السبت 19 يونيو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (20)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (20) عبد الصمد الشنتوف وفي الصورة يسارا يظهر الريسوني

حينما اعتلى الريسوني المنصة ليخطب في الفلاحين، بدأ الصفير والصياح يجلجل في السماء، زحفت جماهير سوق ريصانة نحو المنصة تهتف بقوة: "عاش محمد الخامس"! أصيب الباشا بارتباك شديد، أخذ الجنود في إطلاق النار لإيقاف الزحف، اشتبكوا مع مجموعة مسلحة مسنودة بجماهير ملتهبة، لحظتها أدرك الباشا أنها النهاية، لقد ولى زمن الاستعمار إلى غير رجعة، استقل سيارته مع أحد أعوانه الأوفياء يدعى "ولد الرياحي" وفر بجلده هاربا نحو مدينة سبتة. أصبحت العرائش تعيش فراغا في السلطة. لم يعد لها حاكم يحكمها، حل قانون الغاب، وانتشرت الفوضى في كل مكان.

 

احتشد جمع غفير من المتظاهرين وسط المدينة. اشتعل فتيل حرب التخوين بتحريض من سياسيين مناوئين للباشا، وانطلق مسلسل الانتقام من خصوم جلهم من حاشيته وأنصاره. لا صوت يعلو على صوت الحزب الواحد.

 

وسط هذه الأجواء المشحونة برز صوت متظاهر يدعى "شويشو" قيل أنه كان مدينا ببعض المال لعجوز يدعى "السوماتي"، عجز عن تسديده فدبر له مكيدة ورماه بتهمة الخيانة حتى يتخلص منه.

 

توجه المتظاهرون نحو درب الديوان المفتوح بالمدينة العتيقة. درب يشبه نفق طويل مظلم يحد نهايته ضوء خافت. وجدوا باب منزل العجوز مغلقا، اهتدوا إلى فكرة الهجوم من البيت المجاور حيث يقطن الطفل الحسين، فاقتحموه عنوة متسللين عبر السطح.

ظل الطفل ذو السبع سنوات مرعوبا يرقب رجالا هائجين يقتحمون بيته. لا يستوعب ما يحدث أمام عينيه. ولا يدرك معنى نفحات الاستقلال التي بدأت بتصفيات جسدية.

رغم أن العجوز كان منهكا طريح فراش مرضه، إلا أن القتلة لم يشفقوا عليه ولم يتورعوا عن تصفيته. كان الطفل مفزوعا يرقب كل شيء عبر فتحة الشباك. سحل المتظاهرون الضحية وجروه نحو ساحة إسبانيا. خرج الطفل من البيت يركض ويهتف وراء الجماهير الغاضبة. كانوا يرددون هتافات هستيرية وكأنهم في موسم احتفال بإحدى الزوايا. في مشهد غارق في الهمجية والتوحش، سكب المتظاهرون البنزين على جثة العجوز، علقوها على إحدى أشجار الساحة، ثم أضرموا النار فيها على وقع صيحات الأطفال وزغاريد النساء.

ظلت ماريا زوجة أنطونيو ترقب المشهد الفظيع من داخل محل فطائر "شورو" المطل على الساحة. سقطت مغشيا عليها. لم تتحمل المشهد الموغل في الدماء. فلفظت أنفاسها على الفور.

 

شخص آخر يدعى حمادي متهم بالتعاون مع الريسوني قبض عليه المتظاهرون وصبوا عليه البنزين. كان فارع الطول برأس ضخم وجسد بدين، طوقوا عنقه بحبل متين. راحوا يطوفون به ساحة إسبانيا على أنغام الطبول في مشهد يحبس الأنفاس. أرغموه على شتم نفسه، أخذ المسكين يردد بصوت حزين خفيض: "حمادي بوروساين" لعدة مرات. يخبط التطواني بعصا غليظة على رأسه يحثه على رفع صوته. فيتداعى له الرجل وهو المغلوب على أمره، كان يرتعش من فرط الخوف. كاد المتظاهر عبدالحق أن يولع جسده بعود كبريت لولا وصول الباشا الملالي بشكل مفاجئ، جاء حاملا معه رسالة من السلطان تدعو الجماهير الثائرة إلى التهدئة. فخلص حمادي من موت محقق.

 

جلست مشدوها أستمع بشغف فائق إلى رواية المهاجر الحسين. إنها نفس الحكاية الشهيرة التي يرويها العرائشيون في مجالسهم عن هذه الأحداث الأليمة. كان درسا جديدا من دروس التاريخ الشفهي تلقيته عن مدينتي. لم يكن الحسين كباقي المهاجرين، فهو المهاجر الوحيد المتعلم الذي التقيت به في لندن. وربما الوحيد الذي حصل على الباكالوريا قبل هجرته بداية السبعينيات. كان ناشطا في مدينته يلعب ضمن فريق البريد لكرة القدم. جل المهاجرين هنا أميون أو بالكاد يقرأون ويكتبون.

يقول الحسين:

 ظل مشهد مقتل جارنا عالقا في ذهني طوال حياتي، خلف في نفسي جرحا غائرا، خصوصا وأني عشت يتيم الأب. والدي للتو كان قد توفي سنة واحدة قبل حدوث هذه الفاجعة. كان السوماتي رجلا مسالما يساعد الناس على قضاء حوائجهم، يقرضهم من بعض أمواله كلما لجأوا إليه. أما والدي فكان رجلا قوي البنية يمارس رياضة الملاكمة مع الإسبان، فانتدبه الباشا ليصبح حارسه الخاص يلازمه أينما حل وارتحل. فلو أمد الله في عمره لربما كان مصيره مثل مصير جارنا لا محالة. لأن التنكيل كان عشوائيا، والإعدامات نفذت خارج القانون على أساس تصفيات حسابات ضيقة.

 

عند قدوم المهاجرين المغاربة إلى غرب لندن أواخر الستينيات، بدأوا يتجمعون بمنطقة كنزنغتون، معظمهم من مدينة العرائش وضواحيها. تصدر المهاجر مصطفى المشهد كونه يتحدث الإسبانية بطلاقة، كان ينسق بين رفائيل موزع عقود العمل بالعرائش وماسكوط صاحب مكتب الخدمات بلندن، هذان الرجلان لعبا دورا رئيسيا في جلب المئات من المهاجرين المغاربة إلى بريطانيا.

بحكم نشاط مصطفى واحتكاكه بالمؤسسات البريطانية اهتدى إلى فكرة تأسيس جمعية "النادي الاجتماعي" ترعى مصالح مهاجرين مغاربة جدد. منحته بلدية كنزنغنون بناية من ثلاثة طوابق ودعما ماديا سخيا لصرفه على برنامج الجمعية، الشيء الذي أسال لعاب مهاجرين آخرين تلمسوا طريق منافسته بعدما تعلموا اللغة الانجليزية.

لسبب ما، لم ترق هذه الجمعية القنصل "بنيس" الذي كان يتابع الأحداث باهتمام بالغ، مع العلم أن جمعية النادي كانت مدعومة ماديا من طرف الإنجليز، ومعظم المهاجرين بسطاء أميون لا يشكلون أي إزعاج للسلطة المغربية. بل على العكس لما انتقلوا إلى بريطانيا جلبوا معهم صور الملك وعلقوها على جدران بيوتهم تعبيرا عن ولائهم للعرش داخل وخارج الوطن. إذن لماذا كان يصر السيد القنصل على إقحام نفسه في نشاط المهاجرين؟ لست أدري.

 

بعد مرور بضع سنوات سيظهر اسم مهاجر آخر يدعى الحسين في الساحة، ليطرح فكرة إغلاق النادي وإنشاء ودادية بديلة بايعاز من القنصل، كان يطمح في رئاستها مع بعض رفاقه، فانقسم المهاجرون إلى فريقين: فريق مصطفى صاحب الجمعية يضم (الصبار، الراشي، بوجتيف...) وفريق الحسين مع مناصريه ( العسيلي، طرابلسي، الحمومي...) يسعون لتأسيس أول ودادية للمهاجرين ببريطانيا.

