الجمعة 7 مايو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (9)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (9) عبد الصمد الشنتوف في أحد شوارع لندن والمرأة الحديدية الراحلة مارغريت تاتشر

المكان هو غرب لندن، هنا بشارع أشمور رود تقطن جاليات أجنبية مهاجرة مختلفة، منها الإسبانية، البرتغالية، الأيريش (الإيرلنديون) السود الأفارقة، والكرايبيين. أما الزمان فهو صيف 1986، زمن حكم رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر الملقبة بالمرأة الحديدية. امرأة قوية و عنيدة تحكم بريطانيا.

 

وسط هذا الشارع تنمو العلاقات الاجتماعية، تتلاقح الثقافات وتتقاطع المصالح، أحيانا تحدث مشادات تفضي إلى مناكفات وشتائم على خلفية الأحداث السياسية وكرة القدم. في خضم كل هذا الطيف المتجانس من الأقليات يتواجد بيت المهاجر المغربي مصطفى. بجانبه بيت رجل إنجليزي متعصب يدعى جون ينتمي لحزب المحافظين الحاكم، يضع على نافذة بيته صورة ملونة للزعيمة ثاتشر وكأنه يريد إغاظة غريمه الإيرلندي في البيت المجاور. أما قبالة بيت مصطفى فيسكن موريس الجاميكي في الطابق الثاني من المبنى.

 

في الصباح ألتقي بالسيدة تريزا زوجة موريس ونحن في طريقنا إلى العمل. أحييها بتحية الصباح فترد علي بابتسامة ودودة، نمشي معا وندردش قليلا، أحدثها عن أحوال الطقس وتحدثني عن أحوال العمل، وحينما نصل الى محطة "وستبورن بارك" تختفي وسط أمواج غفيرة من ركاب المترو.

 

تريزا مهاجرة تنحدر من جزر الكرايبي، امرأة رصينة وأنيقة في الأربعين من عمرها، تشتغل في إحدى المحلات التجارية بوسط لندن، سوداء البشرة، ممشوقة القوام، عنيدة الطباع، تمشي في الطريق بخطى ثابتة واثقة من نفسها، تحدق يمينا ويسارا، أحيانا ترفع عينيها نحو السماء وكأنها الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفري.

 

السيد موريس مختلف في طبعه وشخصيته عن زوجته تريزا. رجل متوسط الذكاء، قليل الطموح، في نهاية الأربعين من عمره، داكن البشرة، يعتمر قبعة فيدورا الأمريكية. يمضي طوال يومه يطوف بين محلات القمار والحانات، وعندما يظفر برهان في سباق الخيول يتحول إلى رجل متحضر ولطيف. يستقيم مزاجه فيبادرني بتحية وديعة ويقول لي: "هالو" فأرد عليه بمثلها "هالو". مرة يبتسم ومرات أخرى يعبس في وجهي. هكذا هي أحوال المدمنين الذين يتحولون إلى أناس مزاجيين. كان يتعاطى مخدر "الكنابيس" بنهم يفوق الوصف.

 

أحيانا كان موريس يلوح لي بيديه من شرفة بيته وكأننا صديقان حميمان، يتكئ بساعديه على حاجز البلكون ويبدأ في الحديث معي من الأعلى: "يا مان"! هكذا يخاطب الجاميكيون بعضهم بعضا. أنصت إليه باهتمام بالغ، وأرفع رأسي تجاهه، أشرئب بعنقي وأنظر إليه بينما يحدثني من أعلى الشرفة وكأنه الزعيم موسوليني يخطب من فوق المنصة. يمسك بلفافة "الكنابيس" بين أصبعيه فيأخذ في شفط الدخان بنهم شديد، وبقارورة جعة غينيس باليد الأخرى ثم يستأنف الحديث. يسألني عن بلدي وأحوالي وهل أنا من أقارب مصطفى؟ فأرد عليه بالإيجاب، رغم أنني لم ألتق مصطفى قط في حياتي. إنما هو القدر وحده الذي قذف بي إلى بيته لكن موريس لا يعلم ذلك. ثم يسترسل في حديث الحشاشين ويقول: مصطفى رجل عربي عظيم وجار خدوم، لقد افتقدته كثيرا، فأرد عليه: لا عليك، سيعود من المغرب في نهاية شهر غشت.

 

ذات يوم عرض علي أن أرتشف من سيجارته، ومن شدة فضولي جذبت منها نفسا عميقا كاد أن يخنقني وكأنني أضع مقارنة بين "الكنابيس" الجاميكي والحشيش المغربي. موريس رجل مدمن على كل الموبقات ويراهن على كل شيء، يراهن على سباق الكلاب والخيول ومباريات كرة القدم. يتردد بانتظام على محلات "وليام هيل" للقمار باحثا عن ضربة حظ تخرجه من أزمته. خلال الويكاند يجالس الإيرلنديين على عتبات بيوتهم، فينغمسون في شرب الخمر. يوزع عليهم سجائر "الكنابيس"، يتناوبون على تدخين لفافات "الويد". عندما تنظر إلى الجمع من بعيد يبدو موريس وكأنه طائر غراب يتوسط سربا من حمام زاجل أبيض. يسكرون حتى الثمالة فينهمكون في شتم مارغريت ثاتشر بأعلى أصواتهم ليغيظوا جارهم جون الإنجليزي. يرددون أغاني وأشعار الجيش الجمهوري الإيرلندي، يستشيط جون غضبا فتنطلق من عينيه نظرات حاقدة سوداء وكأنها سهام مسمومة. الأيريش قوم صعاب المراس، فوضويون وثوريون، يحبون جيري آدمز ويعشقون بوبي ساند. هذا الأخير يعد أحد رموزهم في النضال والتحرر، قضى نحبه في سجون ثاتشر منذ خمس سنوات في إضراب مفتوح عن الطعام.

 

الأيريش يكرهون الإنجليز على غرار كراهية الجزائريين للفرنسيس، حقد تستحضره الذاكرة ويغذيه التاريخ. جون يغيظهم بصورة ثاتشر على نافذته وأحيانا يطلق النشيد الوطني الإنجليزي من المذياع بصوت عال فيجن جنون الأيريش ويردون عليه بأغنية "بزوغ القمر"، وهي أغنية ثورية إيرلندية تحكي تفاصيل الصراع المرير مع المستعمر الإنجليزي.

 

موريس لم يكن يبالي بكل هذا الصراع، لا شأن له بثاتشر ولا ببوبي ساند. فهو مهاجر مدمن اختزل كل حياته في سباق الخيول، تدخين مخدر الكنابيس وموسيقى "الريغي"، إنه الثالوث المقدس عنده.

حينما أمر أمام بيت جون، أحييه بـ "هالو" فكان يرد علي بابتسامة باردة صفراء تظهر القليل من المودة وتخفي الكثير من العنصرية. إنه رجل أبيض متعصب غارق في أفكاره المتطرفة، يحتقر الأقليات ويكره الأجانب. رجل قومي يحب بريطانيا ويتوق إلى ذكريات الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. يحب الملكة إليزابيث، ويعشق مارغريت ثاتشر إلى حد الجنون.

ثاتشر امرأة ليست كباقي النساء، لقد فتنت العالم بصلابتها وحنكتها السياسية.

 

أذكر أنني عندما كنت في العرائش أجالس أصدقائي بمقهى ليكسوس مرت من أمامنا الناشطة فضيلة فقام أحد الشباب المتحمس يناديها بتهكم: "هذه هي مارغريت ثاتشر"!، فتوقفت هنيهة، رمته بنظرة ازدراء وردت عليه بثقة زائدة: "قلها واملأ بها فمك"! ثم تابعت سيرها.

 

هذا الحدث كان يفسر مدى شهرة المرأة الحديدية في كل أصقاع الأرض. لاسيما بعدما هزمت دكتاتور الأرجنتين "ليوبلدو غالتري" خلال حرب الفولكلاند وأجبرته على التنحي عن الحكم. كما قادت هجوما عسكريا على مجنون ليبيا مع صديقها ريغان منذ بضعة أشهر مضت.

 

لقبت باسم المرأة الحديدية وذلك بسبب تطبيقها السياسات الحكومية بحزم وصرامة. كانت تصطدم مع المعارضة اليسارية لحزب العمال داخل البرلمان، فتقف تخطب في حشد من الرجال وكأنها عنترة بن شداد. ترميهم بأقدح الصفات وتنعتهم ببيادق موسكو. عند ذروة غضبها كانت تخرس البرلمانيين بلاءاتها الثلاث (نو نو نو) لا لا لا. امرأة منحت من الذكاء والحكمة ما لم يمنح لكثير من الرجال، حاكمة شرسة وعنيدة سيذكرها التاريخ. إنها المرأة التي يستلهم منها جون قوته واعتزازه.

 

كانت الساعة تشير الى التاسعة ليلا. بدأ الليل يرخي سدوله، صياح قوي يتناهى الى أذني من بيت موريس، قررت استطلاع الأمر عبر النافذة. شجار عنيف يدور بينه وبين تريزا، لم تعد تريزا تستحمل حماقات زوجها المدمن، فالرجل عندما يبدد أجرته على رهان سباق الخيول يصاب بسعار يفقده صوابه. فيلجأ الى زوجته ليبتزها ويعنفها ليحصل على قسط من المال يشفي به غليل إدمانه المرضي. هذه المرة تريزا تعنتت ورفضت أن تمنحه المال، فقام موريس بتعنيفها وإهانتها. غضبت تريزا وواجهته بصلابة، لطفح كيلها من هذا الرجل العربيد، فقامت بطرده من البيت وألقت بملابسه في كيس بلاستيكي أسود من الشرفة المطلة على الشارع. بعد لحظات حلقت بدلة سوداء في السماء وكأنها طائر الشحرور يسقط على الأرض، ثم ألقت بحذاء أسود سميك من نوع "د. مارتن" من أعلى الشرفة كاد أن يشج رأسه. بدا موريس ذليلا يتوسل زوجته أن تعيده إلى البيت. يصرخ، يعتذر، ويبكي في آن واحد. يراقب سكان أشمور رود هذا المشهد البئيس عبر النوافذ وشرفات البيوت، لكن تريزا لم يرق قلبها له هذه المرة لأنه تجاوز كل الحدود. لم تشفق عليه، لقد تعبت من إدمانه ولم تعد تطيق معاشرة زوج مدمن أحمق. حاول جارهما الإفريقي أن يصلح بينهما ويستعطف تريزا لكي تعيده إلى البيت لكنها أبت أن تغفر له، كان الغضب قد بلغ مداه داخل قلبها وازداد ضراوة بعدما أهانها وضربها. كانت تصرخ بأعلى صوتها: سأتصل بالشرطة إن لم تغادر على الفور، فلتذهب إلى الجحيم أيها الوغد الحقير.

 

فجأة حلقت بذاكرتي إلى زمن بعيد عندما كنت طفلا صغيرا في العرائش. كنت أرى جارنا بوشتى يصيح ويضرب زوجته خدوج في حي جنان قريوار. تظل المسكينة تستغيث بأعلى صوتها ولا من مغيث. كان يوجعها كثيرا بلكماته، بوشتى مفتول العضلات وقوي البنية، عندما يطفح سكره يأخذ حزامه الجلدي فينهال عليها بالضرب وكأنه جلاد نازي. أحيانا كنت أسمعه يكسر أواني المطبخ بشكل هستيري مثل ثور هائج، يصيح كالمجنون: اخرجي عني، اخرجي عني، فيطردها من المنزل ويغلق الباب بقوة.

 

تجلس خدوج على عتبة الباب تبكي وتندب حظها مع هذا الزوج الوحش، تستعطفه وتستجديه "هانا مزاوكا، هانا مزواكا" (أرجوك، أرجوك). كانت المرأة تنحدر من عائلة فقيرة بإحدى المدن البعيدة، فيتدخل الجيران كوسطاء خير وإصلاح، يستعطفون بوشتى ويقبلون رأسه بغية استرضائه، يشعر بنشوة المنتصر على امرأة مغلوبة على أمرها بعدما يمرغ كرامتها في التراب. يمشي في الشارع بين الجيران جيئة وذهابا، يمسك بحزامه اللعين وهو كله استعلاء وعجرفة حتى تظنه عتبة بن ربيعة يؤدب عبده المتمرد. من يجرؤ أن يوقف بوشتى عن غيه وظلمه، لا أحد؟! نكتفي بالفرجة ونرقب من بعيد ما ستؤول إليه الأمور بعد توسلات الجيران. تنهض خدوج ذليلة، مطأطأة رأسها، مكسورة الخاطر فتعود إلى البيت بعد أن يعفو عنها زوجها الصلف. كان مشهدا حزينا يتجدد بنفس الطريقة كل مرة وهكذا دواليك.

 

حضر رجال الشرطة، دخلوا بيت تيريزا لتقصي ما حدث ومعاينة آثار العنف على جسدها، بعدها اعتقلوا موريس وأدخلوه سيارة الشرطة متأبطا كيسه الأسود وكأنه شحاذ متسول، ثم انطلقوا به مسرعين إلى المخفر لاستكمال التحقيق.

 

هنا بأشمور رود تعلمت أشياء كثيرة. تعلمت كيف تأخذ المرأة حقها عندما تهان وتكون ضحية عنف أسري، تعلمت كيف تذوب الفوارق بين الأقليات رغم اختلاف اللون والدين، كما تعلمت كيف يدار الصراع السياسي بين فرقاء متنافرين برباطة جأش. والأكثر من ذلك أدركت أن بلاد الإنجليز تحكمها امرأة حديدية بسلطة الحق والقانون، قانون يسري على موريس كما على الجميع. بينما في الضفة الأخرى رجل عربي يحكم بقبضة من حديد وسلطة قانون لا يحفظ كرامة خدوج، لأنه قانون فصل على مقاسه ومقاس بوشتى...