الأحد 9 مايو 2021
منبر أنفاس

عبد الرحيم هريوى: الشعر ذاك البكاء الفصيح..!!

عبد الرحيم هريوى: الشعر ذاك البكاء الفصيح..!! عبد الرحيم هريوى

الشاعر يعبر عن قضايا مجتمعه ببوحه العميق، ولا يبقى يسبح في فضاء عوالم الرومنسية والعواطف الجياشة بدون نزوله للأرض.. ومهما صرنا له كبشرية من تقدم وثورات ثقافية وعلمية وفنية، يبقى الشاعر لسان قومه ووطنه وعشيرته.. ببوحه العميق الذي يهز الوجدان ويؤثر في النفوس ويغير عدة أشياء في الواقع عن طريق الكلمات الصادقة والتي تبقى دموع اللغة والشعر هو ذاك البكاء الفصيح لها..!

 

نعم؛ يبقى للبوح سلطته العميقة، وهي أبلغ سلطة على النفوس والضمائر الحية. كما تبقى لصورته المشبعة بكل ما يعطيها له كاتبه من رموز وأشكال وألوان في رسائل ضمنية صريحة ومضمرة، ونحن اليوم في زمن البوح الصريح عن كل ما نعانيه ونعايشه من ضائقة ومشاكل مجتمعية..!؟

 

البوح الحقيقي اليوم أمسى وسيلة من وسائل التعبير الحرة عن قضايانا المجتمعية، ولم يبق ذلك البوح الذي نعيش به في عوالم خيالاتنا الشاعرية التي يغلب عليها عادة التجرد والمثالية، بل الشعر في زماننا وللضرورة الضاغطة، يجب أن يكون ذاك اللسان الأدبي والفني البليغ، والذي نساهم من خلاله في تعرية الواقع المعيش لبني البشر، وبه يتم تبليغ رسائل ضمنية وصريحة عبر نصوصه المختلفة، بلغة الموسيقى الشعرية والفنية ..!

 

لذلك فلا بد أن تكون للشاعر القدرة والشجاعة على دخول أبواب الواقع وولوجها من خلال أبياته الشعرية، وعلى مواكبة كل التغييرات والمستجدات والوقائع والظروف الراهنة، لما تعيش المجتمعات من تقلبات عميقة في المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ولنا في قولة للشاعر السوري "نزار قباني" أكثر من معنى ودليل لما نقوله، فما هو الدافع السياسي والمجتمعي الذي غير مسار قلم شعره من الغوص في أعماق عالم المرأة من غزل ونسيب إلى عالم الشعر السياسي المحض، كي يعبر من خلاله عن ما يعانيه ويكابده وطنه سوريا اليوم، من صراعات وتطاحنات وحروب لا تبقي ولا تذر، وقد جعلت من أبنائه لاجئين أشتاتا عبر المعمورة، تتقاذفهم أمواج حياة صعبة في أهوال لا حد لها..!! "يا وطني الحزين حوّلتني بلحظة من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين" (نزار قباني)..

 

"وكنست غبار فصاحتنا وجميع قصائدنا العصماء.. يا بلدي كيف يموت الخيل ولا يبقى إلا الشعراء...

ما زلنا منذ القرن السابع خارج خارطة الأشياء.. نترقب عنترة العبسي يجيء على فرس بيضاء.. ليفرج عنا كربتنا ويرد طوابير الأعداء.. ما زلنا نقضم كالفئران مواعظ سادتنا الفقهاء.. نقرأ معروف الإسكافي ونقرأ أخبار الندماء.. ونكات جحا ورجوع الشيخ وقصة داحس والغبراء.. يا بلدي الطيب يا بلدي.. الكلمة كانت عصفوراً وجعلنا منها سوق بغاء" (الشاعر السوري/ نزار قباني).