السبت 8 مايو 2021
فن وثقافة

عبد العالي بلقايد: حضور آلة لوتار وسبل تلقي وتعلم فن العيطة

عبد العالي بلقايد: حضور آلة لوتار وسبل تلقي وتعلم فن العيطة الباحث عبد العالي بلقايد مع صورة من أرشيف حلقة الشيخ بن حمامة بساحة جمع الفنا

 ملاحظة أثارت انتباهنا تمثلت أساسا في استعمال سائر ألوان العيطة للآلات الوترية سواء آلة لوتار أو العود، إلا العيطة الحوزية التي استبعدت هذه الآلة من عروضها.

 

إذن ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟

 

عند التحري وإجراء مقابلات مع الشيوخ وبالأخص القاطنين بمدينة ابن جرير، أقروا بظهورها (آلة لوتار) في شكل من أشكال الفرجة التي كانت تصاحب أداء العيطة في "الخيمة البيضاء"، التي هي وسيلة من وسائل تنقل (رْبَاعَةْ) من دوار لدوار لغاية الفرجة والتكسب. وهي ظاهرة لا تخص العيطة الحوزية لوحدها، بل تعم سائر ألوان الموسيقى التقليدية. فهذا واحد من (مَدًاحَةْ) وهي مجموعة شعبية تتعاطى للموسيقى التقليدية بأراضي الشاوية يقول: (كَانٌوا جْدٌودْنَا كَاْيِديرٌوا الْمْدِيحْ في لْمْوَاسَمْ و لَحْلاَقْي، وكَانٌوا يْسِيحٌوا فِ الدْواوَرْ ولَقْبَايَلْ) وهذا القول نقلا عن  الباحث الأستاذ التهامي الحبشي  .

 

فإذا كان الشيوخ يتحولون إلى موسيقيين جوالين في فترات من السنة التي ينخفض فيها منسوب الطلب على الموسيقى، فهذه الممارسة التي تتم بـ "الخيمة البيضاء" تكون فيها الفرجة عبر مرحلتين.

المرحلة الأولى هي التي تكون بآلة لوتار، فبعد تناول وجبة العشاء، وشروعهم في احتساء كؤوس الشاي يؤدون عيطتين أو ثلاثة، حسب رواية الشيخ كبور البلاوي (شيخي بويا رحال، بن كبور، ورجال لبلاد). والغاية منها هو التسليم، والتقديم  للفراجة التي ستكون بالكمان فقط ويغيب فيها لوتار .

 

وهذه الممارسة كانت تتم وسط الخيمة  البيضاء، لا الخيمة السوداء، بحيث أنها بالأولى لا ترتبط بمناسبة معينة بل هي مرتبطة بأجندة الشيوخ، عكس الثانية التي كانت مرتبطة بموسم صالح من صلحاء القبيلة، سواء تعلق الأمر بسلام البحيرة، أو الكعدة، أو رما ابن جرير، الذين يطوفون بخيامهم السوداء إيذانا باقتراب موسم الولي الصالح لأجل تقوية تلاحم أبناء القبيلة أو الفخدة أكثر، ولأجل التذكير وإحياء الانتماء والانتساب لأصل واحد.

 

فالموسيقى بهذا الفضاء يكون دورها دورا اجتماعيا، وثقافيا، لأجل ترسيخ اعتقاد يشكل لفيفا وجدانيا لمجموعة بشرية تشترك في الولاء لرجل واحد مشهور لديهم بالصلاح. وهم يسعون إلى التشبث بالذاكرة لتقوية أواصر التقارب والتضامن في مجتمع كان يولي تقديرا كبيرا للعرف الذي يغذي الثقافة المحلية والتي تبنى في جزء منها على تشريف الصلحاء الذين اشتهروا بالورع وعلى دراية بالشرع، ما مكنهم في فترات تاريخية أن يلعبوا دورا كبيرا في ضبط العمران والموازنة بين مصالح القبيلة ورغبة الدولة كممثل للشرع في ضبط المجال وإبعاد أي شكل من أشكال السيبة .

 

نفس الأمر كذلك بالنسبة للخيمة البيضاء فقد كانت لها أدوار لا تقل أهمية عن دور الخيمة السوداء، فبالإضافة لـ (لَفْرَاجَةِ) الفرجة التي كانت تتم عبر العرف، كانت الغاية من هذه الجولات هو إكساب المبتدئين من الموسيقيين فرصة التمكن من  متون العيوط، بحيث أنهم سيكونون ملازمين لذوي التجربة لفترة طويلة سيتمكنون من الأخذ عنهم خلالها.

 

إذا كان هذا الفضاء هو مكان تعليم العيطة للمبتدئين فقد شكلت الحلقة وسيلة من وسائل تعليمها وأخص هنا شيوخ العيطة الحوزية الذين منحوا هذا اللون الموسيقي حلقة بساحة جامع الفناء وهي من أشهر الساحات الفنية عالميا. هذه الحلقة اجتمعت فيها الموسيقى التقليدية، مع الدراما الشعبية للبساط والتي تمحورت حول الشيخ بن حمامة الذي جمع بين الفنين وكان يحمل (عٌكًازَةْ) أو عصا بيده وهي تعبير عن امتلاكه للمشيخة، ما يجعل ممارستها أي المشيخة تقتضي الالتزام بعرف القبيلة المتمحور حول الأرض والإسلام وثوابت الأمة ما جعله في تناقض مباشر مع الباشا الكلاوي ومع الإدارة الاستعمارية شأن الكثير من الفنانين الشعبيين بالمغرب ذكورا وإناثا وما عرضه للنفني للتادلة وفي ذلك يقول:

 

"تْبَانْ الْكٌتْبِيًةْ مْتٌوْجَةْ

تْفَاجِي عْلَى لَغْرَاسْ

بَلْغٌوا سْلاَمِي لَوْلاَدْ

الرْحَامْنَةء دٌوُارْ

بِدَوًارْ كٌلْ قْدَمْ

 سْلاَمٌو جْدِيدْ

حْتًى لِي كْرَهْنَا مْحَبًةْ

اللًهْ تَكْفِينَا مْعَاهْ    

دْعٌو مْعَانَا يَا نًاسْ

مَلِي تْكْونٌو مْجَمْعِينْ

عْلَى الْكَاسْ يَا نًاسْ

يَرْحَمْكٌمْ اللًهْ"...

 

إن المشيخة لم تكن مقتصرة فقط على إتقان أصول الحرفة، بل أداة في خدمة مصالح وأعراف الأمة والاصطفاف حيث مصلحتها.

 

لقد شكلت الحلقة مجالا لتعليم أصول العيطة، فهي الفضاء الذي كان يشكل ملتقى جميع من أراد أخذ متونها، فأغلب من أتقن هذا الفن لابد له من ممارسته في حرمها. فجل شيوخ العيطة الحوزية قد مروا من هذه التجربة التي تعتبر محكا أساسيا للارتقاء بالتجربة الفنية والتي تقتضي التمكن من أصول التواصل مع الجمهور والمتلقي بشكل عام.