الأحد 26 سبتمبر 2021
منبر أنفاس

أبو إكرام المغربي: عودة الروح ونفض غبار الأساطير عن الجزائر

أبو إكرام المغربي: عودة الروح ونفض غبار الأساطير عن الجزائر انتفاضة أمازيغ منطقة القبائل
حان الوقت لكي نشرع في التخلي عن المغالطات التاريخية والأساطير المؤسسة لدولة الجزائر في شكلها الحالي.
لقد رسخوا في الأذهان أن الجزائر تعرضت للاحتلال سنة 1830. هذه المقولة تنطوي على أكبر عملية نصب وتضليل. إن الإقليم الذي احتله الفرنسيون في البداية هو ذاك المحيط بمدينة الجزائر.
ومنذ ذاك التاريخ بدأت فرنسا تتوسع تدريجيا وعلى مراحل. فبدأت تقضم شرقا باتجاه قسنطينة وبجاية ومناطق كانت تابعة لنفوذ بايات تونس.
وغربا توسعت باتجاه إقليم وهران l'Oranie ومعه تلمسان وأحوازهما. ثم اتجه الفرنسيون جنوبا ونحو الجنوبين الشرقي والغربي. في الجنوب الغربي انتزعوا مناطق شاسعة جلها كان تابعا لنفوذ سلاطين المغرب الأقصى كبشار وتندوف وأدرار والعبادلة وتوات وغيرها.
وقد استغلوا في ذلك هزيمة الجيش المغربي في معركة اسلي، ثم القلاقل التي حدثت داخل الأسرة المالكة عقب وفاة السلطان الحسن الأول عام 1894 . فاستغلوا الحرب الأهلية سواء مع متمردي بوحمارة أو بين الحيشين العزيزي والحفيظي، ليضيفوا مدنا ومداشر وواحات إلى الحزائر الفرنسية.
كل هذا حدث في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وليس في ثلاثينيات القرن التاسع عشر كما رسخ ذلك كتاب ومؤرخو بومدين وجماعته.
أمام هذه التوليفة غير المتجانسة من الأقاليم التي جمعتها فرنسا لخدمة أهداف استعمارية صرفة، وجد السكان الأصليون les indigenes أنفسهم أمام فكرة واحدة جمعتهم هي طرد الاستعمار الفرنسي، ولا شيء غيره.
أثناء الفترة الاستعمارية التي استمرت في إقليم الجزائر المدينة 132 عاما، وفي أقاليم أخرى حوالي 60 عاما، فقد السكان الأصليون اتجاه بوصلة قيمهم وروابطهم الروحية القديمة مع قادتهم (أمير المؤمنين بالنسبة لمن كانوا على بيعة لسلاطين المغرب، وشيوخ الزوايا بالنسبة لمن لا بيعة في أعناقهم أو لهم خصوصيات مذهبية كالإباضية في وادي بني مزاب).
ولما انطلقت حرب التحرير في منتصف خمسينيات القرن العشرين انقسم زعماء الثورة بين سلفيين يريدون بناء دولة على أسس إسلامية، وشبان متحمسين للتيارات المعاصرة كالشيوعية، وآخرين أبهرهم انقلاب محمد نجيب وجمال عبد الناصر في مصر. وقد تزعم هذا الأخير للتيار القومي العروبي، وهو الذي استتب الأمر له في النهاية. وكان في مقدمة هؤلاء الرئيس أحمد بن بلة ووزيره في الدفاع المنقلب عليه هواري بومدين.
لم تقف مكونات الصف الثوري الأخرى في الجزائر مكتوفة الأيدي، بل تمرد حسين آيت أحمد وعدد آخر من أبناء أمازيغ الشاوية والقبائل على النهج العروبي لبومدين، الذي زاده تلفيقا اعتماده سياسة اشتراكية هجينة، طغى عليها نفي كل ماهو تراثي أصيل، وحاولت اجتثاث المقومات الروحية للسكان.
لقد ظل سؤال الهوية يتردد في العقود الستة الأخيرة التي أعقبت قيام الدولة الجزائرية، وكان من أبرز تجليات هذا السؤال انتفاضة الأمازيغ بمنطقة القبائل عامي 1981 و2001، وظهور الإسلام السياسي الحركي العنيف بقيادة مصطفى بويعلى في الثمانينيات، ثم الجبهة الإسلامية للإنقاذ والمجموعات المنبثقة عنها أو المنسوبة إليها خلال عشرية الدماء، إضافة إلى الاضطرابات التي شهدتها منطقة غرداية وبريان منتصف العقد الأول من القرن الحالي بين الإباضية الأمازيغ وقبائل الشعابنة السنة العرب.
ولا يفوت المراقب أن الجزائر شهدت في السنوات الأخيرة حركة بحث عن الجذور غير عادية. تمثلت في البداية في السعي لنسب الكثير من الأطباق المغاربية المشتركة كالكسكس إليها. ثم انتقل الأمر إلى الرموز التاريخية كالقائد المغربي طارق بن زياد، والرحالة الطنجي أبي عبدالرحمن ابن بطوطة، إلى الادعاء بأن أصول يوسف بن تاشفين وغيره من ملوك المرابطين، وسلاطين الموحدين وبني مرين تنحدر من الجزائر، بل إن الرئيس عبدالمجيد تبون زعم أن الجزائريين هم من نشروا الإسلام أول مرة في أوروبا، وذهب آخرون إلى الادعاء بأن حائط البراق أو المغاربة في القدس الشريف وقف جزائري صرف.
ولما ينظر المرء في الكثير من المحتوى المرئي الذي تبثه قنوات ومواقع جزائرية يجدهم يستخدمون مشاهد ولقطات من مدن مغربية، ولصناع تقليديين مغاربة، وينسبون لأنفسهم رقصات وأغاني مغربية (العمارية وتانگافت وعبيدات الرمى وگناوة وغيرها).
هذا غيض من فيض. لكن لماذا كل هذا؟.
إن الجزائر التي تركتها فرنسا وفق الخريطة الحالية بلغت الغاية التي أريدت منها. فالنفط والغاز اللذان كانت عائداتهما تخضع للتقاسم مع المستعمر السابق قد شارفا على النضوب. والبحبوحة التي خلقتها تلك العائدات لمكونات المجتمع في الجزائر لن تعود متاحة.
كما أن الخطاب المعسول للدولة العسكرية بخلق التنمية والحرية والرخاء والعيش الكريم والتفاخر بأنهم قوة إقليمية أولى، قد أثبتت السنون زيفه. ويكفي في هذا الصدد الإشارة إلى أن نحو خمسة ملايين جزائري، أي حوالي ثمن سكان الجمهوربة، يقيمون في فرنسا لوحدها. ولا يكاد يمضي يوم واحد دون أن يحاول المئات من شباب البلد وكهوله الفرار عبر قوارب الموت نحو البر الأوربي.
الجزائر التي فصلتها فرنسا توجد حاليا في مفترق طرق بعد النكسات الديمقراطية والاقتصادية والدبلوماسية التي ما انفكت تتكبدها. ومع مرور وليس السنوات، ستزداد حدة سؤال الهويات الحقيقية العميقة للمكونات البشرية لهذه الجمهورية.
إن التاريخ يشبه النهر الذي مهما جف أو تمت تغطيته بالركام، فإن ذاكرته تبقى حية، وينتظر فقط فرصة تجمع المياه فيه بالقدر الكافي، ليعود إلى مساره الأصلي. وهذا الأمر ليس بعيدا.
وكما يقول المثل الشعبي القديم: الحديث قياس.
أبو إكرام المغربي- باحث في الشأن المغاربي