الثلاثاء 11 مايو 2021
فن وثقافة

أسباب نزول عيطة "شريفي سيدي حسن" على لسان الفنان حسن الزرهوني (2)

أسباب نزول عيطة "شريفي سيدي حسن" على لسان الفنان حسن الزرهوني (2) الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني بجانب مشهد من نقل جثمان السلطان لمدينة الرباط

تعتبر عيطة "شريفي سيدي حسن" من العيوط الجميلة والرائعة التي ساهمت في توثيق أحداث تاريخية عاشها المغرب في فترة حكم السلطان المولى الحسن الأول، وتعرضت هذه "القصيدة" للإندثار والتلاشي والنسيان، إلى أن جمع بعض متونها الشعرية شيوخ العيطة من مدينة أسفي، على لسان الرواد من أمثال الشيخ ميلود الداهمو والشيخة عيدة وغيرهم.

ضيف جريدة "أنفاس بريس" الفنان التشكيلي والمبدع الأستاذ حسن الزرهوني استجاب لنداء ثلة من أصدقائه المهووسين بفن العيطة، فغرد بلبل منطقة الكاب، وقام بتفكيك وتحليل قصيدة هذه العيطة في سياقها التاريخي، فكانت فرصة ثمينة لإشراك القراء في هذا الطبق في انتظار تفاعل المهتمين بفن العيطة والموسيقى التقليدية كتراث مغربي أصيل.

أحمد فردوس

مرض السلطان و وفاته بسبب التعب والمرض

خلال فترة استقرار السلطان  مولاي الحسن الأول بمدينة مراكش في فصل الربيع سنة 1894، كان يهيئ للعودة لمدينة فاس، على اعتبار أنه "كان يعتزم مواجهة قبائل أيت سخمان التي نشبت معها مواجهات كثيرة اغتيل على إثرها المولى السرور أخ السلطان، وكان لابد من الثأر وإخماد تورثهم، والقضاء على انتفاضتهم".

الخطة العسكرية للمواجهة مع قبيلة أيت سخمان كانت تقتضي تنظيم حركتين سلطانيتين متوازيتين خلال فصل الصيف "الحركة الأولى عبرت الطريق المعتادة للمحلة السلطانية والتي ترأسها المولى عبد العزيز (رغم صغر سنه)، أما الحركة الثانية فقد وصلت إلى منطقة تادلة بقيادة السلطان المولى الحسن الأول بعد أن انطلقت من زاوية بن سايس وتملالت، وزيارة ضريح سيدي رحال، ثم قلعة السراغنة و واد تساوت وجمعة نتيفة وصولا إلى دار ولد زيدوح على ضفاف نهر أم الربيع". يوضح الأستاذ حسن الزرهوني.

في هذه النقطة الجغرافية تحديدا "أحس السلطان بالتعب وأنهكه المرض إلى درجة وجد فيها صعوبة مع التنفس، وشعر بأنه غير قادر على مواصلة رحلة لمحلة في اتجاه قبيلة أيت سخمان حيث مكثت المحلة السلطانية بدار ولد زيدوح مدة تسعة أيام"، و ـ حسب ضيف الجريدة ـ فإن "الحاجب الملكي أحمد بن موسى (أبا حماد) قد "طلب منه السلطان مولاي الحسن الأول أن يوثق وصية انتقال العرش للسلطان مولاي عبد العزيز وتوليه الحكم، وأوصاه بأن ينقل القرار للوزراء و المسؤولين لمبايعته والتوقيع على قرار الوثيقة السلطانية"

على عجل "عقد  أبا حماد اجتماعا طارئا مع الوزراء في خيمته الخاصة بعد التحاقهم به باستعجال، وأطلعهم على الوضعية الصحية للسلطان ومضمون الوثيقة وشرح لهم القرار، ووقعوا الوصية دون قراءة مضمونها..." ، حضر للإجتماع الوزاري كل من المعطي الجامعي بصفته وزير الحرب، وموحى التازي الرباطي  وزير المالية، و وزير البحر السي فضول غرنيط، و علال المسفيوي وزير الشكايات بالإضافة إلى أمين الحسابات العربي الزيدي، ثم أبا حماد الشركي بصفته قائد الجيش الكبير للمحلة السلطانية...".

وتدقيقا في الحديث عن تفاصيل الحدث أضاف قائلا:" في ذلك اليوم، وبحلول صلاة العصر أغمي على السلطان بمجرد أن أقام الصلاة، فتم النداء على الفقيه الحاج الهاشمي الركراكي للإطمئنان على الحالة الصحية للسلطان، إلا أنه ألح على ضرورة إحضار القائد ماكلين الذي كان ضمن طابور الحرابة وكان يقدم خدمات طبية ومعروف بحمله حقيبة الأدوية المتواضعة (دواء إنجليزي) ...هذا الأخير رفض إعطاء الدواء للسلطان دون فحصه و تشخيص مرضه خوفا من مضاعفات جانبية ..".

