الاثنين 14 يونيو 2021
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: حب الـــوطن

أحمد الحطاب: حب الـــوطن أحمد الحطاب
حب الوطن فكرةٌ أو شيءٌ معنوي، أي شيء لامادي و لا ملموس نجده فينا وفي كل ما يحيط بنا. بل إن حب الوطن إحساس وشعور ينبعان من أعماق الوجدان ويسكنان عقولَنا وأحشاءنا في غفلة عنا. حب الوطن فِطرة  تولد معنا وتنام في كياننا. فِطرةٌ مجبول عليها كل مَن مشى على تراب وطنه وتنفَّست رئتاه هواءَه و خَبِرَ عطاءَ ودفءَ صيفه وخريفه وشتائه وربيعه وجباله وهضابه وسهوله.
وإذا كان حب الوطن محدودا جغرافياً، فإنه حِسِّيا وعاطفيا لا حدودَ له بحيث يصاحِبنا هذا الحب أينما حللنا وارتحلنا. وحب الوطن ما هو إلا تعبير عن انتمائنا لأرض هذا الوطن وعن إخلاصنا لمبادئه وقِيمه الإنسانية،  قولاً وفعلاً، فكراً، سلوكاً وعملاً. وحب الوطن يجعلنا، في كل وقت وحين، مستعدين للدفاع عنه وعن وحدته و استقراره واطمئنانه لأخير رمق. حب الوطن، حب لا مشروط.
وحينما أقول إن حبَّ الوطن حبٌّ لا مشروط، فهذا معناه أن الذي يحب وطنَه مستعد للعطاء دون أن يأخذ وإذا أخذ، فإنه يأخذ من باب الحقوق والواجبات. الوطن مِعطاء لكنه مقابل هذا العطاء، ينتظر من بناته وأبنائه أن يساهموا في تقدُّمه و رُقيه وازدهاره. فحب الوطن هو تبادل الأخذ و العطاء. 
غير أن هناك فئة من الناس، أفرادا وجماعاتٍ، لا يرون في الوطن إلا تلك الكعكة التي يجب أن يأخذوا نصيبَهم منها و بدون مقابل. الأفراد، وما أكثرهم، يعطون الأولوية لأنانيتهم ولأشباع جشعهم غير مكترثين بما قد يلحق الوطنَ من أضرار. ما يهمّهم هو الحصول على نصيبهم من الكعكة وأكثر. وليذهب حب الوطن إلى الجحيم. ولا نحتاج إلى مِجهَرٍ لتأكيد وجود هذا النوع من الأفراد. إنهم موجودون في كل الفضاءات و الأماكن، الرسمية منها و غير الرسمية. 
أما الجماعات، فهي أشكال و ألوان، وغالبا ما تكون منظمةً على شكل لوبيات. فهناك لوبيات مهنية و هناك لوبيات تجارية و هناك لوبيات اقتصادية… وهناك لوبيات سياسية. وإذا تواطأت هذه اللوبيات، يصبح حب الوطن في خبَرِ كان، بل و يحلُّ محلَّه حبُّ المصلحة الشخصية والمادة والجشع و الأهواء… وليذهب حبُّ الوطن إلى الجحيم. ولا نحتاج إلى مِجهَرٍ لتأكيد وجود هذه اللوبيات. إنها تؤثث كل مرافق الحياة العامة، الرسمية منها و غير الرسمية، و تعِث فيها فساداً.
فما معنى أن يتخلَّى هؤلاء الأفراد وهاته اللوبيات عن حب الوطن و تَعويضه بأنانية المصالح الشخصية؟
ما يمكن قولُه في هذا الصدد هو أن بلادَنا فشلت فشلاً مثيرا للانتباه في بناء الإنسان المغربي، الإنسان المُشبَّع بالقِيم الإنسانية وعلى رأسها حبُّ الوطن. والفشل يتحمَّله الجميع : المجتمع، الأسَر، المدرسة، السلطات العمومية، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني… لأن الأمرَ يتعلّق بقِيمةٍ مشتركة فيها مصلحة وعِزَّة البلاد.
و إذا كان حبُّ الوطن فِطرةً نائمة في وِجداننا، فإن هذه الفطرة في حاجة لمَن يُقوِّيها ويجَيِّشها. و كل طَرَف له دورٌ يلعبُه في هذا الشأن. السلطات العمومية دورُها هو محاربة الفساد محاربةً صارمة. الأحزاب السياسية التي كانت في الخمسينيات والستينيات عبارةً عن مدارس في الوطنية patriotisme، تخلَّت عن دورها في تجييش حب الوطن، كما كانت في الماضي، من خلال الإنتاج الأدبي والأناشيد والأغاني والفن بصفة عامة. المجتمع المدني دوره هو نشر الوعي لكن الوعي المقترن بحبِّ الوطن من خلال أعماله الميدانية و مشاريعه المحلِّية.
أما المدرسة، فهي ركنُ الزاوية في هذا الصدد. فعوض أن تحشوَ الأدمغةَ بالمعارف الجافة فلتنكبْ على بناء الإنسان المغربي المُحبِّ لوطنه حبا أساسُه علاقاتٌ مبنيةٌ على العطاء والأخذ و على مبدأ الحقوق والواجبات. فكيف لمدرسةٍ يُقال أنها تُعِدُّ الأجيال القادمة للاندماج في المجتمع و في سوق الشغل، دون أن تُعزِّزَ و تقوِّي حبَّ الوطن عند هذه الأجيال؟ 
نحن جيل الأربعينيات و الخمسينيات، كنا نعيش حبَّ الوطن في كل مكان : في المنازل، في الشارع، في الصُّحف، في المسرح، في الأحاديث، في المناسبات الوطنية… وفي المدرسة. لا أزال أتذكر جيدا، لما كنتُ تلميذا في الابتدائي، ما كان يقوم به بعض مُعلِّمي اللغة العربية من خلال تحفيظنا أناشيدَ ومحفوظاتٍ مشحونةً بحبِّ الوطن. كنا نحفظها عن ظهر قلب ونردِّدها بكل فخرٍ واعتزازٍ. أين نحن من هذه الفترة التي كان فيها حبُّ الوطن مُكوِّنا من مُكوِّنات الحياة اليومية؟