الخميس 22 إبريل 2021
سياسة

سليمان الخشين: القاسم الانتخابي وسكيزوفرينيا العدالة والتنمية

سليمان الخشين: القاسم الانتخابي وسكيزوفرينيا العدالة والتنمية سليمان الخشين (يسارا) وسعد الدين العثماني رئيس الحكومة

أفرز التصويت على التعديلات التي طالت القوانين الانتخابية الجديدة جملة من ردود الفعل القوية، ولا سيما من طرف المحسوبين على الحزب الذي يقود الحكومة، وخاصة فيما يتعلق بالبند الذي يخص القاسم الانتخابي من خلال احتسابه على أساس قسمة مجموع عدد الناخبين المقيدين في اللوائح بالدائرة الانتخابية، على عدد المقاعد النيابية المخصصة لنفس الدائرة, بدل أن تكون القسمة على أساس الأصوات المعبر عنها طبقا للقانون الانتخابي السابق.

 

من المعلوم أن القوانين الانتخابية هي جزء لا يتجزأ من اللعبة السياسية التي يتم اعتمادها في الأنظمة الديمقراطية بهدف التعبير عن توجهات الناخبين المكونين من جميع أفراد الشعب الذين يحق لهم التصويت، في انتخاب من سيمثلهم، ومن سيمارس السلطة باسمهم. وفي هذا الإطار هناك تباين شديد بين مختلف الدول الديمقراطية على مستوى اعتماد نظام من الأنظمة الانتخابية، حيث تختار كل واحدة منها ما يلائم خصوصياتها. فهناك أنظمة تسعى إلى تقليص عدد الأحزاب في المؤسسات المنتخبة من خلال اعتماد نظام قاعدة "أكبر معدل" أو وضع عتبة انتخابية تشترط الحصول على نسبة مئوية من الأصوات، وهناك من تسعى إلى توسيع دائرة التمثيلية الحزبية في هذه المؤسسات المنتخبة لتشمل حتى الأحزاب الصغيرة. من خلال عدم وضع شروط معينة تحد من هذا التوسع، بدعوى أن جميع التيارات السياسية يجب أن يكون لها صوت يبين وجهة نظرها في مختلف قضايا الشأن العام بالمؤسسات المنتخبة. ومن الأنماط الاقتراعية التي تشجع ذلك نمط الاقتراع الأحادي الإسمي، بدل نظام الاقتراع اللائحي.

 

الإشكالية المطروحة في المغرب أن هناك كتلة ناخبة هامة تعزف عن الإدلاء بصوتها خلال مختلف المحطات الانتخابية، وخاصة في صفوف الطبقة المتوسطة والنخب المتعلمة، وهذا يفرز صورة غير واضحة عن توجهات الرأي العام فيما يخص تقييم المشهد السياسي. حيث إن هذه الفئة المقاطعة للانتخابات ما تفتأ تنتقد أداء السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأداء مجالس الجماعات الترابية، ويظهر هذا التوجه لديها فيما تدونه بمواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن العملية الانتخابية غالبا ما تفرز توجها مناقضا لتلك الآراء، حيث يتم تكريس هيمنة تيارات سياسية استطاعت التحكم في هذه العملية، إما من خلال الخطاب الديني، أو من خلال التأثير في مجتمع مدني مصطنع مبني على العمل الخيري (لا تعرف مصادر تمويله). ومن ثم تكون النتائج الانتخابية لا تعكس ما يروج في أوساط الرأي العام. ولذلك لا غرابة أن نجد الأحزاب المستفيدة من نمط الاقتراع الحالي، لا تبالي بظاهرة العزوف السياسي والانتخابي، ما دامت قاعدتها مستقرة، والتي ترتبط بها للأسباب والعوامل المذكورة.

 

ولذلك فإن الإبقاء على نفس نمط الاقتراع الحالي لا يمكن أن يحقق الأهداف المتوخاة من الانتخابات سواء من حيث كونها يجب أن تكون مرآة صادقة لتوجهات الرأي العام، أو من حيث كونها وسيلة للتداول على السلطة بين القوى السياسية الحية في البلاد. ومن ثم يمكن القول بأن عدم تحقيق هذين الهدفين من شأنه أن يشكل خطرا على العملية الديمقراطية نفسها. لأنها تكرس استمرار انعدام الثقة بين الناخبين والمنتخبين، ولا تتيح إمكانية التداول على السلطة إلا بعد احتجاجات شعبية. خاصة أمام ضبابية المشهد السياسي الذي لم يعد يتيح إمكانية التمييز ما بين القوى اليمينية المحافظة، وبين القوى اليسارية التقدمية. وأصبح الخطاب السياسي لدى هذه القوى لا يركز سوى على ما هو انتخابي، وغابت البرامج السياسية، وأصبحت الأحزاب بعيدة كل البعد عن الدينامية المجتمعية، إلى درجة أنها أصبحت غير مؤهلة لبلورة نموذج تنموي جديد يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، تاركة المجال لهيئة تكنوقراطية أمر صياغة بديل للنموذج التنموي الحالي.

 

كما نتساءل كيف لنمط الاقتراع الحالي أن يفرز نخبة نيابية قادرة على ممارسة أدوارها في عملية مراقبة وتقييم الأداء الحكومي، تاركة للسلطة القضائية (المجلس الأعلى للحسابات) هذه المهمة. وبالتالي أصبحت أدوارها تكبر تدريجيا، إلى درجة أنها أصبحت إلى جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تتحكم في تحديد أهداف السياسات العامة للدولة، بدل الحكومة.

 

إن من مفارقات المشهد السياسي المغربي أن تتبنى الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية التعديلات الجوهرية التي تمس النظام الانتخابي، والتي تم اقتراحها من الوزارة الوصية، ويتم تبنيها من طرف مؤسستين دستوريتين هما مجلس الحكومة ومجلس الوزراء، ثم يتصدى نواب نفس الحزب لهذه التعديلات، بل واتهام باقي المكونات السياسية بمجلس النواب بعدم الاستقلالية. لنتساءل ما هي الاستقلالية التي يقصدها هذا الفريق؟ هل يتعلق الأمر باستقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية؟ إذا كان الأمر كذلك فإنه مقبول. ما دام يحترم قواعد اللعبة السياسية التي تقتضي أن تساند الأغلبية البرلمانية وتتجاوب وتدافع عن القرارات التي تتخذها الحكومة المنبثقة عنها. وهذا ما لم نلمسه في الفريق الذي يشكل العمود الفقري لهذه الأغلبية. بل إن هذا الفريق لم يتورع عن نعت باقي فرق الأغلبية بالخيانة !! هل التفاف الأغلبية حول الحكومة المنبثقة عنها يعتبر خيانة. أم إن مناوءة الأغلبية للحكومة هي الخيانة ؟! أم إن المقصود هو أن الأغلبية خانت المشروع التحكمي لفريق بعينه. الذي ما زال يمني النفس بالولاية الثالثة؟

 

لقد عودنا حزب العدالة والتنمية على الفعل ونقيضه، يجهزون على حقوق الطبقة العاملة المكتسبة في أنظمة التقاعد ويسمون ذلك إصلاحا. يتخلون عن دعم المواد الأولية الضرورية، ويعتبرون ذلك إجراء لصالح الفقراء. يتبنى وزراؤه إصلاحات الأنظمة الانتخابية، ويعارضها منتخبوه في البرلمان. بل الأغرب من ذلك: أن يوجه "العثماني" الأمين العام لحزب العدالة والتنمية مذكرة "للعثماني" رئيس الحكومة يخبره فيها برفضه للإصلاحات الانتخابية التي تبناها في المجلسين الحكومي والوزاري!!

 

- سليمان الخشين، كاتب صحافي من تطوان