الخميس 22 إبريل 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: الحراك الشعبي الجزائري مستمر حتى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة

محمد بوبكري: الحراك الشعبي الجزائري مستمر حتى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة محمد بوبكري
لقد اعتقد الجنرالات أن الحراك الشعبي الجزائري قد انتهى مع الجنرال "القايد صالح"، لكنهم أصيبوا بالهلع عندما عاد الحراك. فماذا كانت ردود الحاكمين بعد تنظيم الشعب الجزائري لمظاهرات ضخمة في مختلف المدن الجزائرية؟
سأحاول في هذه الورقة القصيرة أن أتعرض لما قاله "عبد المجيد تبون" والجنرال "سعيد شنقريحة". فبمناسبة يوم تأميم المحروقات، تعرض "تبون" في خطابه بشكل غير مباشر للحراك، حيث تحدث عن وجود مؤامرات خارجية ضد الجزائر. ويفيد خطاب هذا الشخص أنه لا يفهم شيئا مما يحدث في الجزائر، لأنه برهن على أنه عاجز عن استيعاب خروج الملايين من الجزائريين احتجاجا عليه وعلى أسياده الجنرالات، حيث طالبوهم بالرحيل عن السلطة قائلين لهم: "الجنرالات إلى المزبلة"، "تبون مزور، جابوه العسكر"، ما يعني أنه لم يدرك بعد أن الشعب الجزائري لا يعترف بشرعيته، ولا بشرعية أسياده الذين اغتصبوا كل شيء.
أما الجنرال "سعيد شنقريحة"، فقد بدأ يوجه خطبه السياسية من الثكنات العسكرية، ما دفع متتبعين وخبراء جزائريين إلى قول إن هذا الجنرال لا يدرك شيئا في السياسة، ولا يعرف الشعب الجزائري. فقد استغل أياما دراسية حول ما ُسمي بـ "الجيل الجديد" للرد على الحراك، فبين أنه يسير على نهج سلفه الجنرال "القايد صالح" الذي كان يوجه خطبه من الثكنات العسكرية، دون أن يدرك الفرق بينه وبين "القايد صالح"؛ فهذا الأخير كان قائدا للأركان ونائبا لوزير الدفاع، ما كان يبيح له التحدث في السياسة. أما "شنقريحة"، فهو قائد أركان فقط، وبالتالي لا يجوز له التحدث في السياسة، لأنه ليس نائبا لوزير الدفاع، ما يفرض عليه الكلام فقط في الأمور التقنية العسكرية، وما تقتضيه من عمليات وإجراءات تقنية. لهذا لا يمكنه الخلط بين ما هو عسكري وما هو سياسي، كما لو كان رجل دين. وكما لا يجوز لرجال الدين أن يخلطوا بين السياسة والدين، فإنه لا يسمح للعسكر أن يخلطوا بين السياسة والعمل العسكري، لأن العسكر يمثلون الوطن كله، وإذا تسيسوا، فإنهم يصبحون طرفا في الصراع السياسي داخل الوطن، ما ينعكس سلبا على الوحدة الوطنية والوحدة العسكرية معا.
هكذا، فقد تجاوز "شنقريحة" صلاحياته، لأنه يؤكد بفعلته تلك، أنه يعتبر الجزائر ثكنة عسكرية تخضع له. وإذا كان سعيد يريد الحديث عن مشكلات الجزائريين داخل الثكنات العسكرية، فإن الملاحظين والمعارضين الجزائريين يؤكدون أن هذا الشخص لا يعرف واقع الجزائر، لأن الجنرالات قد انسلخوا منذ سنين عن هذا الواقع، بل إنهم لا يعرفون أحياء العاصمة الجزائرية، حيث لا يعرفون الطرق المؤدية إلى "باب الواد" و"الحراش" وغيرهما من أحياء العاصمة. وإذا كانوا يعتبرون أن هناك مؤامرات خارجية لزرع الفتن في الجزائر، فلماذا لم يستطيعوا التأثير في ملايين الشعب الجزائريين الذين خرجوا للشوارع يطالبون برحيلهم؟ ألا يسيطر الجنرالات على قنوات تلفزية ووسائل اتصال عديدة ينفقون عليها أموالا طائلة من المال العام الجزائري؟ ولماذا يتهمون الأحرار بالعمالة، لمجرد أنهم يمتلكون مواقع تواصل اجتماعي محدودة يوظفونها لتنوير مناضلي الحراك الشعبي ومساندتهم؟
