الخميس 22 إبريل 2021
كتاب الرأي

مؤسسة عبد الهادي بوطالب: مع الأستاذ عبد الهادي بوطالب في اليوم العالمي للمرأة

مؤسسة عبد الهادي بوطالب: مع الأستاذ عبد الهادي بوطالب في اليوم العالمي للمرأة

حين اصطدمت الحركة النسائية التقدمية بالمناهضين للخطة الوطنية لإدمادج المرأة في التنمية في بداية التسعينات، لم تجد إلا عددا قليلا من العلماء المتنورين الذين وقفوا بجانبها، وفي مقدمتهم الراحل الأستاذ عبد الهادي بوطالب. وهكذا، فقد وجدت المنظمات النسائية، في عبد الهادي بوطالب، نصيرا ومحاضرا وموجها بل مدافعا عن حقوق المرأة، حيث انبرى بكتاباته ومحاضراته إلى توجيه النقاش والمساهمة في الحد من التوتر بين المكونات النسائية ومن الجدل الصاخب حول هذه الحقوق. حول هذا الجدل الذي ساد آنذاك كتب الأستاذ عبد الهادي بوطالب: "ويعرف المغرب اليوم جدالا صاخبا في المنتديات السياسية والفكرية بين مناصري "خطة إدماج المرأة في التنمية" ومعارضيها، امتد إلى المساجد، وتردد صداه بعنف في أبهاء البرلمان، وأصبح يأخذ أبعادا خطيرة تصل إلى حد تكفير معارضي الخطة لمؤيديها. وهي ظاهرة جديدة يعرفها المغرب لأول مرة منذ بداية عهد الاستقلال وتوشك أن تحدث شرخا في تماسك المجتمع الذي ميز المغرب إلى الآن عن عدد من الأقطار الإسلامية.

 

ولتوضيح الأمور، يتوقف الأستاذ عبد الهادي بوطالب عند محتوى الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، حيث يميز بين ما يرتبط بالتنمية الاجتماعية للمرأة، وبين ما يرتبط بالأحوال الشخصية مضيفا: "وأرى أن هذا الخلاف لا يرتكز على أساس. لأن الخطة المتنازَع عليها ذات شقين: أحدهما يتصل بإدماج المرأة في تنمية المجتمع وهذا واقع مترسخ في الذهنية المغربية ومعزز بالقوانين ومكرس من الواقع الذي يتعايش معه حتى معارضو الخطة بحكم أن جمعياتهم وأحزابهم وصحفهم مفتوحة في وجه المرأة التي يتعاملون معها وهي تقتعد مراكز المسؤولية العليا وزيرةً ونائبةً في البرلمان وسفيرةً وأستاذةً في الجامعة وصحفيةً ومساهمةَ في بث الإعلام. وبعبارة مختصرة إنها حاضرة في جميع المرافق المتخصصة في تدبير الشأن العام. ولا رجوع للمغرب عن هذا الاتجاه لأن حركة المجتمعات لا تعرف التراجع إلى الوراء".

 

والشق الثاني هو ما يتصل بالأحوال الشخصية وهو يمكن أن يتم في شأنه الاتفاق من منطلق المرتكزات التالية:

 

- كل ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية  الصحيحة من مقتضيات شرعية بخصوص المرأة لا يجوز المس به فهو من الثوابت التي لا تقبل التغيير. وما عدا ذلك فهو قابل للاجتهاد فيه مما جاء في الفقه الذي هو عمل بشري. ودليل إمكان النظر فيه هو اختلاف فقهاء المذاهب أنفسهم عليه، وهم لا يختلفون على ما هو دين ثابت.

 

- الإسلام دين السماحة واليُسْر فيجب اعتماد فقه التيسير وتلَمس هذا الفقه في أي مذهب من المذاهب الأربعة إذا تعلق الأمر برفع ضرر أو ضيم في علاقات الزوجية وإذا ما وُجد في هذا الفقه ما يعزز كرامة المرأة ويوفر لها ظروف المشاركة في تنمية المجتمع.

