الثلاثاء 22 يونيو 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (2)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (2) الفنان حسن الزرهوني (يمينا) والزميل أحمد فردوس

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد وجدنا أن الغزل قد حظي باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم(ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نسوق في الحلقة الأولى مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم(ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي سنحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي و عبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

فهل توفق الناظم/ الشاعر في وصف الحبيبة/ المرأة الفاتنة التي كانت سببا في معاناته، وهل صاغ متونه الشعرية وكلماتها وصورها البلاغية بنفس يعكس حجم عشقه للمحبوبة في زمن غير زماننا، وأسئلة أخرى سنجيب عليها في الحلقات القادمة؟

الحلقة الثانية من هذا الملف سنخصصها لتفكيك الشطر الثاني "السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ" من عنوان هذه العيطة في سياقها التاريخي ومواقع وأمكنة أحداثها التي يرويها حسن الزرهوني على لسانه استنادا على مراجعه ووثائقه التاريخية التي نهل منها زاده المعرفي. والتي يؤكد على أنها ليست "قرآنا منزلا".

 

إسقاط وإغفال كلمة "السًكًةْ" من متن عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ"

تعتبر عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، من أجمل وأطول العيوط العبدية الحصباوية التي تتكون من عشرة أجزاء، حيث يتغنى بها الشيوخ على المقامات الموسيقية المتمثلة في مقام "البَيَاتِي" على "لاَ"، ومقام "صٌولْ" و"فَا"، ثم مقام "سِيكَا" على "صٌولْ".

 

عند استماعنا لتسجيلات أغلب شيوخ العيطة الحصباوية بمنطقة عبدة بخصوص هذه العيطة، أثار انتباهنا إسقاط كلمة "السًكًةْ" من الجملة الشعرية، حيث غيرت الكثير من مقدمتها إلى درجة أنها كانت سببا في تناسل روايات أسباب نزولها، وانتصب أمامنا سؤالا عن السبب في إغفال كلمة أساسية بل تعتبر مفتاحا لتفكيكها، حيث يقتصر الشيوخ على قول: "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، دون ذكر كلمة "السًكًةْ"، مما أفقد العيطة معناها ومضمونها وسياق وقائعها وأحداثها التاريخية، حيث يؤكد الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني أن الصحيح هو "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ".

لماذا أشار الناظم(ة) لـ "السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ" في الشطر الثاني؟

 

للترافع عن هذه الرواية استحضر ضيف الجريدة في نقاشنا حدث تاريخي بالغ الأهمية، تزامن مع تلك الفترة الزمنية يتعلق بدخول القوات الأمريكية وإقامتها قواعد عسكرية ببعض الموانئ المغربية ومن بينها ميناء مدينة أسفي، حيث يقول: "اعتبر المغرب من بين الدول الاستراتيجية في مخطط دول الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية لإقامة محطات عسكرية قصد الهجوم على ألمانيا النازية التي تحالف معها الجنرال فرانكو، والفاشية في إيطاليا... بعد أن احتلت ألمانيا منطقتي "الْأَلْزَاسْ" و"اللٌورِينْ" في فرنسا حيث كان الإنزال العسكري في هذه البلدان مستحيلا". هذه المعطيات جعلت من منطقة المغرب العربي موقعا استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية لمواجهة القوات النازية في جنوب أوروبا.

 

المؤرخون يؤكدون أنه "بعد المفاوضات بين بريطانيا وأمريكا تم الاتفاق على إنزال قوات الحلفاء في الشواطئ المغربية والجزائرية". حيث أطلق على هذه العملية اسم "الشٌعْلَةْ"، والتي تنص على أن "تكون البيضاء قاعدة أمريكية تحت قيادة الجنرال (بَاتٌونْ) ومن خلالها يتم الإنزال في كل من موانئ البيضاء وأسفي والمحمدية والمهدية وأكادير بقيادة إيزنهاور".

