الثلاثاء 7 ديسمبر 2021
سياسة

أصولية المشيخة العلمية في سعي لنصب ولاية الفقيه على ضمير الأمة في المغرب!

أصولية المشيخة العلمية في سعي لنصب ولاية الفقيه على ضمير الأمة في المغرب! الوزيرأحمد التوفيق يتوسط محمد يسف(يسارا) ومحمد كنون (يمينا)
من منشورات"المجالس العلمية بجهة طنجة، تطوان،الحسيمة"، سنة 2020، صدر للأستاذ محمد كنون، رئيس المجلس العلمي بطنجة، منسق هذه المجالس، كتاب: "المشيخة العلمية بالمغرب، جذور ثابتة وأغصان وارفة".
وهو امتداد لكتاب "سبيل العلماء"،الذي صدر عن المجلس العلمي الأعلى سنة 2016، من طرف الأساتذة: أحمد أيت إعزة، وإدريس بن الضاوية، وسعيد بيهي، وسعيد شبار، ومحمد كنون.
وهؤلاء من "الخلية" الأصولية لوزير الأوقاف، وهي تتولى الكثير من مهام الالتباس في هندسة الحقل الديني، آخرها فرض مسطرة ملغومة لتعيين  القيمين الدينيين، وفي ضرب واضح للجهوية، وللحكامة الإدارية، ولمن تبقى من "المغاربة" في المساجد، فضلا عن المساس باستقرار وظيفة بيوت الله، وخصوصا في العالم القروي. 
وبما أن سي كنون يستهويه  ترديد مقولة "إنما العاجز من لا يستبد"، معتبرا كل من يقف في وجه استبداده، معرقلا ويساريا يستوجب الطحن، وهو يستقوي بقربه من  الوزير، وبأهلية المشاء بنميم،فإن كتابه لم يخضع لمسطرة اللجنة العلمية الجهوية، لأن هذا العمل حسب قوله، قد "باركه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وبادرت المجالس العلمية لجهة طنجة تطوان الحسيمة إلى طبعه ونشره".
ورغم أن سياق التأليف واضح، فإن كنون أراده غير ذلك بقوله: "واعترافا بالفضل لأهله أقول بأن الباعث على تأليف هذا الكتاب والدافع إليه هو الدرس الذي ألقاه  وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق في موضوع: "النصيحة شرط في البيعة، عمل علماء المغرب ماضيا وحاضرا"، وذلك يوم الثلاثاء فاتح رمضان1429-2 شتنبر2008".
والملاحظ أن هذه الإحالة على درس بعيد عن لحظة التأليف، في حين لم تتم الإحالة على درسه الرمضاني "دور علماء المغرب في الحفاظ على الهوية الوطنية"سنة 2017، وهو الأقرب إلى ذلك، يترك بياضات في التحليل، خصوصا وأن كتابه يصرح بطموح الحديث عن "الدور التاريخي للعلماء في خدمة أمتهم وملوكهم".
والملاحظ أيضا، أن درس الوزير سنة 2008، شكل مادة، ل"السياق التاريخي للمشيخة العلمية بالمغرب"، في وثيقة "سبيل العلماء"، حتى وإن لم يتم التصريح بذلك.
فوجب رد الفضل لأهله، لأنه صاحب مشروع/مخطط ولاية الفقيه الأصولي على مرجعية إمارة المؤمنين. 
وإذا كان العلامة محمد يسف لم يعتبر "سبيل العلماء "وثيقة مذهبية رسمية للمجلس العلمي الأعلى، فكيف له أن  يبارك عمل كنون وهو امتداد لما سبق في التقية الأصولية والتدليس؟.
ولعل إقحام كنون، للأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، يستوجب توضيحا من الأستاذ يسف، خصوصا وأن تضخيم الحديث عن المشيخة العلمية في هذا الوقت، وفي ظل واقع التسيب المذهبي، هو رسالة غير مباشرة لأمير المؤمنين.
فماذا يريد منه "الشيوخ"، وقد منحهم كل شيء؟ في حين تقتضي الآداب مخاطبته، عبر القنوات المرعية، إذا كان هناك ما يستوجب ذلك.
إن أول شيء يستوقفنا في هذا الكتاب، غلافه وقد ازدان ب40 صورة لهذه المشيخة. لكنه يطرح تساؤلات في الشمال حول تغييب بعض الأسماء وإثبات أخرى، حيث يظهر أنه لم تكن هناك نزاهة في ذلك، فظهرت الأهواء  ابتداء من الغلاف، لتتواصل في تضاعيف الكتاب..
الكتاب عبارة عن استعراض تاريخي لهذه المشيخة وبنقص في عدة  التبويب. لكنه في معظمه يتضمن النصوص القانونية، والوثائق والمنشورات ذات الصلة بالموضوع. 
