الجمعة 25 يونيو 2021
كتاب الرأي

أحمد الحطاب: منظومتنا الوطنية للبحث العلمي مريضة

أحمد الحطاب: منظومتنا الوطنية للبحث العلمي مريضة أحمد الحطاب
البحث العلمي رافعة من رافعات التنمية. "رافعةٌ للتنمية" تعني أن البحث العلمي له دور في النهوض بالتنمية بجميع تجلياتها الاقتصادية، الاجتماعية و الثقافية. و يتبلور هذا الدور عن طريق المعرفة التي ينتجها البحث العلمي.
والمعرفة المُترتِّبة عن البحث العلمي يمكن أن تكون نظريةً محضة، فتُساهم آنذاك في إغناء الرصيد المعرفي العالمي عن طريق النشر في المجلات والدوريات.
كما يمكن أن تكون قابلةً للتطبيق، فتقود آنذاك إلى خلق مواد أو مُنتجات جديدة أو أساليب و تكنولوجيات جديدة من شأنها تحسين سياقات التدبير والتصنيع و الإنتاج.
و بصفة عامة، المعرفة القابلة للتطبيق تُنتِج الثروةَ التي يمكن تحويلها إلى مقاولات التي بدورها تخلق مناصب الشغل. الكل يؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد.
و حتى يكون البحث العلمي نافعا و ذا مردودية عالية، يجب أن يكون منظَّما، مقننا، موجَّها، منسَّقا، و مجهزا بأحدث التكنولوجيات المختبرية و مموَّلا بما فيه الكفاية. وفوق هذا وذاك، يجب أن يحظى بإرادة سياسية قوية تجعل منه أداةً أفقية ترافق السياسات العمومية. 
غير أن بحثنا العلمي بعيد كل البعد عن هذه الاعتبارات. لا هو منظمٌ و لا هو منسَّق و لا هو موجَّه و لا هو مشمول بإرادة سياسية قوية و لا هو مموَّل بما فيه الكفاية. فلنقُلْها بكل صراحة و موضوعية : بحثنا العلمي، من جهة، سجين أنانية فئة من الأساتذة الباحثين، بمعنى أن الكثير من هؤلاء الأساتذة الباحثين لا يرون فيه إلا مصلحتَهم الشخصية.
ومن جهة أخرى، سجين لامبالاة مَن بيدهم مقاليد تدبير الشأن العام و اتخاذ القرارات. بحثنا العلمي مشتَّتٌ بين أهواء أساتذة اباحثين وغياب الإرادة السياسية التي، إلى حد الآن، لم تُولِه ما يستحق من اهتمام. بحثنا العلمي ضائع في متاهة ورتابة و تكرار المواضيع و تضخُّمها.
بحثنا العلمي لا وجود فيه لمباديء التقاسم و التكامل و التَّآزر بين الأساتذة الباحثين لبلوغ الكتلة الحرجة .masse critique. بحثنا العلمي، بصفة عامة، يدور في حلقة مفرغة بحكم انعزاله عن التنمية الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، الفلاحية، الصناعية…
أما التَّمويل، فيكاد ينحصر فيما تقدِّمه له الدولة من موارد مالية لا تتجاوز في أحسن الحالات 1% من الناتج الداخلي الخام. أكثر من 80% من هذا التّمويل تذهب لأجور الأساتذة الباحثين.
والنسبة الباقية هي التي تُخصَّص للتسيير والتجهيز. وإذا قارنَّا هذه النسبة المخصَّصة للتسيير والتَّجهيز بعدد الجامعات وعدد الأساتذة الباحثين، فسيظهر لنا أن توزيعَ الموارد المالية على هذه الجامعات لتمويل البحث العلمي مُشتَّتٌ وغير كافي على الإطلاق ليكونَ هذا البحث ناجعا وذا مردودية.