 

تطور الأمر إلى تحرشات ومناوشات عنيفة بين الفريقين. ما فتئت عيون القنصل تحصي أنفاس الجميع وترقب كل شيء عن كثب. أخيرا تم إغلاق الجمعية وتم تعيين الحسين على رأس أول ودادية في لندن. أصبحت الأمور تسير وفق رغبة القنصل ومساعديه.

وضع الحسين يده في يد بنيس بعدما صار يده اليمنى وأخذ يتحرك وفق تعليماته، قيل إن الودادية كانت مجرد واجهة تمرر بها السلطة أجنداتها تحت شعارات شتى، ذلك أن الهاجس الأمني كان حاضرا بقوة، كانت السلطة تهدف إلى إبقاء أنشطة الجالية تحت ضوء المراقبة. لبث الحسين على هذا المنوال إلى أن حصل على وسام ملكي سنة 1985 عرفانا بجميله وخدماته التي أسداها للجالية كما يدعي.

 

في معظم الأوقات كنت أرى الحسين يتجول حاملا معه محفظة جلدية في شارع غولبورن رود، يستوقفه مهاجرون مغاربة طلبا لاستشارات قانونية أو لمراجعة رسائل حكومية. كنت أظنه موظفا بإحدى المؤسسات، لكن الحقيقة أنه كان طالبا يدرس شعبة "الخدمات الاجتماعية" بإحدى معاهد لندن، في حين ظل زملاؤه يشتغلون في الفنادق ومطاعم الطليان. كان مهاجرا ذكيا وطموحا، بعدما حصل على الدبلوم تبوأ منصبا في الحكومة البريطانية يشتغل كخادم اجتماعي بعيدا عن صخب الوداديات ودسائسها.

 

في المساء، يرتاد المهاجرون مقهى كازابلانكا ويتواصلون فيما بينهم بعد ساعات مضنية من العمل، بعضهم لا يشتغل، تظل مؤخراتهم طيلة اليوم ملتصقة بكراسي خشبية يلعبون الورق و"بارشي". سألت صديقي محسن: لما لا يأتي الإنجليز إلى هذا المقهى فيما نراهم يتزاحمون داخل مقهى لشبونة البرتغالي المجاور؟ صعقني برد ساخر: الذباب لا يعيش مع النحل في مكان واحد، فهمت من كلامه أن مهاجرينا يصعب عليهم الاندماج في مجتمع أوروبي مغاير في ثقافته ونمط عيشه.

 

يلتقي بوغالب مع صديقه العياشي كل يوم في المقهى، ينغمسان في لعبة "ضاما" بخشوع شديد، ويترددان سويا على مسجد غولبورن لأداء الصلوات. العياشي مهاجر كسول لا يشتغل، يتظاهر بعاهة صحية في عموده الفقري، على إثرها حصل على شهادة طبية تعفيه من العمل ويتقاضى أجرا إضافيا من الحكومة على عاهته. بوغالب بدوره يقبض مساعدة مالية كونه عاطلا عن العمل، لكن مركز الشغل يلاحقه برسائل مزعجة تحثه على البحث عن الشغل. وهذا يؤرقه لأنه يشتغل عند ألبيرتو صاحب مطعم إيطالي بدون تصريح ليتقاضى أجره نقدا، فهو إذن يتقاضى أجرين. نصحه زميله العياشي بأن يحذو حذوه ويتظاهر بمرض مزمن كي يستريح من ملاحقة رسائل الحكومة.

 

استحسن بوغالب الفكرة وأخذ يفكر في طريقة متحايلة لنيل مساعدة إضافية. قلت: عندما يتعلق الأمر بالمال والمصلحة تذهب الصلوات والقيم أدراج الرياح ، هكذا يتصرف معظم الناس.

اهتدى بوغالب إلى فكرة الجنون والخلل العقلي. أعد خطة ذكية مع صديقه العياشي، فقرر أن يراجع طبيبه ويحكي له مرضه وجنونه. يقول إنه يسمع أصواتا غريبة تطن في رأسه وتدعوه إلى الانتحار، انطلت حيلته على الطبيب فقرر إحالته إلى جهات مختصة. لما عرض نفسه على الطبيب المختص أجرى له فحصا واسترسل بوغالب في أداء دور تمثيلي بارع. يقول أن نوبات صرع جنونية تنتابه في بيته فيشرع في الصراخ وتكسير أواني المطبخ وكأنه ثور هائج، ادعى أنه يرى كلابا تطارده داخل العيادة فطفق يصرخ: أنقذوني أنقذوني! أدى مسرحية متقنة وارتمى في حضن الطبيب أندرو ليؤكد له حمقه وجنونه.

 

رق أندرو لحاله فأرسله إلى جناح مراقب بمستشفى "إيلينغ" للأمراض العقلية كي يخضع للعلاج .

اعتقد بوغالب أن الأمر يتعلق بيوم أو يومين ويغادر إلى حال سبيله، ظن أنه نجح في مسرحيته الغبية وحصل على مبتغاه ، لكنه أخطأ حساباته، امتد الأمر لأسابيع طويلة حتى ضاق ذرعا وأخذ يفكر في كيفية الخروج من هذه الورطة الصعبة.

طلب من إدارة المستشفى إحالته على الطبيب مجددا حتى يبوح له بكل شيء ويستريح. لما فرغ من حديثه تأسف له الطبيب أندرو كثيرا وأمر بإرجاعه إلى نفس الجناح لتلقي العلاج اللازم. غضب بوغالب وجن جنونه، فطفق يصرخ بأعلى صوته: يا دكتور انا عاقل عاقل! لست مجنونا! قصدت بمسرحيتي هاته الحصول على مساعدة مالية فحسب. اندهش الطبيب من كلام مريضه ونظر إليه بأسف، زم شفتيه من هول ما يسمع من حمق، فرد عليه مواسيا وهو الواثق من حمقه: كل ما ترويه يا بوغالب يؤكد لي أنك ما زلت مريضا، حالتك ازدادت استفحالا، كيف لشخص سوي أن يصنع كل هذا من أجل حفنة من المال؟!

 

في تلك الأثناء دخل الحسين على الخط بعدما راجعته زوجة بوغالب لتخليص زوجها من هذه المصيبة .

اتصل الحسين بالطبيب أندرو بصفته مترجما وخادما اجتماعيا، شرح له عقلية المهاجرين الجشعة وهوسهم بجمع المال عبر التحايل. أخذت تنجلي الحقيقة أمام أعين أندرو واقتنع بشروحات الخادم الاجتماعي، فاقترح الإدلاء برسائل تزكية من عند المشغل ألبيرتو وبعض جيران بوغالب، تؤكد حسن سيرته وسلامة عقله. طفحت الفرحة على وجوه الجميع وارتضوه حلا مناسبا، لكن ثمة صدمة قوية ألمت بهم بعد ذلك، عندما راجع الحسين صاحب المطعم رفض ألبيرتو تسليمه الرسالة لأن بوغالب يشتغل بدون تصريح، فيما تنكر العياشي لصديقه الحميم وقلب له ظهر المجن، تأفف منه حفاظا على مصالحه وإيثارا لسلامته.

 

 اشتعل قلب بوغالب غيظا من سلوك صديقه. ما برح يهاتفه من المستشفى باستمرار، يذكره بما قال الله وقال الرسول لثنيه عن قراره المخجل، عند اشتداد غضبه يشرع في سبه عن خذلانه. ظل العياشي يرتاد المقهى، يجلس وحيدا هائما على وجهه، في حين ظل بوغالب يهاتفه كل مرة ليشتمه، لأنه تخلى عنه وكان سببا في ورطته الأليمة داخل مستشفى المجانين...