الخميس 17 يونيو 2021
سياسة

من الموقع الرسمي.. سبيل العلماء والسلالة المتحورة للأصولية في التأطير الديني!

من الموقع الرسمي.. سبيل العلماء والسلالة المتحورة للأصولية في التأطير الديني! أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية (يمينا) والكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى محمد يسف

بعد أن فرغنا من كليات المتابعة لوثيقة مشيخة/ "سبيل العلماء"، وقد جعلت من مرجعية إمارة المؤمنين، خادمة لها. ومن ثوابت البلاد، أوعية لمضامين وهابية إخوانية، سنخصص متابعة اليوم، لبعض تفاصيلها. علما أن التدليس الأصولي من داخل مؤسسات الحقل الديني، يلعب في ظل موازين قوى معينة، لعبة الخلط في كل شيء. لذلك يصعب على غير المتتبع -لمساحة الخلط هذه، وقد تشابهت الكلمات والأشياء- تمييز الخيط الناظم في ذلك.

 

وسنقتصر الآن في هذه التفاصيل على خمس نوافذ، نطل من خلالها على هذا المعترك. على أن نرجئ الختم في "مذهبية" رهان مشيخة/ سبيل العلماء، إلى وقفة أخرى..

 

1- في سياق الحديث عن الثوابت، استعرضت الوثيقة، العقيدة الأشعرية، في صفحة واحدة. وسوقت هذا الاستعراض من خلال كتاب "الإبانة" للأشعري، رغم عدم أخذ المغاربة به، كما بينا في مادة سابقة. ثم اختارت أن تطرح مسألة "التوحيد" خارج ناظم العقيدة، من خلال عنوان "الاستنباط من كنز التوحيد"، جاء فيه: "إن الكلام في الدين يكون أنفع إذا استنبط من التوحيد، لأنه يحاذي الفطرة". وقد تم طرح ذلك في حوالي ثلاث صفحات، وبدون ناظم منهجي، مما يسمح باحتضان التوحيد الوهابي في محصلة "توحيد الحاكمية". ومن هذا القبيل، الكلام عن المقاصد، خارج المذهب المالكي وبتحديد ابن تيمية لهذه المقاصد، مع إغفال ذكر اسمه، للتمويه. وكل هذا يقدم فكرة عن طبيعة "مذهبية" هذه الوثيقة/ الكتاب.

 

2- وفي بسطها لـ "السياق التاريخي للمشيخة العلمية للمغرب"، تم الوقوف على محطة "ملوك الدولة العلوية"، الذين "لم يلبثوا أن طوروا مجالسهم الخاصة مع شيوخهم إلى مجالس علمية عامة، أضحت مجالا للجدال والنقاش بين العلماء في مواضيع عامة وخاصة".

وتواصل الوثيقة القول، وهذا بيت القصيد: "وتطور هذا العمل وتوسع على عهد السلطانين سيدي محمد بن عبد الله ومولاي سليمان، اللذين كانا من العلماء المشاركين في النقاش والمطارحات العلمية، المشجعين على التجديد والإصلاح والتربية والتكوين". وإذا علمنا أن القراءة الوهابية لتاريخ المغرب تتأسس مشروعيتها على هذين السلطانين، أدركنا المغزى من التنصيص عليهما، وكذا الرسالة المشفرة لولي الأمر من خلال التنصيص أيضا، على تشجيعهما على "التجديد والإصلاح والتربية والتكوين".

 

3- ونقف في تفصيلات حديث الوثيقة عن المذهب المالكي على: "ويحرص العلماء على أن يلتزم الأئمة داخل المساجد بالمذهب المالكي كجزء من صيانة الأمن العام. أي صيانة عقول عموم الناس من الحيرة أمام الخلاف في بعض جزئيات الصلاة وغيرها..". إنه كلام عام بدون تضاريس لجزئيات الصلاة، والحال أن صلاة معظم العلماء في اجتماعات المجلس العلمي الأعلى تتم بالقبض، وليس بالسدل كما في المذهب، فعلام الضحك إذن؟

ويجرنا هذا الجانب إلى الإشارة أولا، إلى "تحقيق" المجلس العلمي الأعلى لموطأ الإمام مالك رضي الله عنه، في الجانب المتعلق بالقبض، مما يبين نية التدليس في هذا الجانب، رغم أن النقاش العام نبه إلى ذلك بمجرد الإعلان عن مشروع التحقيق هذا. وثانيا، الإشارة إلى درس الوزير التوفيق "دور علماء المغرب في حماية الهوية الوطنية"، سنة 2017، لما قال: "ومن هذه المخالفات المذهبية الجزئية إدخال التطريب في صيغة الأذان، وإسقاط الأذان الثالث يوم الجمعة، وقراءة بسم الله الرحمان الرحيم في الصلاة، وقبض اليدين في الصلاة، ومد قول آمين عقب الفاتحة، والخروج من الصلاة بتسليمتين، وإنكار قراءة القرآن جماعة، وإنكار الدعاء والذكر جماعة عقب الصلوات،،"؛ حيث يحملنا هذا الرصد على هذا التساؤل: لماذا سكت "دليل الإمام والخطيب والواعظ"، عن "قبض اليدين في الصلاة" مثلا؟ وما هو عمل المرشدين، وخطة ميثاق العلماء، للقضاء على "هذه المخالفات المذهبية الجزئية"؟ ما هو أكيد أن هذه المفارقة تضعنا أمام "النموذج المغربي"، ليس في التدين، بل في التدليس على الرأي العام، وحتى في مقام حضرة صاحب الأمر، أعز الله أمره.

 

4- وفي حديثها عن تجلية المغاربة لثابت التصوف في "التقيد بواجبات الدين، والتسليم لأحكام سيد المرلسين.."، تم "إظهار شواهد الإخلاص في محبة مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي يجددونه كل سنة بالاحتفال بالمولد النبوي للتعريف بسيرته والتذكير بشمائله وخصائصه والتعريف بدلائله ومعجزاته، والتنويه بما ظهر من الآيات الباهرة في مولده. ومنها تقدير أهل الفضل واحترامهم والاقتداء بهم والدعاء لهم لأداء واجب شكرهم على خدماتهم والثناء عليهم على نفعهم وعطائهم والترحم عليهم".

وهكذا نلاحظ في هذه الفقرة تغيبا لكلمة" العيد". وهذا ينسجم مع المعجم الأصولي. كما لا نجد ذكرا للأذكار في هذا الاحتفال، وفي هذا ضرب لاحتفالات الزوايا بعيد المولد، ونلاحظ مطلب تزكية مقام مشيخة العلماء في هذا الاحتفال، وليس مرجعية إمارة المؤمنين.

 

5- أيضا تتحدث الوثيقة عن التعليم العتيق بـ "دواعي": "تعزيز التعليم الشرعي المنضبط برؤية المؤسسة لضمان الاستمرارية الممكنة من حفظ التدين الصحيح، تعليما أفقه الترقي مدى الحياة في مراتب الإحسان ".علما أن الجميع يدرك أن التعليم العتيق، هو الحاضنة الرسمية للوهابية في المغرب، وبكل ما يلزم من التستر على هذا المخطط. وقد تمت الإشارة في متابعات سابقة إلى استهداف شيخ الأشعرية بالمغرب الأستاذ يوسف احنانة، لما أشار كباحث، إلى وجود الوهابية في هذا التعليم، فاستغنت وزارة الأوقاف عن خدماته، كمفتش بجهة الشمال، لمواد الفلسفة والفكر الإسلامي، والعقيدة والمنطق. والمؤسف أن الإخراج الذي تم به هذا الاستغناء، يعبر عن التدبير "المافيوزي" في الحقل الديني. والمؤسف أيضا، أن هذه الفضيحة تجعل من هذا المغرب العظيم، بلد طالبان، ولله عاقبة الأمور.

 

أما بعد، فنحن أمام سلالة متحورة للأصولية، في موقع التحديد الرسمي، لوظائف مرجعية إمارة المؤمنين، والمؤسسة العلمية ومشيخة العلماء، بخلفية أصولية، في ظل "الحكومة الملتحية". وأمام صياغة لسبيل العلماء، بـ "سبيل" غير مستساغ تداوليا، من جملة انشغالاته، مغازلة مجموعة "السبيل" الوهابية.

 

وتبقى لنا وقفة أخيرة مع "مذهبية" هذه الوثيقة/ الكتاب، لعله تتضح في النهاية معالم البناء الحقيقي المطلوب، لصرح المؤسسة العلمية المنتظمة، على تقوى من الله ورضوان، داخل التحملات الحقيقية لمرجعية إمارة أمير المؤمنين. "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ".