الجمعة 7 مايو 2021
كتاب الرأي

يونس مليح: التصاريح الضريبية الإلكترونية وسؤال العدالة الضريبية

يونس مليح: التصاريح الضريبية الإلكترونية وسؤال العدالة الضريبية يونس مليح

يكمن الهدف من وراء سن نظام لوضع التصاريح والإقرارات الضريبية بشكل إلكتروني، هو الحد من ظاهرة التهرب الضريبي، وتسهيل وتبسيط الإجراءات الضريبية من أجل تحسين العلاقة بين الإدارة الضريبية والملزمين، وبذلك عملت وزارة الاقتصاد والمالية، والمديرية العامة للضرائب، على إحداث مجموعة من المساطر الإلكترونية للإقرار والأداء الضريبي، والتي تمكن مرتادي هذه الإدارة من القيام تدريجيا بإجراءاتهم الإدارية عن بعد.

 

فنظام التصاريح أو الإقرارات الإلكترونية عبارة عن خدمات للتصريح تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهو آلية تمكن الملزمين من القيام بتصريحاتهم اتجاه الإدارة الضريبية من خلال استخدام استمارات خاصة محفوظة على الموقع الإلكتروني (web site) الخاص بالمديرية العامة للضرائب، بحيث يستطيع القيام بوضع تصريحاته وإقراراته الضريبية عبر عملية الاتصال الإلكتروني. فهل ستساهم هذه التصاريح والإقرارات الإلكترونية في تكريس العدالة الضريبية المرجوة في نظامنا الضريبي المغربي؟

 

أولا: نظام التصاريح الضريبية الإلكترونية

إن هذه الخدمة لن تكون ممكنة إلا بعد أن ينخرط الملزم في الخدمة المتاحة من المديرية العامة للضرائب عن طريق مطبوع يتم ملؤه من طرف الملزم، وبعد قبول الطلب يتم إعطاؤه رمزا خاصا به يسهل عليه العمليات الإلكترونية الخاصة بالتصريح والأداء عن بعد دون ضرورة تنقل الملزم من خلال تبادل المعلومات والمعطيات من أجل استعمال الخدمات الإلكترونية للإقرار الإلكتروني والأداء الإلكتروني، ويطلق على خدمات الإقرار الإلكتروني والأداء الإلكتروني للضرائب والرسوم المقدمة من طرف المديرية العامة للضرائب مصطلح«e-services simple»

 

وتمكن هذه الخدمات الخاضعين للضريبة المعنيين بالأمر من إنجاز الإقرارات والأداءات المتعلقة بالضرائب والرسوم بطريقة إلكترونية بواسطة إحدى طريقتي إرسال الإقرارات الإلكترونية والأداءات الإلكترونية التاليتين:

التبادل المعلوماتي للاستمارات (EFI): ويتمثل في الادخال المباشر عبر واجهة موقع «Simpl» ، وتمكن هذه العملية من تقديم الاستمارات عبر الإنترنت لإدارة الضرائب (الإدخال اليدوي). كما يستخدم هذا الوضع بشكل عام للإقرارات الضريبية الحاملة لبيانات قليلة.

التبادل المعلوماتي للمعطيات (EDI): عندما يتوفر المستعمل على المعطيات الكافية في نظامه المعلوماتي، كما هو الحال بالنسبة لمعطيات الرابط الضريبي، فإنه لا يضطر لإعادة إدخال المعطيات من جديد على مستوى الشباك «Simpl» بل يقتصر فقط على إصدار المعطيات من نظامه المعلوماتي في ملف  «XML»ويرسلها للشباك. هذا الأخير الذي يقوم بتفسير الملف المذكور وتمييز كل معطى ومعلومة موافقة له على مستوى التصريح أو الاستمارة الضريبية. بهذه الطريقة، يعفى المستعمل من إدخال المعلومات، وفي نفس الوقت يكون هناك ربح على مستوى التوثيق، حيث يتم التقليل من الأخطاء المرتبطة بالإدخال اليدوي.

 

ويسمح باستعمال خدمات «simple-service» للأشخاص الذاتيين العاملين لحسابهم الخاص أو لحساب الأشخاص الذاتيين أو الاعتباريين الذين يمثلونهم. غير أن الشخص المعني بالأمر يظل وحده المسؤول عن محتوى الإقرارات الإلكترونية والأداءات الإلكترونية المنجزة، وكذا عن كل خطأ يتعلق بإرسالها أو تغييرها سواء من طرفه أو من طرف من يمثله أو ينوب عنه لهذا الغرض.

كما يتوفـر الشخص مستعمل الخدمة على دور أو مجموعة من الأدوار تحدد شروط تأهيله وهي: دور "مسؤول عن الإقرار": وهو الدور الوحيد المؤهل لتوقيع وإيداع الإقرار الإلكتروني غير المرتبط بأداء إلكتروني؛ ودور "مسؤول عن الأداء": وهو الدور الوحيد المؤهل لتوقيع وإيداع الأداء الإلكتروني وعند الاقتضاء إيداع الإقرار الإلكتروني المقرون بالأداء الإلكتروني.

ويقدم طلب الانخراط في خدمة service Simple من طرف الخاضع للضريبة على مطبوع تعده المديرية العامة للضرائب. يتم الانخراط في الخدمة المذكورة لمدة غير محددة، ويتم تجسيده بتسليم المديرية العامة للضرائب للمعني بالأمر رموزا إلكترونية خاصة بالولوج إلى الخدمة، وعند الاقتضاء، شهادة إلكترونية خاصة بالمنخرط تمكن من التأكد من هوية الشخص الموقع للإقرار الإلكتروني أو الأداء الإلكتروني.

كما يمكن للمديرية العامة للضرائب أن توقف استعمال خدمة service Simple بالنسبة للمنخرط غير الملزم بإيداع الإقرار الإلكتروني والأداء الإلكتروني، والذي انخرط في الخدمة بشكل اختياري إذا لاحظت مخالفة في كيفية استعمالها، وفي هذه الحالة تشعره بهذا الإيقاف والأسباب المبررة له، كما تشعره باحتمال انقطاع هذه الخدمة إذا لم يعرب عن رغبته في إعادة استعمالها خلال أجل أقصاه (6) أشهر ابتداء من تاريخ تبليغه بالإيقاف.

ويجوز للمنخرط غير الملزم بإيداع الإقرار الإلكتروني والأداء الإلكتروني والذي انخرط في الخدمة بشكل اختياري أن يطلب الانسحاب النهائي من استعمال هذه الخدمة في أي وقت. ولا يمكن للمستعمل ولوج خدمات service Simple بعد طلب الخاضع للضريبة المعني إيقاف أو تشطيب المستعمل؛ أو انقطاع أو إيقاف الانخراط.

بعد الانقطاع النهائي للانخراط تلغي المديرية العامة للضرائب الشهادات الإلكترونية التي سبق أن أصدرتها أو سلمتها لفائدة المستعملين المعنيين.

 

ثانيا: اختلالات نظام التصاريح الضريبية الإلكترونية وسؤال العدالة الضريبية

إن نظام "SIMPL" يعرف عدد من الاختلالات والقصور في تنفيذ الأهداف المسطرة من أجله، والتي يمكن رصدها في وجود تغطية غير شاملة للملزمين، حيث لا يتم تحيين الملفات الالكترونية المتعلقة بالملزمين الذين يجب إخطارهم بضرورة تقديم التصريحات، مما ينجم عنه عدم إدخال مجموعة من الملزمين كمنخرطين في نظام "SIMPL". كما أن العديد من الملزمين بالضريبة على الشركات (حوالي 18%)، لا يصرحون ولا يؤدون الضرائب عبر نظام "SIMPL"، أما بالنسبة للضريبة على القيمة المضافة، فإن ظاهرة عدم التصريح والأداء عبر هذا النظام أكثر أهمية، ومما ساهم في هذه الوضعية عدم ضبط ملف التعريفات الضريبية للملزمين في النظام المعلوماتي "Simpl-Adhésion"، إذ أن هذا النظام يقبل تصريحات وأداءات هؤلاء الملزمين ولا يخبر الموظف المكلف بالتسيير وقابض الإدارة الضريبية بأنهم منضوين تحت نظام "SIMPL"، وهو الامر الذي يعقد عملية تتبع ملفات الشركات الكبرى التي يفترض أن تكون موضع تتبع خاص نظرا لحجم مساهمتها الضريبية الهامة في خزينة الدولة؛ زيادة على التأخير في التسجيل في المحاسبة، الأمر الذي يتسبب في التأخير الذي يعرفه نظام SIA المتعلق بالتحصيل على مستوى نظام الأداء عن بعد في صعوبات بالنسبة لقباض الإدارة الضريبية حين تقديم حساباتهم وعملياتهم للمحاسب التسلسلي، وتساهم عوامل أخرى في تأخير مسك المحاسبة منها الإرسال المتأخر لفاكس التأكيد إلى قابض الضرائب، وإرسال فاكس بشكل خاطئ إلى قابض غير معني به، وتأخر القابض المعني في التحقق من صحة العمليات.

 

إن تحقيق مبدأ العدالة الضريبية يبقى رهينا في شق كبير منه بمستوى خدمات الإدارة الضريبية المقدمة لملزميها ومرتفقيها، وقد حاولت الإدارة الضريبية في عدة محطات تجاوز الاختلالات والضعف الخدماتي الحاصل، وهو ما يبينه التحول الملحوظ بين الأمس واليوم، وقد حاولت وزارة المالية في كل فرصة أتيحت لها بمناسبة الإصلاح الضريبي، أن تجعل الإدارة الضريبية الأولى بالاهتمام وبالإصلاح، وذلك عبر هيكلة مصالحها المركزية والخارجية كلما دعت الضرورة لذلك، من أجل إرساء دعائم علاقة تشاركية خدماتية في المستوى مع الملزمين، وجعلهم يتقبلون الالتزامات الضريبية في ظل قوانين ضريبية متشعبة، ومتداخلة، ومعقدة.

 

أما في الإمارات العربية المتحدة من أجل المقارنة، فتقديم الإقرارات الضريبية الإلكترونية من قبل منشآت الأعمال، متاح على مدار الساعة ويتم عبر 4 خطوات إلكترونية أساسية بآلية مبسطة وواضحة من أجل تكريس العدالة الضريبية وتحقيق الرضى الضريبي لدى الملزمين، من خلال بوابة الخدمات الإلكترونية للهيئة "eservices.tax.gov.ae". وتتم الخطوة الأولى لتقديم الإقرار الضريبي الإلكتروني بالدخول إلى بوابة الخدمات الإلكترونية على موقع "الهيئة الاتحادية للضرائب" واختيار تبويب" ضريبة القيمة المضافة" للوصول إلى الإقرار الخاص بالمسجّل؛ فيما تتمثل الخطوة الثانية في تعبئة بيانات نموذج الإقرار، والتي تشمل المبيعات والمخرجات الأخرى بإدخال المبالغ غير شاملة ضريبة القيمة المضافة ومبلغ ضريبة القيمة المضافة واحتساب الضريبة المستحقة الدفع للفترة الضريبية المعنيّة؛ أما الخطوة الثالثة فتتمثل في تقديم الإقرار بعد مراجعته بعناية فيتم ضغط "تقديم"؛ أما الخطوة الرابعة والأخيرة فتتمثل في دفع الضريبة المستحقة للهيئة أو يتم طلب استرداد الضريبة في حال رغب المسجّل بذلك من خلال تبويب "مدفوعاتي" مع الحرص التام على الالتزام بمواعيد سداد الدفعات.

 

لكن، هذا لا يمنع من القول بأنه رغم التحول الحاصل على مستوى خدمات الإدارة الضريبية، من التقليدية إلى الإلكترونية، إلا أنها تحوي العديد من المشاكل والصعوبات المتمثلة أساسا في عدم وجود آليات من أجل تبسيط المحتوى الإلكتروني، وأيضا تبسيط كيفية الدخول إلى الموقع الإلكتروني للإدارة الضريبية وكيفية ملئ هذه الإقرارات الضريبية بشكل يسهل المأمورية أمام الملزمين، الأمر الذي يشكل معه عقبة أمام إنجاح هذه الخدمات الإلكترونية وتحقيق العدالة الضريبية في هذا الشق. الأمر الذي يستدعي نشرا على أبعد نطاق، وخصوصا على مستوى الإعلام السمعي البصري لهذه الآليات الضريبية الإلكترونية حتى يتسنى إيصال هذه المعلومات وتوضيحها لجميع الملزمين. الشيء الذي يؤدي إلى ضياع موارد مالية مهمة على خزينة الدولة أولا، بالإضافة إلى عدم التنسيق بين مختلف المصالح المعنية، وعدم وجود جهاز إداري لهذا المشروع الإلكتروني بالإدارة الضريبية، يعمل على تدليل الصعاب والمعيقات التي تعترض كافة المتدخلين في هذه العملية، وبالخصوص مستخدمي الخدمة (الملزمين). بالإضافة إلى ضرورة تعليم وتدريب العنصر البشري العامل بالإدارة الضريبية وفق التطور الحاصل على مستوى الوسائل الإلكترونية، وتوعية أفراد المجتمع بثقافة وطبيعة الإدارة الإلكترونية، وملاءمة التشريعات وتطويرها وفق المستجدات التي يعرفها العالم الرقمي اليوم، من أجل بلوغ سقف العدالة الضريبية المرجوة في نظامنا الضريبي المغربي.

 

- يونس مليح، دكتور في القانون العام وباحث في المجال الإداري والمالي