الجمعة 18 يونيو 2021
كتاب الرأي

أحمد نورالدين: النظام الجزائري يختار الانتحار

أحمد نورالدين: النظام الجزائري يختار الانتحار الدكتور أحمد نورالدين
في الأسبوع الأول من هذا الشهر أصدرت الخارجية الأمريكية تقريراً تصنف فيها الجزائر في الخانة الحمراء للدول عالية المخاطر، محذرة رعاياها من التوجه إليها. يتزامن ذلك والشعب الجزائري يتهيأ لتخليد الذكرى السنوية الثانية على انطلاق حراكه الشعبي في 22 فبراير 2019، والذي استطاع أن يعبئ ملايين المواطنين كل أسبوع للخروج في مظاهرات سلمية حاشدة تطالب بإسقاط النظام العسكري والعصابات التي تحكم هذا البلد وتتحكم في مصيره منذ ستة عقود.
وهذا التقرير ليس يتيماً، فهناك تقرير آخر صادر في يناير 2021 عن مركز الدراسات البريطاني التابع لمجلة «الإكونوميست» يصنف الجزائر في قائمة أنظمة الاستبداد أو الدكتاتوريات بتعبير آخر، وقبل ذلك كان البرلمان الأوربي قد صوّت في نونبر 2020 على قرار يندد بالانتهاكات المنهجية للحريات في هذا البلد، ناهيك عن التقارير التي تتحدث عن قمع الأقليات ومنها المُزابِيّون الذين تمّ اغتيال أحد قياداتهم الشابة الدكتور كمال فخار إلى جانب 25 من النشطاء في مدينة غرداية سنة 2015، بل وتمّ الاعتداء على معتقداتهم وتدنيس مقابرهم من قبل ميلشيات تابعة للنظام العسكري.
نفس الممارسات القمعية يتعرض لها أنصار الحكومة المؤقتة لـ «جمهورية القبائل» أو ما يعرف اختصاراً بالـ «ماك»، أماّ الاعتقالات في أوساط نشطاء الحراك الشعبي والمحاكمات الصورية في حقهم وإصدار أحكام ثقيلة بالسجن، فالأمر أدهى وأمرّ، وأكبر من أن يحيط به مقال أو مجلّد. ويكفي في هذا الصدد أن نذكر بالمرشح لرئاسيات 2019 السيد رشيد نكاز الذي لايزال يقبع في غيابات سجن القليعة ثمّ سجن البيض الذي نقل إليه بشكل تعسفي بعيدا عن عائلته، وإمعاناً في تعريضه للموت البطيء بسبب حرمانه من العلاج رغم الطلبات التي تقدم بها وتقدمت بها زوجته. وتبياناً لتخطي كلّ الخطوط الحمراء من قبل العصابات الحاكمة في الجزائر لا ننسى أنهم اعتقلوا وجوها بارزة من «المجاهدين» ضدّ الاستعمار الذين شاركوا في ثورة التحرير من أمثال الأخضر بورقعة رحمه الله دون مراعاة لسنه الذي قارب التسعين حولاً عند اعتقاله.
موازاة مع هذه الحملة القمعية التي يتعرض لها رموز المعارضة السياسية والحقوقية، لم يَتوَرّع المتحكمون في دواليب الدولة الجزائرية من إطلاق سراح رموز الفساد والقمع رغم صدور أحكام بالسجن في حقهم، وعلى رأس هؤلاء الجنرال توفيق والجنرال طرطاق، وهما على التوالي رئيس المخابرات العسكرية ونائبه خلال أزيد من عقدين من الزمن. كما تمّ إطلاق سراح ابن الرئيس عبد المجيد تبون الذي كان متابعاً في قضية تهريب الكوكايين التي أطاحت بالجنرال هامل.
وهذا ما يكشف لنا من جهة التحكم في القضاء وتوظيفه في تصفية الحسابات السياسية، وقد شهدنا خلال الحراك، التنقيل التعسفي في حق العديد من القضاة الذين طالبوا باستقلال السلطة القضائية، ومن جهة أخرى تشكل هذه الممارسات دليلاً على صراع الأجنحة داخل المؤسسة العسكرية التي كانت خفيّةً وظهرت للعلن من خلال الإقالات أو المحاكمات أو الاغتيالات في صفوف قادة النواحي العسكرية وكبار الضباط مثل اغتيال الجنرال عمار بوسيس في يناير الماضي، أو حتى هروب بعض الجنرالات إلى إسبانيا وفرنسا وسويسرا ومنهم وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار، قبل أن يعود إلى الجزائر بعد تنحي جناح الراحل الجنرال قايد صالح.
إلى جانب هذا الاحتقان الاجتماعي والاحتباس السياسي والاحتراب بين الجنيرالات، يطل على هذا البلد الشقيق تهديد آخر لا يقل خطورة، ويتعلق الأمر بالانهيار الاقتصادي الوشيك الذي من مظاهره تدهور القدرة الشرائية وتراجع أسعار النفط واستنزاف احتياطات العملة الصعبة، وشحّ السيولة إلى درجة عدم تمكين الموظفين من سحب أجورهم دفعة واحدة من البنوك، وما يرافق ذلك من تضخم وغلاء في الأسعار وندرة للمواد الأساسية كالحليب والسميد وطوابير السيارات للحصول على البنزين، وفقدان الكثير من الأدوية المستورة من الخارج في رفوف الصيدليات، والقائمة طويلة.
أمام هذه الأوضاع الكارثية يواصل النظام العسكري الجزائري هروبه إلى الأمام: سياسياً برفضه الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي وتسليم السلطة للمدنيين، واقتصادياً باستنزاف ميزانية الدولة في سباق جنوني للتسلح يمتص ثلث الميزانية العامة للدولة بحوالي عشر مليارات دولار في ميزانية 2021، وأمنياً من خلال تغذية أسباب التوتر الداخلي ورفع احتمالات تحول الحراك السلمي إلى اشكال عنيفة، قد تسمح بعودة الجماعات المسلحة التي مازالت نشطة داخل الجزائر وفي محيطها المباشر حيث يقود مقاتلون جزائريون تلك التنظيمات في دول الساحل الإفريقي ومنهم أبو عبيدة العنّابي الذي خلف مواطنه عبد المالك درودكال على رأس تنظيم «القاعدة في الغرب الإسلامي» بعد اغتياله من طرف قوات «برخان» الفرنسية في مالي.
فهل اختار جنيرالات الجزائر الانتحار بدل المصالحة داخلياً ومع الجيران؟ نتمنى حقاً ألاّ يكون الأمر كذلك لأنّ نتائجه ستكون فعلاً كارثية على كل المنطقة المغاربية، بل أبعد من ذلك.