فكيف حضرت ثوابت البلاد في كتاب المشيخة  العلمية، وحضرت تشيكلات هذه المشيخة؟
في عرضه للمذهب المالكي أشار إلى اجتهاد العلماء ل"وضع مادة تفصيلية لعامة الناس يعتمدونها في تدينهم  ومعاملاتهم  مقتبسة من موطأ الإمام مالك والمدونة".
ويعيد هذه الفقرة في موضع آخر بحذف المدونة. وفي الوقت الذي  تحدث عن رواة الموطأ ومجالس إقرائه، وتفسيره وشرحه، لم يلتفت إلى المدونة.
وهذا يعبر عن تمهيدات الأصولية، للتضمين الحنبلي للمذهب. فالمذهب المالكي تجسده المدونة، وما تفرع عنها من أمهات مصنفات المذهب.
وبهذا يظهر أن كنون يمارس التدليس خدمة لأجندات أخرى من داخل المؤسسة العلمية.
كما اعتبر أن العقيدة الأشعرية،"هي وسط بين التأويل والتشبيه" ورغم انعدام الدقة في هذا التوصيف، فإنه بهذا الاختزال يلغي آفاق تطورها وهي تعانق ب"النظر"، العرفان. 
وفي حديثه عن التصوف، كانت إشارة إلى تصوف الجنيد السني، والتصوف السني، بدون تفصيل في خرائطة، وبدون كيمياء تفاعله مع العقيدة الأشعرية.
والملاحظ أن هناك تغييبا غير مفهوم لابن عباد الرندي، وقد كان في طليعة من أرسى مشيخة التصوف.
أما عرض هذا الكتاب لمخاض هذه المشيخة في المغرب المستقل، فلم يكن أمينا في بسط الوقائع، ولا في ضبط السياق، ويمكن التمثيل لذلك، بعرضه لجمعية علماء سوس.
وهنا يمكن القول: إن الحديث عن مشيخة العلماء بالتعالي عن سياقات عصور الدولة، فيه تجن على العلماء والتاريخ.
وإلا، من أفتى بحرق كتاب الإحياء للغزالي، ومحنة ابن رشد،وقتل بعض العلماء، ومجاراة الجند في التلاعب بالبيعة في غياب ولاية العهد، و"مبايعة" ليوطي وفرانكو، وبيعة ابن عرفة؟
إن قراءة التاريخ هو قول في الحاضر أيضا فماذا يراد من قول، لأمير المؤمنين من خلال هذه القراءة المنحرفة للتاريخ والمختزلة للثوابت؟
إن تنميط كنون للمشيخة العلمية، تحملنا على التساؤل: هل مشيخة العلماء في عهد المرحوم الحسن الثاني، هي ذاتها المفترضة في عهد محمد السادس؟هل سياق حكم الحسن الثاني هو نفسه سياق حكم محمد السادس؟ بالطبع السياق مختلف، ويفترض تبعا لذلك، أن تكون المشيخة مختلفة.
فكيف لمشيخة لم تستوعب تعبيرات المجتمع،ومتطلبات التنمية، أن تستوعب تعبيرات  التعايش في ظل المنتظم الدولي؟ 
إن تضخيم الحديث في العهد الجديد، عن المشيخة العلمية،في ظل الطعن الأصولي في أهلية صاحب الأمر، والتمدد المصاحب لذلك في كل اتجاه، إنما يسعى  لفرض مجلس الوصاية الأصولية على أهلية أمير المؤمنين.
أفلم تقبر مشيخة العلماء وبلسان الوزير التوفيق المشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي لصاحب الأمر؟
أما بعد، أفلا تقتضي أمانة قول الحقيقة، أن يبوح العلامة محمد يسف في حضرة المقام؟
إن احتضان المؤسسة العلمية، بالتمكين الوهابي/الإخواني، لنزوعات الوصاية على أمير المؤمنين، ولنزوعات التكفير ضد المشرب الصوفي والديموقراطي، كل هذا يفرض على الأستاذ يسف وقفة المسؤولية، بالنظر إلى وضعه الاعتباري المحفوظ في المجتمع والدولة.
ومن جانبي، كمتتبع بسيط أقول، ورحمة الله على الأموات والأحياء: إنه  في  الوقت الذي "قتل" فيه الوزير المدغري، الأستاذ يسف،"أحياه" الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في "الاتحاد الإشتراكي".
وفي الوقت الذي قتلته أصولية "التجديد"، أحياه الأستاذ محمد البريني في "الأحداث المغربية". وفي الوقت الذي قتله الوزير التوفيق، يحييه الآن الزميل عبد الرحيم أريري في "أنفاس بريس".
وهذا من وفاء الديموقراطيين لمقام العلماء، بدون اختزال.. وبالجملة، فإن التمكين للإصلاح لن يكون إلا  بقول الحقيقة أولا.
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ".