين وأنا أتوجس المرور بجانب أسوار الكنيسة فضلا عن الاقتراب من رصيفها أو مدخلها.
أحيانا كان جورج وإليزابيث يطلقان أصواتا غريبة من أعلى الشجرة. يرددان أغان وأهازيج إفريقية فولكلورية . كانا متفانيين في عملهما وعلاقتهما وطيدة بدافيد بشكل ملفت.
حينما نفرغ من العمل على الساعة الرابعة مساء، كنا نقوم بالرحلة نفسها إيابا على عربة الجرار مخترقين نفس الطرقات والمنعرجات. لما نصل قلب الضيعة يكون لولو في انتظارنا . نهبط من العربة تباعا فيسرع الكلب فرحا نحو التيجاني وكأنه سيده . كان يحضنه ويحن عليه كثيرا ثم يأخذه في جولة فسحة .
ذات مرة حاول جورج احتضان "لولو" ومداعبته لكن الكلب تبرم منه وتوجه نحو التيجاني مبصبصا بذيله من فرط الانشراح ، فتحسر جورج وأخذه الحرج أمامنا . سألت التيجاني : لماذا أعرض لولو عن جورج هل هو كلب عنصري يمقت السود ؟ ، فرد علي: وهل تراني رجلا أبيض ؟، فأنا أيضا أسمر البشرة ، فلو كان عنصريا لما اقترب مني أيضا . ضحكت من رد التيجاني وقلت له : إذا كان لولو ليس عنصريا فما سر تبرمه من جورج ؟ فأجابني قائلا : كل ما في الأمر أنه ذات مرة بادر جورج بأخذه معه في جولة فسحة فتسلق شجرة تفاح باسقة وصعد بالكلب إلى قمة الشجرة . كان جورج يقصد بفعله هذا إمتاع لولو بإطلالة خلابة على البلدة ، لكن حصل ما لم يكن في الحسبان . انفلت الكلب المدلل من بين يديه وسقط متدحرجا بين الأغصان حتى وقع على الأرض . أصيب لولو برضوض وكسور في رجله اليسرى . طفح الحزن على وجه بريتا وأخذته إلى مصحة بيطرية للعلاج . ظل التيجاني وفيا لصديقه لولو يتردد عليه كل مساء حاملا معه باقة ورد إلى أن تعافى وغادر المصحة أضحى لولو متعلقا بالتيجاني أكثر، ولم يعد يحتمل رؤية جورج، كلما رآه قادما من جهة اليمين نبح عليه وفر منه إلى جهة اليسار...