"العدان/الرثاء" بداية تأسيس نص قصيدة عيطة "شريفي سيدي حسن"

تتسارع عقارب الساعة والكل يضع يده على قلبه خوفا من مفاجآت غير سارة ، كون المحلة السلطانية توجد في أرض غير آمنة، لكن للأسف مع حلول الساعة التاسعة ليلا من نفس اليوم توفي السلطان مولاي الحسن الأول "دخلت خادمته الخاصة للخيمة السلطانية فلاحظت إنقطاع أنفاس مولاي الحسن الأول، فبدأت تصرخ وتنوح (العدان) راثية السلطان بكلام ارتجالي قائلة: (آآآآشريفي مولاي الحسن.. وما تموتشاي يسبقوك العديان)".

كانت هذه الكلمات بداية تأسيس نص رثائي في موت السلطان الحسن الأول، سيصبح بعد مرور الزمن قصيدة "عيطة" مركبة تعرضت للإندثار والنسيان ـ حسب اعتقاد  حسن الزرهوني ـ لذلك يصر على أنه من الخطأ أن نستهل العيطة موضوع هذه الورقات بـ (أحسنْ أحسنْ كنْتي ما تْموتْشايْ حتى يْسبْقوكْ لْعدْيانْ)، لأن الأمر يرتبط بمقام سلطان كان "عرشه على صهوة جواده" ومن خصائص البرتوكول السلطاني احترام مقام سلطان له مركزه الإعتباري الديني والسياسي.

معطيات تاريخية موثقة في منشورات "أنفاس بريس" (المغرب الذي كان)

حسب المعطيات التاريخية التي بين أيدينا فقد أخبر "أبَّا احمَاد" الجميع "أن السُّلطان مُتعبٌ للغاية، ولن يحضُر مُناقشة الأمور العادية المعرُوضة للتشاور في خيمة "المشَاورة" حيث تَتِمُّ في العادة الاستقبَالات. حَمل الحاجب المكاتِب المولويَّة التي تتطلب ختم السُّلطان إلى الخيمة، ثم عَاد بها مذيلةً بالخَاتم الشَّريف، وقدَّم التَّوضيحات الَّلازمة لكُلِّ القضايا المعرُوضة عليه. بعد ذلك أخذت المحلةُ السُّلطانية في التَّقدم، لأنَّها لا تزال بين الأَعداء".

ولم يكُن بالإمكان إدامَةُ إخفاء خَبر وفاة السُّلطان، خاصَّة أن الفصل كان صيفاً، ومن المُحتمل أن يَكشفَ الجُثمان عن السِّر(المكنون). لذلك أعلن الحاجب "أبَّا أحمَاد" أنَّ وفَاة السُّلطان قد حدثت منذ يومين، وأعلم الجميع بتَوليةُ مولاي عبد العزيز سُلطاناً، والذي اختاره المولى الحسَن قبل ذلك ولياً للعهد، في الرِّباط.

و في أعقَاب وفاة السلطان، "أُرسِلَ الرَّقاصَة إلى المدينة لإطلاع مُولاي عبد العزيز على خَبر وفاة السُّلطان. و أتمتِ المهمة على أكمل وجهٍ، وصارت المحلَّة السُّلطانية في مَأمنٍ من هُجوم القبائل المُناوئة، كما أن الإعلان عن تولية السُّلطان الجديد، الذي أضحى يُمارس الحكم فِعلياً في الرِّباط، ساهم كذلك في استتباب الأمن في الأرجاء، ومنع حُدوث انتفاضة في المحلَّة السُّلطانية. و بعد يومين، انتهى جُثمان السُّلطان الهَالك، في حالة مُتقدمةٍ من التَّحلُّلِ الفَظيع إلى الرِّباط. كان مَوكبُ السُّلطان حزيناً ومُروعاً (مخيفاً)، وكانت المحلَّة السُّلطانية تتمايل من شِدة ثقل المِحَفَّة التي تَحملُ جُثمان السُّلطان بعد رحلة خمسة أيامٍ في فصل صيف قَائِظٍ".

من المؤكَّد حسب نفس المعطيات التاريخية أن الحاجب "كان يعتمدُ أيضاً على دَعم والدة السُّلطان لالة رقيَّة. فقد كان خادماً ثابتاً ومخلصاً لزوجها السُّلطان المولى الحسَن، وحرص على تنفيذ (وصيته) بتوليَّة نجله سلطاناً. يَستندُ بقاؤه في منصبه بالأساس على دوام الحال على ما هو عليه. من دون شكٍّ كانت والدة السلطان والحاجب " أبَّا أحمَاد" يعملاَن على تحقيق نفس الهَدف.

عن استهلال عيطة "شريفي سيدي حسن" بسؤال أهل زمران

من المعلوم أن نصوص العيطة المغربية تتخذ من كلمة مطلع قصائدها عنوانا للعيطة المغناة، والأمثلة متعددة في هذا الإستنتاج ـ يقول ضيف الجريدة ـ ويستحضر هذا الأخير عنوانا آخرا مفترضا لـ "عيطة شريفي سيدي حسن" وهو "العيطة الزمرانية" التي استمدت روحها من "العيطة الزيدانية" في تلك الفترات من تاريخها، بحيث أنها (أي العيطة الزيدانية) يغلب عليها الطابع الصوفي والروحي، لكنها اندثرت وتلاشت نهائيا ولا نعثر على البعض من كلماتها إلا ناذرا". لذلك فإن مطلع سؤال قصيدة، عيطة "شريفي سيدي حسن"، والذي يقول: (أنتما الشرفة هل زمران/ آش تقولوا في شريفي سيدي حسن؟) يعتبر مدخل لاستنباط عنوانها الحقيقي والصحيح وهو "شريفي سيدي حسن".

نلاحظ في نص هذه العيطة ورود مجموعة من الكلمات والمفردات، وذكر العديد من المجالات الجغرافية والمناطق الترابية، والتي تم ضبطها من خلال الرحلات والمحلات والحركات السلطانية عبر ربوع المملكة، ونستدل هنا بعلاقة القائد عيسى بن عمر مع السلطة المركزية، على اعتبار أن القائد "كان يمول الجيش السلطاني بالعدة والعتاد والمؤن (خيول فرسان وألبسة...)، وتذْكر المعطيات التاريخية أنه كان يمد المحلة السلطانية بـ (5000 فارس مجهزة)، و وصفت عيطة "الراضوني" و عيطة "رجانا في العالي الملقبة بالصحبة"، هذا الفعل من خلال متنها العيطي الذي يقول:

" أعطيناك المال والرجال

زدناك الخيل مع الجمال

نوضو خرجوا يا الحجبات

ديرو خاطر سيدنا مولاي الحسن"

وهذا الوصف الدقيق يحيل على الحركة السلطانية رقم 12، التي زار فيها السلطان المولى الحسن الأول مدينة أسفي ومنطقة عبدة، واستضافه خلالها القائد عيسى بن عمر بقصبته.

إن الجيوش من فرسان ومحاربي القائد عيسى بن عمر ضمن مكونات الحركات السلطانية الكبرى أو خلال الحركات الصغرى كان له تأثير كبير في بناء وتأسيس نصوص "هذه العيطة"، بحكم أن من بينهم من كان فنانا وشيخا ناظما للأشعار التلقائية (ينظمون الكلام)، ومن الممكن أنهم طرحوا سؤالهم على رجال أهل قبيلة زمران بالقول: "أزمران أزمران آش تقولوا في شريفي مولاي الحسن؟" وهو سؤال يروم استقصاء رأيهم من "مواقف وقرارات السلطان بصفته أميرا للمؤمنين، على المستوى الديني والسياسي والاجتماعي..".

فكلمة "زمران" التي ذكرت في سؤال نفس العيطة بالقول "أنتما هل زمران..آش تقولوا في شريفي مولاي الحسن"، تعني قبيلة في منطقة الحوز بالمحاذاة مع مدينة مراكش بنحو 50 كلم، وهي خليط من القبائل الأمازيغية والعربية الذين استوطنوها خلال فترة حكم يعقوب المنصور الموحدي، وعرفت بشرفائها وصلاحها لأنها تتوفر على العديد من الزوايا، ومن أشهر صلحائها "الولي الصالح سيدي رحال الجزولي" الذي عايش الدولة الوطاسية والسعدية ، كان عالما وفقيها ورجل دين، حيث لعب دورا أساسيا في نشر تعاليم الدين الإسلامي السمحة، ويلقبه المغاربة اليوم بـ "بويا رحال".

يقول الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني "كانت قبيلة زمران التي تحدها مجموعة من القبائل (الرحامنة ، وكلاوة، والسراغنة، وعجدامة ، ومسفيوة، وتوكانة..) كانت تحظى بالاحترام والتقدير سواء من طرف هذه القبائل التي دأبت على زيارة زوايا زمران، التي لعبت دورا طلائعيا في إقامة الصلح بين القبائل المتناحرة"، وأكد على أنها كانت ذات أهمية في عين السلطة المركزية في عهد السلطان مولاي الحسن وتوطدت العلاقات بينهم مع محيطه "كان شرفائها يحضون بالتقدير لدى السلطان نظرا لدورهم الديني في المنطقة رغم انتفاضات القبائل ضد جبروت واستبداد المخزن المتمثل في القياد والأعيان، والتي كان يتم السيطرة عليها بتدخل أحمد بن موسى (الحاجب الملكي، أبا حماد)".

في الحلقة القادمة سنجيب على سؤال: هل توفق شيوخ العيطة بمدينة أسفي من جمع شتات و توثيق وضبط أهم الأبيات الشعرية "الْحبَاتْ" المتفرقة في عدة عيوط حصباوية والتي من المفترض أن تنتمي لقصيدة "شريفي سيدي حسن" الأصلية؟.