 

- القواعد العامة التي جاء بها الإسلام هي التي يجب أن تتحكم في فهم النصوص. فالسنة الثابتة تشرح الكتاب وتوضحه. والسنة هي أحاديث النبي وأفعاله وتقريراته.

 

- كل إصلاح لوضع المرأة يجب أن لا يمس بتماسك الأسرة وتوازن علاقاتها لتبقى علاقة الزوجية علاقة مودة ورحمة لا تعسف ولا غبن فيها لأي طرف.

 

إن تطبيق هذه المبادئ كفيل بأن يحقق للمرأة المغربية ما تطمح إليه من تحسين وضعها. والتأمل فيها كفيل أيضا بأن يضع حدا للجدال الصاخب الذي يعرفه المغرب ليحل بدله حوار هادئ بناء يعزز خطوات المغرب على أرض الحداثة والمعاصرة مع المحافظة على قيمه التاريخية.

 

حول مساهمة عبد الهادي بوطالب في هذا النقاش وتوجيهه، في مساعدة الحركات النسائية للخروج من حالة التوتر والصدام إلى حالة جديدة، يتحدث الدكتور لطفي بوشنتوف عن هذا الجانب، في مداخلة له حول "الثقافي السياسي في سيرة عبد الهادي بوطالب المؤرخ-الشاهد" في تخليد الذكرى العاشرة لوفاة الأستاذ عبد الهادي بوطالب حيث يقول: "وتذكرت على الفور، بعض الجلسات التي جمعتني معه، حين استدعيت للمشاركة في  بضع جلسات تجمع بين المتعة والفائدة، وكانت إحدى هذه الجلسات معبرة، وتمت في اجتماعات شبه مغلقة، ومقتصرة على فئة مختارة بعناية، من مجال العلم المتنوع. كان أحد أفراد هذه الجلسة مؤرخا وآخر عالم سياسة وآخر أنثروبولوجيا وآخر فقيه من خريجي القرويين ودار الحديث الحسنية، ومعنا الأستاذ عبد الهادي بوطالب. وكانت الجلسة من تنظيم حركة نسائية آنذاك، في الوقت الذي كانت فيه مطالب الحركة النسائية عالية. وجرى هناك حوار اتسم في كثير من الأحيان بنوع من الحدة، خصوصا ما بين الأستاذ الفقيه وما بين ممثلي تلك الحركة النسائية، حول مواضيع كانت على أهمية قصوى مثل العصمة والحجاب والإرث وبيت الطاعة وغيرها من القضايا المرتبطة بمدونة الأسرة ومدونة المرأة والطفل. تدخل الأستاذ عبد الهادي بوطالب في ذلك النقاش، وكان في تدخله إظهار لجانبين: جانب العالم الفقيه، وفي نفس الوقت، جانب العالم المتفتح على التحولات الكونية التي تتعلق بوضع المرأة. كان تدخله شافيا، لكن ما كان مهما في تدخله ليست الحجج التي أدلى بها، ولكن قدرته القوية على الإقناع، كان مقنعا أمام حركة نسائية رفعت سقف مطالبها عاليا لدرجة لا يمكن أن تتصور بالنسبة لفقيه مرتبط بالأحكام الشرعية".

 

والجدير بالإشارة إلى أن علاقة الأستاذ عبد الهادي بوطالب بهذا الموضوع لا تعود إلى كونه عالما من علماء القرويين وأحد الوجوه السياسية التي بصمت تاريخ المغرب الحديث، بل لأن الملك الراحل الحسن الثاني، كان قد كلفه سنة 1993 برئاسة اللجنة التي تولت إصلاح المدونة، وهو الإصلاح الذي كان متجاوبا مع عريضة المليون التي ساندتها الحركة النسائية والحقوقية حول هذا الإصلاح يقول الأستاذ عبد الهادي بوطالب: "وفي نهاية أعمال اللجنة رفعتُ إلى جلالته تقريرا ركزت فيه على نقطتين: الأولى تغيير اسم مدونة الأحوال الشخصية إلى اسم مدونة الأسرة والثانية التركيز على عدم كفاية الإصلاح. ووافق جلالته على الملاحظتين وقال: "لنكْتفِ بالسهر على حسن تطبيق الإصلاح على أن نفتح ملفه مرة أخرى للمزيد من الإصلاحات في الأمد القريب".

 

وبخصوص هذا الإصلاح، يقول الدكتور أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية والذي كان من أعضاء اللجنة الملكية لإصلاح المدونة بأن عبد الهادي بوطالب كانت له رؤية لبناء القانون المنظم للأسرة وتجاوز عدد من الأحكام الفقهية، مضيفا: "ولعل أبرز محطة للقاء المباشر مع المرحوم الأستاذ عبد الهادي بوطالب، كان عام 1992 بمناسبة مراجعة بعض مواد مدونة الأحوال الشخصية.

 

ففي سنة 1992 قامت حركة تطالب بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، وهو ما أثار توجها مضادا يطالب بالإبقاء على جميع مقتضياتها كما هي مع اتهام المطالبين بالتغيير بالعلمنة والتنكر لأحكام الشريعة. وعندما احتدم النقاش تدخل المرحوم الحسن الثاني في خطاب 20 غشت 1992 وطلب من الجميع أن يقدموا ملاحظاتهم ومقترحاتهم حول المقتضيات التي يرونها تتطلب التعديل أو التغيير، رفعت الكثير من المذكرات ومن المطالب إلى الديوان الملكي. وبعد تجميع تلك المطالب والتعديلات والمقترحات، تشكلت لجنة من سبعة عشر عضوا أسندت رئاستها إلى المرحوم عبد الهادي بوطالب. وبصفته رئيسا للجنة جمع تلك المقترحات التي رفعت إلى الديوان الملكي وكانت ملاحظات قليلة لا تتعدى تسعة مقترحات تتعلق بأهلية الزواج وتعدد الزوجات والولاية على الأبناء، ومسطرة الطلاق والمتعة والحضانة، إلخ.

 

ويبدو أن الأستاذ بوطالب أدرك أنه في ظل التوتر الاجتماعي القائم لن يتم الوصول إلى نتائج مرضية وفي فترة معقولة إذا طرحت المقترحات في مناقشات عامة بين أعضاء اللجنة البالغ عددهم سبعة عشر عضوا إضافة إلى السيدين: وزير العدل ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والاستاذ أحمد بنسودة من الديوان الملكي.

 

ولذلك لخص المطالب التسعة ووجه نسخة منها إلى كل عضو مرفقة برسالة تقول: "الرجاء منكم دراسة الموضوع والكتابة في كل محور بما ترونه ملائما للشرع ومقتضى التطور مع الاختصار والتركيز على الأهم عند إبداء الرأي على أن يصلني جوابكم قبل العاشر من دجنبر 1992.

وبعد التوصل بالأجوبة لخص كل جواب في جملة أو جملتين ضمنت في خانات جدول يشمل جميع الأعضاء، وبذلك اختزلت المناقشات العامة في جلسات محدودة تم بعدها تقديم المقترحات التي صدرت بها ثلاثة ظهائر مؤرخة في 10/09/1993.

 

وهذه محطة أساسية سمحت لي بإجراء مناقشات أساسية مع المرحوم بوطالب الذي اكتشفت من خلالها رؤيته لبناء القانون المنظم للأسرة وتجاوز عدد من الأحكام الفقهية في الموضوع.

 

والظاهر من هذا أن ملف إصلاح المدونة، سيظل مفتوحا، حيث يجدر القول، بأن المدونة الأولى صدرت سنة 1957، لكن تطبيقاتها، أظهرت ما تحفل به من نقائص، حيث يقول الأستاذ عبد الهادي بوطالب، بأن هذه المدونة اهتمت فقط بموضوع الزواج والطلاق وواجبات الحضانة، ولم تهتم بموضوع الأسرة في شموليته، وهو ما جعله، يغير اسمها من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة، في الإصلاح الذي تراس اللجنة التي تكلفت به سنة 1992-1993، وهو الإصلاح الذي يلاحظ عنه أنه هو الآخر مازال ناقصا، مما استدعى في مرحلة ثالثة، وعلى إثر احتدام النقاش حول مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، إلى الدعوة إلى إصلاح جديد للمدونة. هذا الإصلاح ساهم فيه الأستاذ عبد الهادي بوطالب "عن بعد" باختياره الطريق الثالث، حيث يقول: "وكانت هناك مدرسة ثالثة كنت أتحدث بخطابها وهي ترى أن عددا من مطالب النساء يمكن إرضاؤها بالاقتباس من بعض المذاهب الفقهية التي تأخذ بفقه التيسير، وتحقيق المصالح، وإبعاد الضرر والضرار، وإعمال الاجتهاد الإسلامي المنفتح: إسلام الوسطية والاعتدال، إسلام السماحة والعدل والإنصاف وتكريم الجنس البشري ذكورا وإناثا، وتحقيق المساواة بين الجنسين التي لا تعني المماثلة وتقصي الفوارق، أو تلغي مبدأ توزع الأدوار والمسؤوليات بين الذكر والأنثى، بل تعتمد في قراءة النصوص الشرعية على استنباط مقاصد الشرع مما ورد في الكتاب وصحيح السنة، على أن لا يمُس بأي حال بثوابت النصوص ذات الدلالات القطعية التي لا تقبل الاختلاف في التأويل". مضيفا: "وقد جاء مشروع المدونة الجديد يعكس هذا التوجه الوَسَطي، ويصل -عن طريق الاجتهاد والاقتباس من المذاهب الإسلامية- إلى استنباط الأحكام الجديدة أحيانا من النصوص وبعد قراءتها قراءة جديدة، أو استلهامها من مقاصد الشرع التي يجب أن يخضع لها فهم المجتهد ويصبح تابعا لها حتى لا تضيع المقاصد المتوخاة من النص ويعمل بالنص على حسابها.

 

ونحن نخلد اليوم العالمي للمرأة (8 مارس) في مؤسسة عبد الهادي بوطالب لابد أن نشير بأن هذه المدونة الثالثة تحتاج هي الأخرى إلى تقييم ومراجعة بعد إعمالها بعد حوالي خمسة عشر سنة من التطبيق، إنصافا للأسرة والمرأة معا. كما يمكننا الإشارة كذلك، إلى ضرورة العودة إلى كتابات الأستاذ عبد الهادي بوطالب في هذا المجال، سواء في كتابه "حقيقة الإسلام" أو في كتابه "حقوق الأسرة وتحرير المرأة" ويتضمن هذا الكتاب، عدد من المقالات التي يمكن أن تنور القراء، رجالا ونساء، بقضايا المرأة، خاصة وأن الأستاذ عبد الهادي بوطالب في هذا الكتاب، يتحدث عن الأسرة في الديانات الموحدة، وعن الأسرة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، وعن حقوق المرأة في الإسلام ومنهجية الاجتهاد، وعن تحرير المرأة في نهاية القرن العشرين-الجدال وحتمية التغيير.

 

كما يمكن العودة إلى كتابه حول قضايا الإسلام المعاصر وخاصة مواقفه وتحليلاته حول الاجتهاد في الإسلام، إذ في هذا الباب يقول الأستاذ عبد الهادي بوطالب : "لم يترد الفكر الإسلامي ويتأخر المسلمون إلا بعد أن عطلوا الاجتهاد، وجمدوا الفكر وهمشوا المرأة. وعلينا ومعركة الإصلاح محتدمة اليوم، أن نختار بين تخلف يشل جناح المرأة ويزيد مجتمعاتنا تخلفا، وبين تقدم مرشد عقلاني، يعمل بجناحين، ويستحث خطانا على صعيد التنمية الشاملة، والتقدم، والحداثة".