الأربعاء 21 إبريل 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: تقييم استخباراتي جزائري للوضع السياسي والأمني بالجزائر

محمد بوبكري: تقييم استخباراتي جزائري للوضع السياسي والأمني بالجزائر محمد بوبكري
تروج في الأوساط الإعلامية الجزائرية وثيقة عبارة عن تقييم للوضع السياسي والأمني بالجزائر صدرت في أواخر يناير 2021، وتشكل قراءة في مجموعة من التقارير الأمنية الدورية التي رفعتها المخابرات الجزائرية إلى قمة هرم السلطة هناك. وسأحاول في هذه الورقة القصيرة تقديم ملخص لهذا التقييم.
تتحدث الوثيقة عن أن كل التقارير التي اعتمدتها تجمع على أن الوضع مقبل على انفجار كبير، حيث إن الشارع الجزائري سيعود إلى الحراك بقوة كما كان قبل سنة 2019، وذلك لأسباب موضوعية سياسية واجتماعية واقتصادية، كما إلى انعدام ثقة الشعب الجزائري في السلطة.
وقد ورد في هذا التقييم أن الجنرال "سعيد شنقريحة" قد تمكن من بسط هيمنته على كل من المؤسسة العسكرية والأمنية الجزائريتين، ما جعله يصبح أقوى رجل في الدولة الجزائرية، لأنه عمل في البداية على تفكيك شبكة "القايد صالح"، فوضع رجاله في كل المناصب الحساسة، وأبعد الأشخاص الذين لا يثق فيهم، وبدأ يتطلع إلى القيام بتغيرات سياسية خاصة به، حيث يسعى إلى بسط نفوذه السياسي.
كما تطرق هذا التقييم إلى وضع "عبد المجيد تبون"، فذكر أنه لما غادر الجزائر إلى ألمانيا بهدف العلاج هناك، برز تيار قوي يريد التخلص منه. ومع أن "سعيد شنقريحة" لم يكن رأس حربة هذا التيار، فإنه كان يميل إليه، لأنه كان يتفق معه في تطبيق "الدستور" ضد "تبون" لعزله. ونظرا لظروف داخلية تتعلق بالمؤسسة العسكرية، وتحديات خارجية، فقد تم تأجيل هذا القرار، حيث بقي مرتبطا بتطور الوضع الصحي لهذا الشخص. وخلص التقييم إلى أن قرار عزل "تبون" ما يزال قائما، لكن كيف سيتم؟ هل باستغلال تطور الوضع في الشارع الجزائري؟ وهل بتوظيف استفحال احتقان الشارع لعزله، أو الضغط عليه، بطريقة من الطرق، ليقدم استقالته؟... وقد اكتفى هذا التقييم بقول إن إقالة "تبون" ما تزال ورادة، لكنه لم يقدم أي توضيحات عن كيفية تنفيذها.
كما تعرضت الوثيقة إلى أن الجنرال "علي بنعلي" لم يعد مرغوبا فيه من قبل العصابة الحاكمة، وأن الجنرال "خالد نزار والجنرال "توفيق محمد مدين" يحرضان "سعيد شنقريحة" ضد الجنرال "علي بنعلي"، حيث ذكرتهما الوثيقة باسميهما، لكن الجنرال "سعيد شنقريحة"، حسب الوثيقة نفسها، يتجنب أي اصطدام معه، نظرا لمكانة هذ الرجل، ولكونه شقيقا لأحد رموز الثورة التحريرية الجزائرية. كما ورد في هذا التقييم أن كلا من 
إضافة إلى ذلك، فقد تحدث التقرير عن عودة كل المساعدين السابقين للجنرال "توفيق"، حيث تم إطلاق سراحهم بسرية تامة، واستدعاؤهم لمزاولة مهام استشارية في مجال الاستخبارات...، وعن أن "خالد خالد نزار" قد صار مقربا جدا من "سعيد شنقريحة"، الذي أصبح ينصت إليه جيدا.
كما ورد أن "عبد المجيد تبون" يمر بمرحلة صعبة، دون التفصيل في ذلك، ويُرجع التقييمُ ذلك إلى أن " تبون" لا يملك نفوذا في المؤسسة العسكرية، ولا في الأجهزة الأمنية الجزائريتين، ما جعله أمام اختيارين: إما الخضوع للجنرالات وتنفيذ قرارتهم التي يملونها عليه، وإما الاصطدام مع العسكر، الأمر الذي لا يقدر عليه، لأنه لا يملك نفوذا، وشعبيته جد متدهورة في الشارع، لكونه فاقد لأية شرعية سياسية. لذلك، فهو يخاف من أن تتم تنحيته من قبل العسكر. وقد خلص التقييم في هذه النقطة إلى أن "تبون" كان يعرف فقط "القايد صالح"، ولم يسبق له أن عرف "سعيد شنقريحة، أو أي جنرال آخر، إلا بعد وفاة " القايد صالح".
علاوة على ذلك، يؤكد التقرير أن جميع التقارير الدورية الاستخباراتية تجمع على أن الوضع في الشارع الجزائري آيل إلى الانفجار، وأن الحراك عائد بقوة، وسيكون من الصعب احتواؤه، لأن الشعب الجزائري لم يعد يؤمن بوعود السلطة، لكونه لا يثق في الجنرالات، ويريد أفعالا وليس خطابات فقط. ويضيف هذا التقييم الأمني أن النخبة الحاكمة لا تستطيع الاستجابة لمطالب الشعب الجزائري، لأنها تنهج معه سياسة الكذب والتحايل، وترفض مطلب "الدولة المدنية" الذي يتعارض جوهرا مع طبيعة المؤسسة العسكرية.
ويرى هذا التقييم أنه إذا كانت "جائحة كرونا" قد جنبت الاصطدام بين الشارع والسلطة، فإنها ساهمت في تأجيج الشارع ضد السلطة، لأن الوضع الاجتماعي قد زاد استفحالا، حيث لم تكن السلطة في المستوى المطلوب، لأنها لا تمتلك مشروعا.
ونتيجة ذلك، أضاف هذا التقييم أن الخطاب الراديكالي ضد الجنرالات قد تصاعد، بعد أن كان يتبناه جزء من الشارع فقط، حيث ورد في الوثيقة نفسها: لقد تصاعد هذا الخطاب بطريقة مخيفة، كما أن الخطاب الذي لا يريد الصدام مع السلطة لم يعد له أي أثر. ويعود ذلك إلى كذب السلطة الذي ساهم في تقوية الخطاب الراديكالي الذي يحشد الشعب للمطالبة بإسقاط النظام، في حين تكتفي السلطة بإطلاق الوعود الكاذبة، إذ تتحدث عن إنجازات وهمية، لا يراها الشارع في الواقع.
كما تحدث هذا التقرير عن أن السلطة لا تمتلك إعلاما فعالا، إذ إن إعلامها غير مؤثر، ما جعل خطابها الإعلامي الفارغ يوفر شروطا لتفوق الشارع على دولة العسكر، لأن الخطاب الراديكالي يوظف ذلك الفراغ لصالح ضرورة تغيير النظام... ولم يفت هذا التقييم التطرق إلى لجوء الجنرالات إلى توظيف خطاب إعلامي يتهمون فيه جهات خارجية بكونها وراء الحراك، ما يهدد وحدة الوطن، حسب زعمهم، فخلص هذا التقييم الاستخباراتي إلى أن السعي إلى تحميل مسؤولية ما يحدث في الجزائر إلى جهات خارجية، هو مجرد دعاية لا يقبل بها الشعب الجزائري، فضلا عن أنها تؤكد عجز دولة الجنرالات وضعفهم..