 

هذا الإنزال اعتبر من طرف المراقبين "ضربة قوية للمقيم الفرنسي (نٌوكِيسْ) بعد هزيمة فرنسا في مواجهة ألمانيا سنة 1940، وحاول أن يقاوم هذا الإنزال، حيث دخل الجيشان في مواجهات عسكرية لمدة ثلاثة أيام، استسلمت فيها القوات الفرنسية أمام القوات العسكرية الأمريكية التي بادرت إلى توزيع مناشير تؤكد من خلالها على أن "هدفها هو حماية المغاربة وتحريرهم من القوات الفرنسية". وعلى ضوء هذه الأحداث المتسارعة انعقد مؤتمر "أَنْفَا" سنة 1943، بالبيضاء بحضور كل من رٌوزْفَلْتْ، وتْشِرْشِلْ، و دٌوغٌولْ، وتغيب سْتَالِينْ بسبب الحرب مع القوات النازية الألمانية .

 

مواجهات عسكرية بين القوات الأمريكية والفرنسية بأسفي

لقد كان ميناء مدينة أسفي هو القاعدة العسكرية البحرية للقوات الفرنسية، حينها أعلنت حالة الطوارئ في صفوفها، بعد وصول سفن حربية محروسة بالبارجة الأمريكية أسندتها جوا طائرات أسطول حاملة طائراتها، ونفي الشيء تم بـ "جٌرْفْ لِيهٌودِي"، الذي يبعد عن المدينة بحوالي 10 كلم، حيث تعرضت القوات الأمريكية للقصف الفرنسي، واشتبكت القوات الأمريكية والفرنسية أمام الميناء مع العلم أن الجيوش الفرنسية كانت مشتتة وموزعة بين ثكنة سيدي بوزيد (الْقَشْلةْ) وبعض النقط الأخرى بالمدينة، واستطاعت القوات الأمريكية الاستيلاء على قصر البحر باعتباره هو البوابة والواجهة الاستراتيجية لأسفي.

 

مواجهات "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ" بمنطقة سيد التيجي وتوقيف مشروع "السًكًةْ"

كان مخطط المواجهة العسكرية الأمريكية ضد الجيوش الفرنسية في تلك الفترة، هو الإستيلاء على شرايين الطريق المؤدية لمدينة مراكش، لكن في الطريق اعترضتهم القوات الفرنسية من جديد بعد أن تم تجميعها بين منطقة ثلاثاء بوﯖدرة وسيد التيجي ووقعت معركة طاحنة بين الجيشين توقف على إثرها مشروع توسعة السكة الحديدية المتجهة خطوطها من مدينة أسفي نحو مدينة اليوسفية الفوسفاطية.

 

هذه المعطيات التاريخية نعتبرها مفتاحا أساسيا لتفكيك متون عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، وشرح الشطر الثاني من البيت الشعري الذي أغفل فيه شيوخ العيطة العبدية كلمة "السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ".

 

إن مشروع توسعة خطوط السكك الحديدية كشريان اقتصادي استعماري من عاصمة الفوسفاط مدينة اليوسفية نحو أسفي كان ولا يزال يمر على مجموعة من المحطات الأساسية لقطار الفوسفاط، وهي: محطة السْوَالمْ، ومحطة معمل الجبص الذي كان في ملكية أحد الفرنسيين، ثم محطة الزْعَاكْنَةْ، ومحطة البِيضَانْ، ثم محطة العٌـﯖْـلَاتْ، ومحطة بٌوﯖَدْرَةْ ومحطة خَطْ أَزَكَانْ، وصولا إلى محطة القطار بأسفي. وهذا هو الخط السككي الذي توقف مشروعه خلال المواجهات الطاحنة بين القوات الفرنسية والأمريكية.

وللتوضيح أكثر فإن هذه الفترة كان قد انطلق فيها استثمار مناجم الفوسفاط باليوسفية، وإحداث معامل الغربلة والتجفيف، وبعدها تم بناء معمل التحميص سنة 1935، مما كان يتعين معه توسيع مشروع السكك الحديدية القياسية لنقل مادة الفوسفاط من طرف فرنسا. وعلاقة بالأحداث التاريخية التي ذكرنا خلال سنة 1942، توقف المشروع مع دخول القوات الأمريكية وهذا هو موضوع عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ".

 

في الحلقة الموالية سننتقل إلى تفكيك متون هذه العيطة في علاقة بموضوع ملفنا الإعلامي المتعلق بموضوع "شعر الغزل في عيطة بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ".