الثلاثاء 22 يونيو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (11)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (11) عبد الصمد الشنتوف،و راج
اليوم استيقظت باكرا وشغلت المذياع ، إذاعة بي بي سي تقول أن شمعون بيريز قام بزيارة مفاجئة للمغرب لا يفهم سببها ، استرسل المذيع في تحليل تداعيات الخبر الصادم ، فهمت منه أن السوريين نظموا مظاهرة خارج السفارة المغربية بدمشق . ارتشفت قهوتي على عجل وتوجهت إلى العمل .
صرت أتردد على محطة "وستبورن بارك" كل صباح . داخل البهو الفسيح يمينا يقع كشك جرائد وسجائر يعود لرجل هندي يدعى راج ، هذا الأخير وصل إلى بريطانيا مع عائلته خلال منتصف السبعينيات كلاجئ هارب من بطش عيدي أمين دكتاتور أوغندا ، حينما قرر الدكتاتور القاس مصادرة كل عقارات وأملاك الجالية الهندية المقيمة ببلده لدواع عنصرية متطرفة ، فطردهم خارج البلاد ، أغلبهم تم تهجيرهم قسريا إلى بريطانيا.
يحكي راج أن والده كانت لديه تجارة كبيرة مربحة في أوغندا ، ويمتلك بيتا فسيحا يشبه القصر يضم حديقة خضراء ومسبحا خاصا . معظم الهنود يتقنون فنون التجارة ويثابرون على العمل المضني، وينتشرون في كل أنحاء العالم ويديرون مشاريع تجارية بحرفية ومهنية لافتة. قوم يتميزون بالعمل المضني المثابر، لا يعرفون غير تكديس الأموال وتشجيع أبنائهم على الدراسة، فهم يشبهون اليهود في طبائعهم إلى حد كبير .
سألت راج لماذا تشتغل في كشك الجرائد وأنت خريج إحدى الجامعات اللندنية ، فرد بزهو وثقة : التجارة تدر علي أرباحا مضاعفة لا سبيل لجنيها عبر وظيفة في إحدى المؤسسات أو الشركات .
راج رجل في الأربعين من عمره ، ذو طبع هادئ وبشرة داكنة، شعره أسود مصفف وجسمه نحيف، عيناه متقدتان فطنة وذكاء ، هندامه بسيط ومتواضع ، إذا رأيته خلته شحادا يستحق الشفقة . شكل راج الخارجي لا يوحي أبدا أنه رجل أعمال ناجح ومثقف، كان جل حديثه عن التجارة والسياسة . فكشكه تغطيه الجرائد والمجلات من كل جانب، يمتلك ذاكرة قوية حيث يمكنه سرد عليك جل أسماء رؤساء التحرير ودور النشر والمثقفين البريطانيين ، يساري الهوى سياسيا ، ولا يحمل أي ود تجاه الحزب المحافظ الحاكم برئاسة المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر . يتجمع حول كشكه جمع غفير من الركاب كل صباح لحظة توججهم إلى العمل، معظم زبنائه من الإنجليز البيض يشترون الصحف والمجلات وبعض الساندويشات مع مشروبات ساخنة.كان لراج إلمام كبير بالركاب بسبب خبرته الطويلة ، يعرف من المحافظون ومن هم أنصار حزب العمال، بعضهم يقتني جرائد رصينة ك"الغارديان" و"تايمز" وهؤلاء معظمهم مثقفون من الطبقة المتوسطة، وبعضهم الآخر يقتني جرائد شعبية تسمى "تابلويد" مثل"صن" و"ميرور" . غالبا ما تعتمد هذه الجرائد على إثارة غرائز القراء والخوض في تفاصيل حياة الفنانين والمشاهير . تتناول مواضيع اجتماعية ساخنة وفضائح جنسية تنسب لفنانين ، أمراء وسياسيين.
صحيفة "صن" ذائعة الصيت تنشر يوميا على صفحتها الثالثة فتاة شبه عارية من موديلات فاتنات لتثير بها شهية القراء وتبيع أعدادا ضخمة من النسخ تدر عليها أموالا طائلة . أما قراء هذه الجريدة الملونة فغالبا ما ينتمون للطبقة العاملة ذات الثقافة المحدودة ، كالبنائين والسمكريين والحرفيين.
أحيانا ، كان راج ينهمك في دردشات سياسية مع زبنائه قد تتحول إلى مشادات كلامية ، تارة يفحمهم وتارة أخرى يفحمونه . فالحوار السياسي سجال كما يقال.
كثيرا ما كان راج يتباهى بردوده الماكرة ويشعر بنشوة المنتصر على المحافظين حتى الثمالة ، كان يعلم أنهم يكرهونه لسببين إثنين : الأول بسبب لون سحنته الداكنة والثاني راجع لقناعاته اليسارية . كان يبغض الإمبريالية والأنظمة الشمولية في آن واحد . فهو عمالي حتى النخاع ويختزن في ذاكرته معاناة قاسية وإحباطات عميقة جراء الهجرة المؤلمة التي تعرض لها هو وعائلته من طرف الدكتاتور اللعين.
سألته ذات يوم : ألا تخشى ان تثير حفيظة زبنائك المحافظين فتخسرهم جراء انتقاداتك السياسية لهم ؟ ، فرد علي : لا لا، الإنجليز قوم يتقبلون الرأي المخالف بصدر واسع وتجري في عروقهم دماء باردة . لقد تعودنا على انتقاد بعضنا البعض رغم السخرية والقصف المتبادل، فقلت له : في بلادنا العربية الأمر مختلف تماما ، فالمدرس عندنا قد يصب جام غضبه على تلميذه لمجرد أنه ابن خصم سياسي منافس له، قد ينتقم منه بجريرة فعل والده ، فيمطره بأصفار مصفرة في الامتحانات، فضحك راج من هذا التوصيف الغارق في الحقد السياسي الأخرق . فرد علي : هذا حال كل شعوب العالم الثالث التي تفتقد لثقافة التسامح والتعايش الديمقراطي، مضيفا : دعني أسألك ، أنت الشخص الوحيد الذي بدأ يشتري مني جريدة "العرب" ، فقد تعودت أن أعيدها إلى شركة التوزيع كل مساء ، فما سر ذلك ؟ ، فأجبته أنني للتو قدمت من المغرب ومولع بقراءة الصحف، ربما امتد إلي هذا الولع عبر والدي الذي يشتغل أستاذ وتعودت أن أراه يقتني جريدة "العلم" منذ كنت طفلا صغيرا . فكان ينهمك في قراءتها طوال اليوم وكأنه يحفظ أبيات ألفية ابن مالك عن ظهر قلب . سألني راج : وما هو الخط التحريري لجريدة العرب اللندنية ؟ أجبته : هي صحيفة قومية عربية ، رئيس تحريرها يدعى"أحمد الهوني" يتلقى دعما وتمويلا سخيا من طرف العقيد الليبي . شكرني راج على دردشتنا السريعة ، سحبت منه نسختي وهرولت إلى القطار في اتجاه العمل ب"هاكني ويك" .
أخذت مكاني داخل القطار وبدأت أتصفح صحيفتي، بدت لي كجريدة بروبغاندا تروج لإنجازات صاحب الكتاب الأخضر أكثر مما هي جريدة أخبار سياسية . قبالتي يجلس شاب ملامحه عربية، يصوب نحوي نظرات مريبة ، ظل على هذه الحال طوال نصف الرحلة . بغثة استجمع شتاته وتقدم إلي ليسألني بصوت لطيف :
- الأخ عربي ؟ .
- نعم ، أنا من المغرب .
- لو سمحت ما يستهويك في هذه الصحيفة ؟
- لا شيء ، أنا للتو وصلت إلى لندن كسائح واشتقت لقراءة صحيفة عربية .
- فرد علي بحنق : أبغض هذه الجريدة كبغضي لصاحبها .
- ولماذا كل هذا الحقد يا ترى؟ .
- لاذ بالصمت قليلا ثم رد علي :
- أنا معارض ليبي ولاجئ سياسي في لندن ، لقد قام العقيد بإعدام والدي منذ بضع سنوات ، وصلت بريطانيا هاربا من ملاحقات وجنون القذافي الذي يسعى لإسكات كل معارضيه . قلت في نفسي : ياإلهي ! ، هذا يوم نحس أسود، راج الهندي قدم إلى بريطانيا هاربا من بطش دكتاتور أوغندا وهذا الشاب فر بجلده هاربا من دكتاتور ليبيا الذي لا يرحم مواطنيه، هذا فأل سيئ !
تجمدت في مكاني مندهشا من هول ما سمعت. رق قلبي لحال اللاجئ الليبي ، وحزنت لفاجعة فقدان والده.
لم أكن أعلم أن لندن تحتضن هذا الكم الهائل من اللاجئين العرب الفارين من بطش حكام غاشمين . بعد لحظات، حط القطار بمحطة "هاكني ويك"، ودعت الليبي وانصرفت مهرولا نحو الورشة وقد أرهقني اشتياقي لرؤية حبيبتي سوزان.