السبت 15 مايو 2021
مجتمع

الدكتور محمد شهبي: لِمَ تركتموني نائما كلّ هذا الزمن؟!

الدكتور محمد شهبي: لِمَ تركتموني نائما كلّ هذا الزمن؟! من لحظات استقبال الدكتور الشهبي من طرف طاقمه الطبي والتمريضي

عاد الناسك إلى معبده.. عاد الدكتور محمد شهبي إلى "الحصن" الذي بناه.

لن يصعد إلى الطابق الثاني المختنق بالدموع والألم. لن يلقي التحية على سريره. لن ينقر حذاؤه تلك الردهة التي كانت مخزنا للأنين. اليوم الذي غادر غرفة الطابق الثاني كان وداعا أخيرا، قال لها ربما لن أعود. تحتفظ بصورة وجهه المحنط، كان شاحبا مثل وجه مومياء، أنفاس لاهثة تخرج من رئتيه بالتقسيط، جسد كالخراب.

هكذا كنتُ أحمل وجه رجل ميت، لا أفكر إلا في شيء واحد: كم سيمهلني الموت؟ هل سأظل على قيد الحياة حتى أصل إلى ألمانيا؟

الطائرة كانت تحمل أنقاض جسد ورئة ساخنة مثل الموقد. ركاب الطائرة شاهدوا الدخان ينبعث من رئتي، لكنهم لم يجربوا ألم رئة تحترق.

أغمضتَ عينيك وفتحتهما.. وجدت نفسك حيا.. نمت واستيقظت من كابوس.. غمضة عين تشبه الموت. أليس النوم هو شقيق الموت؟

عائد اليوم من الموت.. من سبات طويل.. تلعن كل كوابيسك..

 

- لِمَ تركتموني نائما كل هذا الزمن؟

 

زمجرتَ في وجه مرافقكَ، ثم سألتَه من جديد بنبرة حازمة:

 

- كم لبثتُ؟

 

 

لبثتَ خمسة أشهر وأنت معلّق بين جسر الموت والحياة، لا تتنفس إلا من قارورة أوكسجين هي التي تربطك بالحياة.. تلك القارورة كانت هي زهرة الحياة.. في الخارج كان الموت ينتظرك خلف الباب في قطار سريع.

العودة إلى مصحة العين كاليفورنيا حدث استثنائي، سيظل محفورا في الذاكرة.. ينثرون عليك الورود.. الجميع كان في انتظارك للاحتفال..

 

- الاحتفال بماذا؟

 

تسأل نفسَك باستغراب

 

لم تصدق بأن المرض سرق من حياتك خمسة أشهر من الانتظار والألم والأنين. عادت الآن الورود لتزهر مرة أخرى في وجوه الممرضات. ابتسمت الجدران.. المصحة تكاد تسمع نبضات فرحها من الشارع.. الأضواء التي كانت ذابلة تتراقص.. كاليفورنيا استعادت ألوان الحياة.

من حقك أن تطير من الفرح كعصفور.. افرد جناحيك وحلق في سماء كاليفورنيا.. اليوم أنتَ عريس هذه الحفلة.. ازدرد ما تشاء من الحلوى.. على الأقل لتطرد مذاق مرارة وحموضة الأدوية التي كنتَ تبتلعها. تأبطْ علبة الحلوى ولا تقتسمها مع أحد.. هي هدية العيد. مثل طفل صغير تنظر بلهفة إلى علبة الحلوى، وأنت تستعجل عزيز ليوصلك إلى البيت.

أوّل يوم بالمصحة بعد صيام طويل عن اكتشاف مغارات العيون.. ثلاث ساعات لإحياء قرابتك الروحية بالعيون.. 50 مريضا هي 50 عينا جامحة غُصْتَ في شعابها بمنتهى الشغف والإصرار على العودة إلى روتينك اليومي، في انتظار اليوم الكبير حين تعود إلى غرفة الجراحة، حيث تعدو أصابعك برشاقة غزالة.

كانت الرحلة إلى شيشاوة لاستعادة الروح والولادة من جديد، واختيار والدتك كي تكون رفيقتك في هذه الرحلة هو عودة إلى الجذور. والدتك التي لا تكاد تغادر الببت الذي قضيت فيه طفولتك، قررتْ أن تركب معك السفينة.. من بوسكرة إلى شيشاوة. تنازلتْ عن المكان.. لا يهمّ أيّ مكان، ما يهمّها هو أن تظلّ حارستك، وقريبة منك.

جالسٌ خلف مكتبك، عدتَ منتصرا، على رأسك رأيتُ إكليل الحياة.. وتاج الأمل.. تنطلق من وجهك الخيول والورود، وعيناك تبتسمان.. هذا هو بيتُك بكاليفورنيا، قريبا من بيت طفولتك.. على بعد ذراع من حِجْر والدتك.