و مما يزيد في الطين بلَّة، هو أن توزيع الموارد المالية داخل الجامعات لا يخضع لمعايير الجودة والتَّميُّز والاستحقاق والمردودية لكن لمعيار واحد ألا وهو إرضاء الجميع علما أن عددا لا يُسبهان به من الأساتذة الباحثين لا يمارسون البحث العلمي وخصوصا في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن تمويلَ البحث العلمي سيبقى دائما ضعيفا و غير كافي إذا اقتصرت مصادر هذا التمويل على ما توفره له ميزانية الدولة. لقد بيَّنت التجربة أن نجاعة البحث العلمي وجودتَه وانفتاحَه على محيطه الاقتصادي والاجتماعي، كلها عوامل رهينة بمساهمة القطاع الخاص في تمويله.
وهذا هو ما جاري به العمل في دول شرق آسيا، في الاتحاد الأوروبي، في إسرائيل، في الدول الإسكندينافية وأمريكا الشمالية. كل هذه البلدان لها باع طويل في مجال البحث العلمي من حيث  النشر و براءات الاختراع علما أن نسبةَ مساهمة القطاع الخاص في تمويل هذا الأخير تتراوح بين 50 و 70%.
 أما بحثنا العلمي، فمساهمة القطاع الخاص في تمويله تكاد تكون منعدمة اللهم بعض المحاولات المحتشمة و المعزولة. و هذا هو ما يجعل بحثنا العلمي منطويا على نفسه وغير منفتح على محيطه الاقتصادي و الاجتماعي وبالتالي، لا يمكن، في الوقت الراهن، الاعتماد عليه كرافعة للتنمية بجميع تجلِّياتها. غير أن القطاع الخاص لن يساهم في تمويل البحث العلمي بمحض أرادته. فلا بد من تشجيعه لينخرطَ في هذا التمويل. وأحسن تشجيع هو استفادته من تحفيزات ضريبية incitations fiscales. وهذا هو دور السلطات العمومية والمشرع.
كل ما أختم به هذا المقال هو أن منظومتنا الوطنية للبحث العلمي مريضة و في حاجة ماسة لمَن سيُخرجها من سُباتها. النهوض بهذه المنظومة يجب أن يمرَّ عبر التَّميٌّز والخروج من روتين التطرُّق للمواضيع المتجاوزة والتي لا تغني و لا تسمن من جوع. فالأحرى بالجامعات أن تبرز كل واحدة منها عن نظيراتها بالتَّميُّز excellence في مجالٍ أو بعض المجالات ليكون لها باع طويل في الإبداع و الابتكار العلميين والتكنولوجيين عوض أن تضيعَ الطاقات البشرية و الموارد المالية، على ندرتها، في بحث لا جدوى منه و تبقى نتائجه النظرية حبيسةَ الرفوف. كما يجب أن يخضع تمويل البحث العلمي داخل الجامعات لمعايير دقيقة تعتمد، أولا و قبل كل شيء، على النتائج و المردودية و الجودة بعيدا عن الاعتبارات الذاتية. وهذا يقتضي أن تتوفر كل جامعة على سياسة أو استراتيجية علمية متعدِّدة السنوات لها أهداف معيَّنة و تكون فيها معايير التّمويل واضحة المعالم. 
إلى حد الآن، منظومة بحثِنا العلمي متروكة لحالها بحكم أنها لا تتوفر منذ عشرات السنين على نص قانوني خاص بها ينظمها و يجعل منها فعليا رافعةً للتنمية الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية. منذ عشرات السنين وهذه المنظومة تعيش فراغا مهولا سبَبُه غياب الإرادة السياسية. حسب علمي، ليس هناك و لو حزب سياسي واحد جعل من منظومتنا الوطنية للبحث العلمي قضيةً من قضاياه الأساسية، هذا إن كانت له قضايا. وكل ما وصلت إليه هذه المنظومة من نتائج مُرضية، فالفضل يرجع، أولا و قبل كل شيء، لفئة من الأساتذة الباحثين المنخرطين قلبا و قالبا في أنشطة البحث العلمي بجُهدهم الخاص.
لو توفرت الإرادة السياسية منذ فجر الاستقلال، لكان لمنظومتنا الوطنية للبحث العلمي مدارس في البحث العلمي يُقام لها و يُقعد في العلوم الصِّرفة والعلوم الدقيقة والطبيعية وبالأخص في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وما أحوجنا، في الظروف الراهنة، إلى مثل هذه المدارس!