الثلاثاء 11 مايو 2021
فن وثقافة

العمراني: لمصلحة من إقصاء الحسانية واليهودية كثقافتين عريقتين اندمجتا مع كيان الوطن؟

العمراني: لمصلحة من إقصاء الحسانية واليهودية كثقافتين عريقتين اندمجتا مع كيان الوطن؟  الحسين العمراني

إقرار دستور 2011، كمرجعية أساسية، حفزالإعلامي الحسين العمراني  للترافع وفتح ملف مكون تراث الثقافة اليهودية والحسانية مستندا في قراءته على خطابات ورسائل ملك البلاد لتثمينه وتحصينه وتقديمه للأجيال كرافعة تنموية. في هذا الحوار يكشف الحسين العمراني صاحب برنامج "صناع الفرجة" المتميز، والذي خبر دهاليز إعلامنا التلفزيوني والإذاعي في زمن "أم الوزارات" بالعديد من البرامج بصوته الجميل واختياره لمواضيع أجمل، ل"الوطن الآن" عن التهميش والنسيان الذي طال تراثنا المغربي المتعدد الروافد والخصوصيات، حيث يربط ذلك بـ "الإقصاء وطمس جانب مهم من هوية هذا الوطن وثقافته، والتي عانى منها المغرب لسنوات طويلة".

 

بصفتك إعلاميا تشتغل على ذاكرة الموروث الثقافي المغربي بروافده وخصوصياته المتنوعة، كيف تقرأ التعاطي المحتشم على مستوى التلفزة والإذاعة مع تراث الثقافة اليهودية والحسانية كمكون أساسي تاريخي؟

أولا، لابد أن أحيي طاقم صحيفة " الوطن الآن" على فتحها لهذا الموضوع الذي أربطه شخصيا بالإقصاء وطمس جانب مهم من هوية هذا الوطن وثقافته، والتي عانى منها المغرب لسنوات طويلة، إلى درجة أنه لما خرجنا من هذا المأزق، ووقع الانفراج (بعد إقرار دستور 2011) لم نستطع أن نعطي لكل ذي حق حقه، ولم نحاول أن نجمع الشمل والتعامل مع هذا المقصي أو المنسي بالشكل الذي نعطيه للمحظوظين والمهيمنين.

 

حدثنا عن تجربتك الإعلامية في التعاطي مع تراث هذه الأنماط الثقافية (شعر، غناء، موسيقى، رقص..) على مستوى البرامج الإذاعية...

من خلال تجربتي في الإذاعة الوطنية استطعت أن أعرف أشياء كثيرة. وبفضلها اطلعت على مجموعة من المواضيع والقضايا الخفية التي كانت غائبة عني. فقبل التسعينات عانينا الشيء الكثير مع مواضيع كانت تدخل في إطار ما هو (طابو) المسكوت عنها في المشهد الإعلامي، وكان يمنع منعا كليا التداول فيها وهي الأمازيغية واليهودية.

كنا نتفادى إدراج أغنية أمازيغية أو يهودية في الإذاعة الوطنية، بل كنا نخاف من التعامل مع هذين الموضوعين، مع العلم أن الأمازيغية هي هوية هذا الوطن الأصيلة بلغتها وعادات وتقاليد أهلها وفنونهم المتنوعة. ولكن مع مرور الوقت تغير كل شيء، وأصبح الحديث عن الأمازيغية شيء عادي وطبيعي في الإعلام المغربي. باستثناء الثقافة اليهودية التي بقيت مسكوتا عنها إلى أن أفرج عنها هذه السنة وأصبح الجميع يتحدث عنها.

 

 المغرب تعايش مع العديد من الثقافات والديانات، ويتوفر على مخزون هائل من تراثه المادي واللامادي المتعدد الأنماط والأشكال، ألم يحن الوقت لتسليط الضوء على الثقافة والفن اليهودي في المغرب، ونفس الشيء بالنسبة للثقافة الحسانية؟

بالفعل هناك ثقافتان راسختان في ذاكرة وتاريخ هذا الوطن، فمن حق الأجيال أن تعرف تاريخ وطنها، ومن ساهموا في ثقافته وفنه وغنائه ورقصه، (لباسا ومعمارا وطبخا وزخرفة وتجارة وصناعة..)، وليس من حق أي أحد أن يقصي ثقافة عريقة وتراث قديم تعايش وتفاعل واندمج اندماجا كلي بأعلامه ورموزه ورواده مع كيان هذا الوطن. ليس من حق أي أحد أن يطمس جوانب من ذاكرة هذا الوطن.

خلال زيارتي مؤخرا لمنطقة الجنوب الشرقي لبلدنا بمدن الرشيدية، و أرفود و الريصاني، أثارني الحضور القوي لمآثر اليهود المغاربة، فرغم هجرتهم لهذه المناطق إلا أنهم مازالوا يحتفظون بمعابدهم الدينية الأثرية، والأحياء القديمة التي كانوا يعيشون فيها والمعروفة بالملاح. وانبهرت بذاكرة شيوخ هذه المناطق الذين مازالوا يحتفظون بذكرياتهم مع اليهود والأدوار التي كانوا يقومون بها. وحسب هؤلاء الشيوخ فاليهود لهم الفضل في تحريك عجلة الاقتصاد في المنطقة، ومعهم وعلى أيديهم تعلموا الصناعة التقليدية مثل الصياغة والنجارة، بل إن هؤلاء الشيوخ يعترفون ببراعة اليهود وإتقانهم لمختلف الحرف اليدوية مثل صياغة الذهب والفضة... وبفضل مساهماتهم الفعالة في مختلف الأنشطة استطاعوا تحسينَ الوضعية الاقتصادية.

 

ألا ترى معي أن هناك تعاملا مناسباتيا مع تراث المغرب على مستوى البرامج، وتعاطي محتشم مع غنى وتنوع روافده كالثقافة الحسانية على الخصوص؟

حديثنا عن الأمازيغية واليهودية يقودنا حتما إلى الحديث عن التراث الحساني والأغنية الصحراوية في إذاعاتنا المغربية، حيث أن قنواتنا لم تعط هذه الثقافة حقها من التعريف، فمثلا برامجها عن الصحراء ظلت مناسباتية، وسهراتها وبرامجها الفنية ينعدم فيها الفن والتراث الحساني كمعطى ومكون أساسي في الثقافة المغربية. إنهم يتعاملون مع الثقافة الحسانية بعكس اهتمام صاحب الجلالة بالتراث.. فإذا تصفحنا خطب صاحب الجلالـة الملك محمد السـادس نلاحظ اهتمام جلالته بالتراث وقيمته الثقافية والفنية، حيث وجه في أكثر من مناسبة خطب ورسائل يؤكد فيها على قيمة وأهمية الموروث الثقافي.

 

هل يمكنكم الاستشهاد ببعض ما ورد في رسائل وخطابات الملك في هذا الشأن؟

في رسالة كان قد وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في الدورة 23 للجنة التراث العالمي في 26 نونبر1999 قال فيها: "إننا اليوم مسؤولون جميعا عن حماية هذا التراث بكل أشكاله والحفاظ عليه للأجيال المقبلة". وفي خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2017، نبه جلالة إلـى «أهميـة إيلاء الاهتمام للثقافة الحسانية والتراث الصحراوي والتعريف به، من خلال توفيـر البنيات والمرافق الثقافية، وتشجيع المبادرات والتظاهرات الفنية، وتكريم أهـل الفـن والثقافـة والإبداع». وأضاف الملك محمد السادس أنه على «غرار كل مكونات الهوية المغربية الموحدة، حيث لا يوجد فرق بين التراث والخصوصيات الثقافية واللغوية بكل جهات المغرب، سواء بالصحراء وسوس، أو بالريف والأطلس، أو بالجهة الشرقية». وأكد جلالة في نفس الخطاب على «أن العناية بالموروث الثقافي المحلي، لا تعني أبدا التشجيع على التعصب أو الانغلاق، وإنما تجسد الإعتزاز بتعدد وتنوع روافـد الهوية الوطنية في ظل المغرب الموحد للجهات». إن رسائل جلالة واضحة جدا ولكن هناك جهات تجاهلها، فمهرجاناتنا لا تستضيف فنانين حسانيين وقنواتنا لا تعير أي اهتمام للتراث والفن الحساني.