تبعا لذلك، فإن الجنرالات، بكل وسائلهم الإعلامية والمالية، لم يستطيعوا التأثير في الشعب الجزائري. ويدل انتفاض ملايين الجزائريين ضدهم على أنهم لا يعرفون الشعب ولا أوضاعه، لأنهم انسلخوا عنه، ولذلك لا يمكنهم التأثير عليه؛ فهو يعرفهم ويعي نواياهم، وهم لا يعرفونه. لذلك، كيف يمكن للجهات الخارجية أن تتحول إلى طرف في الصراع داخل الجزائر؟ ولماذا عجز الجنرالات عن تأطير الشعب الجزائري؟ أليسوا هم الذين يتآمرون على الجزائر وشعبها؟ ألا يشكل احتجاج ملايين الجزائريين ضدهم أنهم مصدر المؤامرة؟ ألا يعني أنهم يرفضون تحمل مسؤولية ما يحدث في الجزائر؟ إن هؤلاء الجنرالات يرتكبون خطأ منهجيا كبيرا، حيث إن العامل الداخلي حاسم في حدوث ما يجري في الجزائر. أما العامل الخارجي، فتأثيره ثانوي جدا، إن كان موجودا أصلا. وما دام حكام الجزائر لا يدركون هذا، فإنهم لن يعوا أنهم مسؤولون عن الأزمة الجزائرية الراهنة، وأنهم هم مصدر المؤامرة، لأنهم تسببوا في كل شيء. وهذا ما جعلهم يتهمون معارضيهم بتزوير الواقع، حيث يرفضون رؤية أنفسهم في مرآته، لأنهم زوروا كل شيء، بل إن نظامهم ينهض على الكذب والتزوير والقمع. وإذا كانوا يتآمرون على الحراك، فإن هذا يدحض حديثهم عن روابط الأخوة التي تجمعهم مع الشعب، لأن الشعب الجزائري يقر بأخوته مع الجنود، لا مع الجنرالات الذين سرقوا خيراته وقوته وأحلامه... لذلك، فإذا أخرجوا الجيش من الثكنات لمواجهة الحراك، فمن المحتمل أن يوجه الجنود الذين هم أبناء الشعب، بنادقهم إلى صدور الجنرالات، وينقلبون عليهم. فالجنود هم مجرد جزء من الشعب يعانون ما يعانيه الجزائريون من ضائقة مالية واجتماعية... كما أنهم يعون أن الحراك يريد أن يحرر الجندي والمهندس والطبيب والقاضي من تحكم الجنرالات وتسلطهم عليهم، حيث يعتبرونهم مجرد عبيد في كنفهم.
وإذا كان خطاب شنقريحة يتضمن تنديدا مبطنا بالحراك، وتهديدا للمشاركين فيه ولمن يدعمونه، فإن هذا يؤكد أن الحراك قد زعزع عصابة الجنرالات، ما سيجعل المظاهرات الشعبية في يوم 26 فبراير المقبل أكثر قوة وانتشارا من مظاهرات يوم 22 فبراير الماضي.
لذلك، على الجنرالات أن يفهموا أن الشعب هو من أطاح بنظام "عبد العزيز بوتفليقة" وعصابته، وليس الجنرال "القايد صالح"، لأن ما قام به هذا الجنرال هو فقط عمل على أن ينجو بنفسه وتبرئتها مما قامت به عصابة "بوتقليقة". وهذا ما يفرض على الجنرالات الاستفادة من هذا الدرس، لأن الجيش قد فقد توازنه، وإذا اشتد الضغط عليه، فقد ينقلب على بعضه البعض...
وعلى الجنرال "سعيد شنقريحة" أن يعلم أن كلا من الرأي العام المحلي والدولي يعيان أنه مسؤول عن عمليات التعذيب، ما سيعرضه لمصير الجنرال خالد نزار في الساحة الدولية، حيث له قضايا في مختلف المحاكم الدولية. كما أن عليه أن يعي أن الجنرالات هم مصدر المؤامرة على الجزائر وشعبها، لأنهم نهبوا خيراتها وحرموا هذا الشعب الشقيق من كل حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لذلك كفى من الكذب على الشعب وتوجيه الاتهامات المجانية إلى الغير. إضافة إلى ذلك، فإذا كان الجنرال " القايد صالح" وأتباعه قد تمكنوا من سرقة ثورة الحراك الأول، فإن الشعب الجزائري قد استفاد من تلك التجربة، ومن تجارب أخرى، ولن يسمح للجنرالات بتكرارها مرة ثانية، وهو عازم على الاستمرار في حراكه حتى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديث.
إن الجزائر توجد اليوم أمام خيارين: إما أن ينسحب العسكر من السلطة، أو يتمسكوا بها، وهو ما قد يدخل البلاد في متاهات تهدد الكيان الجزائري. وقد تنبأ بعض الخبراء العالميون بأن الجزائر، إذا لم تعرف إصلاحات جذرية مستعجلة، فستدخل في متاهات خطيرة تصيبها بعاهات مستديمة قد تفضي إلى انهيارها التام.