الأربعاء 28 يوليو 2021
سياسة

محمد سالم عبد الفتاح: التوتر المصاحب لقضية استقبال إسبانيا لإبراهيم غالي لن يعكر صفو العلاقات بين البلدين

محمد سالم عبد الفتاح: التوتر المصاحب لقضية استقبال إسبانيا لإبراهيم غالي لن يعكر صفو العلاقات بين البلدين الأستاذ محمد سالم عبد الفتاح (يمينا) وزعيم ميليشيات البوليساريو إبراهيم غالي

في إطار الفضيحة السياسية التي شهدتها إسبانيا، وأسالت الكثير من المداد وردود الأفعال، وذلك إثر استقبالها لـ "الجلاد" إبراهيم غالي، زعيم ميليشيات البوليساريو، بدعوى الاستشفاء تحت هوية مزورة وجواز مزور؛ ارتأت "أنفاس بريس" أن تفتح بابها لاستقاء وجهات نظر بعض ضحايا انتهاكات جبهة البوليساريو، وكذا بعض النشطاء الحقوقيين والجمعويين بخصوص هذا الموضوع...

وفي ما يلي وجهة نظر محمد سالم عبد الفتاح، الكاتب العام لمركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية من خلال هذا الحوار:

 

+ باعتبارك متابعا للشأن الحقوقي والسياسي بمخيمات تيندوف، كيف يمكن شرح ملابسات القضية المرفوعة على زعيم البوليساريو؟

- في حقيقة الأمر هناك أكثر من شكاية مرفوعة ضد زعيم البوليساريو ابراهيم غالي، تشمل تهما خطيرة من قبيل الاختطاف والقتل والإخفاء القسري والاعتقال خارج القانون، إلى جانب الاغتصاب والتعذيب، لكن أهم هذه الشكايات هي تلك المرفوعة من طرف الجمعية الصحراوية لحقوق الإنسان باسم ثلاثة من ضحايا انتهاكات البوليساريو وذويهم ممن يحملون الجنسية الاسبانية، وهم الحسين بيدا، كاي سيدي يوسف وسعداني ماء العينين ابنة الضحية المتوفي نتيجة مضاعفات التعذيب الذي تعرض له في سجون الجبهة الشيخ السلامة ماء العينين.

وقد شملت هذه الشكاية أكثر من 100 ملف متكامل لأكثر من 100 ضحية أخرى من ضحايا جرائم التعذيب المرتكبة من طرف البوليساريو، تتضمن شهادات وملفات طبية ومختلف تفاصيل وملابسات عديد الانتهاكات الجسيمة التي تورطت فيها قيادة الجبهة، لكنها شملت أيضا 26 عنصرا مشتكى به معظمهم من العناصر القيادية والأمنية في البوليساريو، بعضهم يحمل الجنسية الإسبانية، إلى جانب جنسيات أخرى، بالإضافة إلى بعض العناصر الأمنية والمخابراتية الجزائرية.

 

+ إذن ما الذي حال دون متابعة قضائية في حق هؤلاء المشتكى بهم من طرف القضاء الاسباني أو اعتقالهم؟

- لقد تعاطى القضاء الإسباني مع الشكايات المرفوعة بشكل جدي، خاصة وأن إسبانيا سبق لها المصادقة على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، والتي تتيح للقضاء الإسباني متابعة قضايا الاختطاف والتعذيب والقتل خارج القانون، بغض النظر عن أماكن حدوثها. إلا أن هناك بعض التعقيدات، من بينها أن بعض المشتكى بهم يحملون أكثر من جنسية، ما يعني في معظم الحالات أكثر من اسم وهوية، وصعوبة إثبات الصفة، لكن تلك التعقيدات لم تحل دون تبني الشكاية من طرف القضاء الإسباني أول الأمر على يد القاضي المعروف «بالتازار غارسون» الذي قبل الدعوى القضائية، وهو ما حذا بإبراهيم غالي الذي كان يشغل منصب ممثل الجبهة في مدريد إلى مغادرة الديار الإسبانية مباشرة رغم حمله للجنسية الإسبانية، ليتم تعيينه آنذاك في منصب سفير الجبهة بالجزائر.

لكن رفض المتابَعين المثول أمام القضاء الإسباني لم يحل دون توجيه استدعاء رسمي إلى غالي في 16 نونبر 2016، إلى جانب مجموعة الأسماء الأخرى المشتكى بها. كما لم يحل دون سريان القضايا المرفوعة التي لا تزال مفتوحة لدى المحاكم.

 

+ سياسيا، ما مدى تأثر البوليساريو بالتطورات المتعلقة بمرض غالي ومتابعته قضائيا في إسبانيا، خاصة في ظل الوضع الحساس الذي تمر منه الجبهة حاليا؟

- لا شك أن تنظيما شموليا يكرس كل الصلاحيات في يد زعيمه سيتأثر بالغ التأثير بشغور منصب الأمين العام، خاصة في مثل هذه الظروف الحرجة التي تمر منها الجبهة، والتي تتمثل في التوتر السياسي والعسكري الذي تشهده المنطقة، والذي تكبدت فيه عديد الخسائر الميدانية والمعنوية، في مقدمتها تضييعها لمجموعة من الأوراق الاستراتيجية والمكاسب سواء على مستوى المواقع أو العنصر البشري، أضف إلى ذلك الوضع السياسي الحرج الذي تعيشه الجبهة، والمتسم بالتأزم وبتراجع حضور ملف النزاع على مستوى الهيئات الدولية، إلى جانب حالة الامتعاض والسخط الشعبيين اللذين تعيش على وقعهما مخيمات اللاجئين بتندوف نتيجة التذمر من الإجراءات الأمنية المشددة المصاحبة للتطورات الأخيرة، والتي أقرتها البوليساريو في تندوف، وتراجع المستوى المعيشي فيها، فضلا عن ضعف أداء الجبهة العسكري والإعلامي، حيث لا تزال عاجزة عن مجرد إثباتها لخوضها لحرب حقيقية، رغم البيانات اليومية التي تشرف على المائتين التي تصدرها حول ما تصفه بالأقصاف «المركزة» تارة، و"المكثفة"، «العنيفة» و"القوية"... تارة أخرى.

معطيات تؤكد حاجة البوليساريو في الوقت الراهن لشخصية كاريزماتية متوافق حولها من طرف أجنحة الجبهة المتصارعة فيما بينها، تساهم في إخراجها من عنق الزجاجة وتنزلها من أعلى الشجرة التي صعدها غالي منذ إقدامه على خطوة متهورة غير محسوبة العواقب، تتمثل في غلقه لمعبر الكركرات، ثم إعلانه عن تنصله من اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة في ظل التناقضات القَبَلية والاجتماعية التي تعيش على وقعها القيادة، والوضع الحرج التي تمر منه الجزائر، مع عودة نشاط حراكها الثوري إلى الواجهة، وتراجع واضطراب أسعار الطاقة التي يعتمد عليها اقتصادها.

 

+ وماذا عن المغرب، كيف يمكن أن تتأثر العلاقات المغربية الاسبانية بتداعيات تعاطي إسبانيا مع القضية المرفوعة ضد ابراهيم غالي؟

- رغم استدعاء الخارجية المغربية للسفير الإسباني بالرباط، للاعتراض على استقبال إسبانيا لإبراهيم غالي، إلا أن العلاقات المغربية الإسبانية تبقى أعمق وأكثر تشعبا من أن تتأثر بقضية عابرة من هذا القبيل، فكما تعلم فقد باتت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب متقدمة حتى على فرنسا، كما أن هناك عديد الملفات الحساسة التي تجمع البلدين والتي لا يمكن لإسبانيا القفز عليها، في مقدمتها ملف التنسيق الأمني، مكافحة الإرهاب، التصدي للهجرة السرية والجريمة المنظمة، بالإضافة الى ملفي سبتة ومليلية والصيد البحري.. فضلا عن حجم التبادل التجاري والشراكات الاقتصادية والصفقات التي تستفيد منها عديد الشركات الإسبانية في المغرب.

وبالتالي فالمغرب يوظف الأوراق التي في حوزته لأجل الضغط على الإسبان لأجل الدفع بها ومن خلفها أوروبا إلى اتخاذ خطوة مشابهة للخطوة الأمريكية والتطبيع الرسمي مع الوضع القائم بالصحراء، في اتجاه الاعتراف بالسيادة المغربية، رغم اعترافهم الضمني المسجل من خلال دخولهم في عديد الاتفاقيات والشراكات التي تجمعهم مع المغرب والتي تشمل الصحراء. في حين تبدو إسبانيا وبقية القوى الأوروبية الكبرى متوجسة من الوافد الأمريكي الجديد على المنطقة، فقد كانوا إلى عهد قريب يعتبرون المنطقة المغاربية مجالا خالصا لممارسة نفوذهم.

وعليه لن يكون التوتر المصاحب لقضية استقبال إسبانيا لإبراهيم غالي للأسباب التي وصفتها الخارجية الإسبانية بـ "الإنسانية"، سوى سحابة صيف عابرة، تنضاف لسحب أخرى من قبيل تأجيل بعض اللقاءات الرسمية بين الجانبين وغلق المعابر مع سبتة ومليلية مثلا.. لكنها سحب لن تعكر صفو العلاقات المرتبطة أساسا بمصالحهما الاستراتيجية وبالتحديات الهامة التي تواجههما.

 

+ كيف ترى انعكاس هذه التطورات على مختلف جوانب ملف نزاع الصحراء مستقبلا؟

- لا شك أن ملف النزاع يمر من مرحلة هامة وحساسة جدا، بالنظر إلى أن أطراف النزاع سترفع الإيقاع وستدخل في ما يشبه السرعة النهائية لنصف السباق الأخير، بهدف التأثير في مختلف القوى والجهات المتدخلة في الملف، قبل نهاية عهدة بعثة المينورسو الحالية في شهر أكتوبر المقبل، والوصول إلى محطة انعقاد جلسة مجلس الأمن القادمة.

فرغم تحقيق المغرب لمجموعة من الانتصارات والمكاسب الميدانية والسياسية الهامة من قبيل تمديد الجدارات الدفاعية وقضم المزيد من المناطق العازلة، فبالإضافة الى سيطرته وتأمينه لمنطقة استراتيجية بأهمية معبر الكركرات، التي باتت داخل الجدار الأمني، فقد حقق تفوقا عسكري جويا أثمر ضربات مركزة قضى بسببها العديد من عناصر البوليساريو نحبهم في ذلك خسائر هائلة بحجم مصرع قائد درك الجبهة وتكبدت الجبهة نتيجتها خسائر مادية معتبرة في العتاد أيضا، فضلا عن الانتصارات التي حققها في الجانب الدبلوماسي حيث لا يزال مسلسل افتتاح القنصليات بمدينتي العيون والداخلة مستمرا، وهو ما توِّج بالاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية، إلى جانب التداريب العسكرية التي شملت للمرة الأولى مناطق داخل حدود الإقليم.

لكن وضع المغرب المريح حاليا إزاء النزاع نتيجة اختلال ميزان القوة مؤخرا وترجيح كفته، سيدفع بالتأكيد خصومه الى بذل جهد مضاعف في المرحلة المقبلة، واستثمار كافة الوسائل والأدوات، سواء على المستوى الميداني، الحقوقي وحتى الدبلوماسي، ليس فقط بهدف التغطية على شغور منصب زعامة البوليساريو وتهيئة الأجواء لتقديم زعامة جديدة، ولكن أيضا للتغطية على فشل الرهان العسكري طوال الخمسة أشهر المنقضية منذ إعلان الجبهة عن انسحابها من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بمحاولة طرق أبواب جديدة والعودة الى جبهات سياسية أخرى، في مقدمتها المعارك الحقوقية والقانونية فضلا عن ملف الثروات الطبيعية، ليبقى الرهان الحقيقي لأجل حسم النزاع متمثلا في مدى دمقرطة تدبير الشأن الداخلي وإشراك الساكنة في القرار السياسي.