الجمعة 18 يونيو 2021
سياسة

تفكيك خطاب "سبيل العلماء".. في الانقلاب على البناء المؤسساتي والمذهبي للمغرب!

تفكيك خطاب "سبيل العلماء".. في الانقلاب على البناء المؤسساتي والمذهبي للمغرب! عبد الوافي لفتيت، يتوسط، أحمد التوفيق، محمد يسف، رئيس المجلس العلمي الأعلى(يسارا)
سيكون مدار متابعة اليوم،للكليات الناظمة للتسيب الأصولي في الحقل الديني، بعض اللمع من تحليل خطاب "مشيخة" العلماء.
من هنا كان كتاب محمد كنون "المشيخة العلمية بالمغرب"،الصادر سنة 2020 عن المجالس العلمية بجهة الشمال،امتدادا،لمؤلف جماعي: "سبيل العلماء"، المنجز من طرف الأساتذة: أحمد أيت إعزة، وإدريس بن الضاوية، وسعيد بيهي، وسعيد شبار، ومحمد كنون. و"سبيل العلماء" هذا، رغم كونه من منشورات المجلس العلمي الأعلى سنة 2016،فإنه لم يتم إثبات اسم المؤسسة العلمية الناشرة له،أعلى غلاف الكتاب،بل تم إثبات شعار/تاج المملكة.في حين حمل غلاف مؤلف محمد كنون اسم المؤسسة الناشرة.وستتضح خلفية ذلك بعد حين.
لذلك سنقف في هذه الحلقة،على وثيقة "سبيل العلماء"،التي تولى تقديمها الأستاذ العلامة محمد يسف، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى،بقدر من توجس المنزلة بين المنزلتين، بقوله:"وهي ليست وثيقة مذهبية رسمية للمجلس العلمي الأعلى ، ولا مجرد سوانح فكرية شخصية محض،وإنما هي صياغة من الصياغات الممكنة لجملة من التصورات المتداولة في أعمال علماء المجلس بخصوص أنظارهم في مختلف المحاور التي تتناولها هذه الوثيقة.وقد تسهم هذه الوثيقة في بناء فكري حول دور العلماء،مؤسسا على النموذج المغربي المعيش،الذي تتيحه مرجعية إمارة المؤمنين..".
فهذه الوثيقة غير الرسمية/الرسمية، هي بهذا التأرجح ،بمثابة "بالون" اختبار ليقظة حواس الدولة. وقد استتبعت بدرس الوزير الرمضاني عن" دور العلماء"، الذي ذكر فيه، بفتوى/وثيقة المجلس العلمي الأعلى حول المصلحة المرسلة في المذهب المالكي بقوله:"وفي خلاصة الوثيقة قرروا أن المغاربة بمقتضى البيعة، يفوضون لأمير المؤمنين النظر في ما يصلح أحوالهم الدينية والدنيوية، وما يحمي اختياراتهم من الغلو والتطرف".ولنحتفظ بفعل"يفوضون"إلى حين.فجاء كتاب كنون،وبدون المرور على اللجنة العلمية، كخطوة متقدمة،في سياق ترسيم هذا الانقلاب الناعم على مرجعية إمارة أمير المؤمنين ،من خلال التأصيل الممنهج لولاية الفقيه الوهابي/الإخواني، باسم المشيخة العلمية.
فبأي مضمون استحضر كتاب "سبيل العلماء"، "الاختيارات والثوابت" المذهبية للبلاد؟وما هي العلاقة القائمة بين مشيخة العلماء،وهذه الاختيارات والثوابت؟
بداية نسجل أن هذا الكتاب الذي يقع في 158صفحة،والذي تتصدره صورة أمير المؤمنين، لتأمين عملية استغفال المتتبعين، خصص لـ"مرجعية" المشيخة العلمية،المتمثلة في إمارة المؤمنين،والعقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، بالكاد 7صفحات.والباقي لمشيخة العلماء. مما يبين أن بنية الكتاب بنواتها الصلبة تعانق أفقا مغايرا.
ولبيان طبيعة المعادلة، بين العلماء والمرجعية المفترضة الناظمة لأدائهم، لا بد من الوقوف على فقرتين من مفتتح الكتاب/الوثيقة، وخاتمته.حيث نقف في المفتتح على:"..بيان سبيل العلماء،باعتبارهم أساس بناء المؤسسة العلمية في حمل الميراث النبوي الذي جاء رحمة للعالمين أجمعين.قال تعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ".ولنضع خط الإبراز على كلمة" أساس" ،و"الميراث النبوي"،إلى حين .
ونقف في الختم،على ما يلي:"إنها سبيل تمهدت من خلال اقتفاء العلماء لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم،الذي خلف فيهم سيرته العطرة.سبيل أساسها البصيرة التي يحصل بها اليقين،شعارها قول الله تعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ".
وبهذا السمو المجرد لمقام العلماء،سيتم تصريف وسواس مهدوية الأصولية، من خلال استعراض هذه الوثيقة ل: "الثوابت والاختيارات":
أ-في عرضها لإمارة المؤمنين،يستوقفنا في مسرد أبرز مميزاتها:"ارتباطها عبر التاريخ بالنسب الشريف الذي هو من أصرح الأنساب،وسببها المتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم من أمتن الأسباب،المقدر بواجب حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب آله محبة تشرع".وهكذا نلاحظ أن الوثيقة لم تخص أمير المؤمنين،كما خصت العلماء بحمل "الميراث النبوي".والملاحظ أن مستند العلماء في استمداد هذا الميراث،" البصيرة التي يحصل بها اليقين". في حين يحتاج أمير المؤمين، وقد خصته الوثيقة فقط بـ" مرجعية ولائية تدبيرية وحيدة للأمة المغربية"، إلى تفويض البيعة.من هنا فالاستعلاء الأصولي من خلال مقام العلماء واضح، واختزال مهمة أمير المؤمنين في "التدبير"، التي تحتكرها الأصولية في المحصلة النهائية، واضحة. وهنا يطل قرن الشيطان:
ب- وفي عرضها للعقيدة الأشعرية أحالت الوثيقة على كتاب "الإبانة" للأشعري.علما أن المغاربة لا يحيلون عليه،بل على كتاب "اللمع" ،وعلى كتب الباقلاني والجويني،وعلى مؤلفات التمثل المغربي لها.فكتاب الإبانة لا نقف عليه مثلا في "فهرست" اللبلي ضمن مؤلفات الأشعري.بل إن المخطط الأصولي لحنبلة العقيدة الأشعرية هو الذي يركز عليه.وهذا التضمين له دلالته في مسمى التمكين الأصولي.
ج-أما عرضها للمذهب المالكي فهو الآخر خضع لعملية اختزال بالإحالة على جزء من كلام أبي محمد الأصيلي ،الوارد في "عيون الإمامة ونواظر السياسة" لأبي طالب المرواني،علما كان الأولى التنصيص على إقراره التالي على من يعتبر مذهب مالك، " هو مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصاحبه والتابعين بالمدينة". كما حصل الانزياح بالإحالة على" جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر، في بيان وجوب تقليد العامة للعلماء، وهذا لا يستوجبه منهجيا،سياق الحديث عن المذهب .في حين كان الأولى الاستشهاد بأبي بكر ابن العربي ،وبأمهات مدونات المذهب في الغرب الإسلامي. كان الأولى الإشارة إلى تطوره من فقه إلى قوانين ومقاصد. كان الأولى الإشارة أيضا إلى فرادته على مستوى النوازل والقواعد والكليات، ورعي الخلاف.
د- وفي عرضها للتصوف، تم الاعتماد على نشرة عبد الله بن الصديق:" حسن التلطف في بيان وجوب سلوك طريق التصوف".وهذا أمر معيب علميا. فهناك مؤلفات مغربية متقدمة في التقعيد الصوفي تم تجاهلها. كما لم تبين الوثيقة خريطة التصوف المغربي من خلال تضاريس القادرية والشاذلية والتيجانية، وأن دولة الأشراف على عهد السعديين والعلويين شيدتها الشاذلية. وأن لفظ المشيخة التي تضاف للعلماء، هي من نبع مشيخة التصوف، التي لها آدابها الخاصة وضوابطها،العاصمة لها من الانحراف.وبهذا يظهر أن تكييف الوثيقة للتصوف إنما هو لأمور أخرى.
أما بعد، فإن استعراض الوثيقة للثوابت والاختيارات، إنما هدفه إحكام الوصاية الأصولية على مرجعية إمارة أمير المؤمنين،وإفراغ الثوابت من مضامينها الحقيقية،لإضفاء المشروعية الدينية على أيدلوجية " الإسلام السياسي". من هنا تندرج هذه الوثيقة ضمن استحقاق مغاير،لا علاقة له بالمرة مع البناء المؤسساتي والمذهبي للحقل الديني.
ويبقى الأمل في أن يدرك معنا شركاؤنا في حماية الأمن الروحي للبلاد ،مقاصد هذا التحليل/التفكيك، لخائنة الأعين.وأكيد أن في بلورة هذا الوعي المشترك، خيرا كبيرا لاختيارات وثوابت الأمة في المغرب.
بقي لنا الوقوف، عبر بعض تفاصيل هذا الكتاب/الوثيقة، على معجم منتظم في سياق "التمكين" الأصولي، سنؤخره إلى أجل قريب."وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ. فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ. وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ. وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا".