الأحد 1 أغسطس 2021
مجتمع

بناية عشوائية تشوه ميناء مدينة الجديدة وتخرق توصية "الإيكوموس"

بناية عشوائية تشوه ميناء مدينة الجديدة وتخرق توصية "الإيكوموس" هذه العمارة احتضنت في بدايتها قنصلية الولايات المتحدة الأمريكية وأول بريد بالمغرب
في ظل سياسة تلميع الواجهة المعتمدة في تهيئ المجال بمدينة الجديدة، تبرز جملة من المشاهد السريالية والصادمة التي تعري عن واقع الحال، وتكشف عن عورة الاختلالات والتجاوزات التي ما انفكت تنخر مجمل الإرث الحضاري والمعماري والثقافي لهذه المدينة المصنف جزء منها في دائرة التراث العالمي
بشاعة المشهد تبرز بشكل فاضح على مستوى الانتهاكات التي سلطت على درج فندق مرحبا ومنزل ريكيتا وفندق فرنسا وعمارة الكوهن والبلدية القديمة (المقاطعة الحضرية الثانية)، والتي طالت مؤخرا ميناء مدينة الجديدة على إثر الشروع في بناء بناية بشكل عشوائي من جهة الواجهة المطلة على الشاطئ
كل أمة من الأمم في كافة أقطار المعمورة تحتفل بتاريخها وتفتخر بمخزونها التراثي على مختلف أشكاله وألوانه٬ إلا بمدينة الجديدة في هذا الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. حيث لا يعير المسؤولون بالمدينة اهتماماً بالغاً لهذه المعالم التَّاريخيَّة ٬بل يتم الاعتداء على معالم التاريخ والآثار بكل جهل وغباء. فيتم هدم هذا والعبث بهذا ومحو هذا ويهمل هذا ويستبدل هذا.
 
وهكذا يشعر أهل مازاغان/الجديدة بالحزن والأسى كلما رأوا المعالم التاريخية والمعمارية تتهاوى وتتساقط رويداً رويداً، أو تهدم عنوة أو بدأت بعض المباني الحديثة تخترق المباني القديمة ٬مما يشوه رسم هذه المعالم التَّاريخيَّة. وهذا هو حال المجلس البلدي، على الرغم من رقي الفكر الإنساني وتطور العلوم وزيادة الوعي. إلا أنه لا يحرص على تلك المعالم، مع العلم أنه ليس هناك أمر يستدعي إلى هدم هذه المعالم. فالواجب على كل إنسان منَّا المحافظة على ما بقي من تلك الآثار والعناية بها والاهتمام بصيانتها. ورغم صيحات أهل مازاغان/الجديدة، تتواصل عمليات البسط على الأراضي والأماكن التاريخية في عروس المحيط الأطلسي
وقد صدم مؤخرا المواطنون من جراء استحداث بناء عشوائي في ميناء الجديدة على الواجهة المطلة على الشاطئ٬ ولربما استغل فيها النافذون طريقة ملتوية لتنفيذ أعمال البناء خلسة قصد وضع الجميع أمام الأمر الواقع
ولذلك نطالب بالتحقيق مع مسؤولي الميناء بدءا بالمدير والجهات المسؤولة في المديرية إزاء هذا الاعتداء والتشويه الصارخ الذي يضر أولا بالمعلم الحضاري والأثري والثقافي الحي البرتغالي، خصوصا أن المنطقة التي شيد فيها هذا البناء الطامة يقع في المنطقة العازلة المحددة من طرف الإيكوموس (المجلس الدولي للمعالم والمواقع
وللإشارة٬ فقد جاء في الفصل 13 من الظهير الشريف رقم 1.80.341 بتاريخ 17صفر1401 (25 دجنبر 1980) والذي يتضمن الأمر بتنفيذ القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات-الجريدة الرسمية عدد 3564 بتاريخ 18/02/1981 الصفحة 162- ما يلي:
"إن المواقع الطبيعية أو المناظر الطبيعية أو الحضرية التي لها طابع فني أو تاريخي أو أسطوري أو طريف أو تهم العلوم التي تعنى بالماضي والعلوم الإنسانية بوجه عام وكذا المناطق المحيطة بالمباني التاريخية ينتج عند الحاجة عن ترتيبها فرض ارتفاقات تحدد في المقرر الإداري الصادر بالترتيب وعند الاقتضاء منع إقامة المنشآت المشار إليها في المقطع الأخير من الفصل 23 وذلك لأجل حماية نمط البناء الخاص بجهة أو محل معين أو طبيعة النباتات أو التربة". فهل يعلم المسؤولون بهذا الظهير الشريف؟
يؤسفنا ويؤسف كل مواطن مغربي غيور على الوطن أن نرى مثل هذه التصرفات التي تطال المعالم الأثرية والسياحية في مدينة الجديدة. فالمتابع لهذه الأحداث يجد أن مدينة الجديدة ضربت الرقم القياسي في البسط على الأراضي والبناء العشوائي والتشوه البصري خلال السنوات الأخيرة. وما نلاحظه اليوم في مدينة الجديدة-إلى جانب شوهة تدهور الطرقات-ما هو إلا فعل متعمد والذي يتعمد إغراق مدينة الجديدة في مستنقع الفوضى والعشوائيات ومحو الذاكرة الجماعية للجديدة على الخصوص ودكالة على العموم
مدينة الجديدة -التي تزخر من خلال تاريخها الذي يعود إلى قرون من الزمن وبريقها المعماري بتراث حضاري لا يقدر بثمن -تم تصنيف قلعتها البرتغالية على أعلى المستويات من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو سنة 2004 تراثا عالميا ولا يحتاج اليوم إلا لمزيد من جهود المحافظة عليه
أيها المسؤولون بعمالة إقليم الجدية وببلدية مدينة الجديدة٬ اعلموا جيدا أنه يتوجب أن يكون الموروث المادي واللامادي لمدينة الجديدة في قلب جميع عمليات ترقية الاستثمار والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياحية المستدامة٬ فلطالما خلف حالة تناقض بين منطقة مصنفة من طرف منظمة اليونسكو وقلة الوعي بأثر وأهمية هذا التصنيف لدى المسؤولين عن الشأن العام بالجديدة. وهكذا عانت منطقة دكالة وخصوصا مدينة الجديدة من تبعات التمدن السريع وفي بعض الأحيان الفوضوي على حساب تراثها المعماري دون احترام المعايير المعمارية، ومن جهة أخرى، نذكر بأننا حين كتبنا ونشرنا مقالا عن النية المبية لهدم عمارة الكوهن ومقالا آخرا عن الحالة المزرية لبلدية الجديدة القديمة (المقاطعة الحضرية الثانية سابقا)، قام البعض بكتابة مقال مدعيا أننا نبكي على الأطلال ولا نريد للمدينة أن تتطور. فحسب هؤلاء عمارة الكوهن لا تاريخ لها والبلدية القديمة ليست معلمة تاريخية. ولذلك نذكرهم أن معمار عمارة الكوهن هو من طراز فن الآرديكو ( (Art déco).
وهذه العمارة احتضنت في بدايتها قنصلية الولايات المتحدة الأمريكية وأول بريد بالمغرب. فلماذا لا ترمم وتصبح متحفا وطنيا للبريد مما سيساهم في تنمية المدينة خصوصا على الواجهة السياحية؟
أما البلدية القديمة، فهي المقر الذي تم به إنجاز تصاميم التطور العمراني لمازاغان/الجديدة خارج القلعة البرتغالية منذ سنة 1914. فلماذا لا ترمم وتصبح متحفا للتراث المحلي المادي واللامادي قصد إ ضفاء نفس جديد للمنطقة من الناحية الثقافية والسياحية والاقتصادية؟
-إن مخاطر هدم المواقع والمعالم العمرانية والتاريخية أو تشويهها تتمثل في العديد من النقاط، منها
-أن عمليات هدم التراث أو إهماله أو تشويهه هي هدم للذاكرة الجماعية، وحرمان للأجيال القادمة من التعرف على تاريخهم وتراثهم، وهي تعمل على قطع التواصل بين الماضي والحاضر.
-أن السماح والترخيص لعملية الهدم أو التطاول أو التشويه يساعد في نشر ثقافة الهدم للمواقع والمعالم بين المواطنين.
-إن عملية هدم المواقع والمعالم تفقد مدينة الجديدة وأبناءها التذوق الفني والجمالي المتمثل في هذا الجمال المعماري الذي ظل لعقود طويلة يبث في نفوس الرائين الشعور بالروعة.
-إن عملية هدم التراث التاريخي تفقد مدينة الجديدة موارد مالية محتملة، حين يتم تحويل تلك المباني إلى مزارات سياحية.
-إن اقتطاع وإزالة وهدم أي مبنى تراثي أو معماري متميز يضر بالنسيج العمراني المميز للمنطقة التي يقع بها. فالمناطق التراثية تتميز بأنها تربط بين الماضي والحاضر.
-إن المسؤولين عن الشأن المحلي ومن خلال قيامهم بعملية الهدم أو التشويه لا يلتزمون بالدستور الذي ينص على الحفاظ على الهوية الثقافية المغربية بروافدها الحضارية المتنوعة، والذي ينص كذلك على أن تراث المغرب الحضاري والثقافي والمادي والمعنوي، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى٬ ثروة قومية وإنسانية، تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته، وكذا الرصيد الثقافي المعاصر المعماري والأدبي والفني بمختلف تنوعاته، والاعتداء على أي من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون. فإلى متى سيستمر هذا الاستهتار ساري المفعول؟
عبد المجيد نجدي والمصطفى لخيار/ عن " الجديدة سات.أنفو"